تحول النينيو الجديد يهدد مناخ الأرض بشكل غير مسبوق
كشف جديد من أرشيف المرجان في جزر غالاباغوس يؤكد تغيراً هيكلياً في ظاهرة النينيو مع ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة وتضاعف تأثيراتها المناخية بفعل الاحترار العالمي شاهد كيف يؤثر هذا التحول على الكوكب عبر وورلد برس عربي.

في أعماق الأرشيف الكيميائي الذي تختزنه هياكل المرجان المتحجّرة في جزر غالاباغوس، وجد فريقٌ من العلماء ما عجزت عنه عقودٌ من السجلّات الآليّة: دليلٌ على أنّ ظاهرة النينيو باتت تتصرّف بطريقةٍ لم يسبق لها مثيل في الألف سنة الماضية. الإشارة ليست هامشيّة درجات الحرارة في شرق المحيط الهادئ خلال أحداث النينيو الأخيرة تتجاوز المعدّل الطبيعي بمقدار 3 إلى 4 درجات مئوية، مقارنةً بـ1 إلى 2 درجة فقط في الحقبة ما قبل الصناعية. هذا ليس تذبذباً طبيعياً هذا تحوّلٌ هيكلي في أشدّ الأنظمة المناخية تأثيراً على الكوكب.
ألف عام في عظام المرجان
نُشرت الدراسة عام 2026 في مجلة Science، وتقف وراءها عالمة البيئة Julie Cole من جامعة Michigan، التي قادت فريقاً لإعادة بناء سجلٍّ حراري لسطح المحيط يمتدّ ألف عام، مستنداً إلى 28 سلسلة مرجانية من خمس جزر في أرخبيل غالاباغوس، تعود أقدم طبقاتها إلى نحو عام 1100 ميلادي.
المرجان ليس مجرّد كائنٍ بحري هو مقياسٌ حراري بيولوجي دقيق. تنمو هياكله بمعدّل 1 إلى 2 سنتيمتر سنوياً، وتُسجّل درجة حرارة المياه المحيطة عبر نسب السترونشيوم إلى الكالسيوم وإشارات الأكسجين المشعّة. تقول Cole: «كلّما ارتفعت درجات الحرارة، انخفض مستوى السترونشيوم في المرجان» وهذا التدرّج الكيميائي هو ما يجعل هذه الهياكل أرشيفاً لا يكذب.
ما كشفه هذا الأرشيف صادمٌ في وضوحه: التقلّبية الحرارية المرتبطة بظاهرة النينيو-لانينيا (ENSO) منذ عام 1984 أعلى بنسبة 36.5% مقارنةً بالفترة الممتدّة من 1000 إلى 1850 ميلادي، وأعلى بنسبة 16.2% مقارنةً بالفترة الانتقالية بين 1851 و1982. والأهمّ من الأرقام المطلقة: «انعدام التماثل» في التوزيع ما يسمّيه العلماء «الانحراف الإيجابي» يعني أنّ الأحداث الدافئة هي التي تضخّمت تحديداً، لا الباردة. تؤكّد Cole: «الانعدام تحوّل إلى إيجابي، والانحراف الإيجابي يدلّ على أنّ الأحداث الأدفأ هي التي ازدادت قوّةً».
ما لم يحدث في العصر الجليدي الصغير
الإشارة الأضعف لكن الأكثر دلالةً من الناحية المنهجية هي ما لم يجده الفريق. خلال العصر الجليدي الصغير، وخلال فترة الدفء الوسيط المعروفة بـ«العصر الدافئ في العصور الوسطى»، لم تُسجَّل أيّ قفزة مماثلة في تقلّبية ENSO. هذا يعني أنّ التذبذبات الطبيعية في المناخ حتى تلك التي أحدثت تغييراتٍ ملموسة في درجات الحرارة لم تُنتج ما نراه اليوم. النماذج المناخية التي تستثني التأثير البشري لم تتمكّن هي الأخرى من إعادة إنتاج هذه الزيادة في التقلّبية. مستوى الثقة في أنّ هذا التحوّل ناجمٌ عن النشاط البشري يقترب من 99%.
تقول Cole بصراحة: «حاولنا أن نجد أيّ دليلٍ على هذا في النماذج المناخية التي لا تأخذ العوامل البشرية بعين الاعتبار، ولم نجد شيئاً». وتضيف في مكانٍ آخر: «الأحداث لا تشبه على الإطلاق ما نراه في الحقبة ما قبل الصناعية».
ثمّة تفصيلٌ جغرافي يستحقّ الإشارة: سجلّات المرجان في وسط المحيط الهادئ من جزر Line Islands أظهرت ارتفاعاً مماثلاً في المتوسّط، لكن مع تشتّتٍ أكبر في البيانات، يُعزى جزئياً إلى تأثير هطول الأمطار على إشارات الأكسجين. والنماذج المناخية تتوقّع أصلاً أن يظهر تأثير الاحترار على ENSO في شرق المحيط الهادئ أوّلاً وهو ما تؤكّده Cole: «الظهور الأسرع في شرق المحيط الهادئ يتوافق تماماً مع ما تتنبّأ به النماذج».
نينيو جديد في عالمٍ أكثر رطوبة
ظاهرة النينيو-لانينيا (ENSO) هي المصدر الأكبر للتباين المناخي من سنةٍ إلى أخرى على مستوى الكوكب. تتسبّب في إعادة توزيع هطول الأمطار، وتُشعل موجات الجفاف في مناطق وتُغرق أخرى بالفيضانات. لكنّ ما يُضيفه الاحترار العالمي إلى هذه المعادلة ليس مجرّد رفع درجات الحرارة بل زيادة كميّة بخار الماء في الغلاف الجوي، ما يُضاعف التأثيرات الهيدرولوجية لكلّ حدثٍ مناخي، بصرف النظر عن شدّته الحرارية. بمعنى آخر: حتى لو لم تزدد قوّة النينيو حرارياً، فإنّ الاحترار وحده كافٍ لتضخيم الفيضانات والجفاف المصاحبة لها.
لكنّ الدراسة تقول إنّ القوّة الحرارية ازدادت هي الأخرى. ومنذ انتهاء السجلّ المرجاني، وقع حدثان قويّان إضافيّان لظاهرة النينيو، فيما تتشكّل حالياً موجةٌ جديدة يُتوقّع أن تكسر الأرقام القياسية.
تُلخّص Cole المشهد بعبارةٍ تجمع بين الحذر العلمي والوضوح الاستراتيجي: «لا نتنبّأ بالمستقبل. لدينا كرةٌ بلّورية نطلّ من خلالها إلى الماضي إنّها ضبابيّةٌ بعض الشيء، لكنّها مرجاننا». وتذهب أبعد من ذلك حين تصف ما تراه: «يبدو أنّ ما نشهده ليس مجرّد استثناء عابر، بل نمطٌ جديد، أسلوبٌ جديد لظاهرة النينيو».
ثلاثة مسارات أمام نظامٍ متحوّل
ما الذي تقوله البيانات عن المسار القادم؟ بلغة النماذج الاحتمالية، ثمّة ثلاثة سيناريوهات:
الأرجح: استمرار التقلّبية المرتفعة لظاهرة ENSO في شرق المحيط الهادئ مع كلّ موجة احترار إضافية، مع تصاعدٍ تدريجي في حدّة الأحداث القصوى فيضاناً وجفافاً في المناطق الأكثر تأثّراً بهذه الظاهرة.
المحتمل: أن تُسجّل موجة النينيو الحالية أرقاماً قياسية جديدة تُعيد رسم خطوط الخطر في نماذج التأمين والتخطيط الزراعي والأمن الغذائي في مناطق كأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء.
الأقلّ احتمالاً: أن تكشف سجلّاتٌ مرجانية إضافية من مناطق أخرى عن أنماطٍ مضادّة تُعدّل الصورة وهو ما تُلمح إليه Cole حين تقول: «لو كان لدينا سجلٌّ طويل آخر، لما نشرنا هذا في Science».
الخلاصة التي تُصرّح بها Cole لا تحتاج إلى تأويل: «نحن نُعزو هذا إلى الاحترار، ونعرف ما الذي يُسبّب الاحترار إنّه استخدامنا للوقود الأحفوري. إنذارٌ آخر ممّا ينتظرنا في عالمٍ أكثر دفئاً».
أخبار ذات صلة

نيويورك تُلغي خطّة فرض رسومٍ على منتجي الوقود الأحفوري لتمويل أضرار المناخ

البحيرات الخضراء الغريبة تندمج في الصحراء الأسترالية بعد عامين من الأمطار الغزيرة

تغيّر المناخ وعودة الحمّى الصفراء: هل تواجه أمريكا تهديداً وشيكاً؟
