تقنية جديدة تكشف أسرار لفافات فيزوف الفلسفية
تقنية جديدة تجمع بين الأشعة السينية والذكاء الاصطناعي تتيح قراءة لفائف فلسفية قديمة مدفونة تحت رماد بركان فيزوف دون تدميرها فتح كنوز فكرية نادرة من الماضي في انتظار الاكتشاف وورلد برس عربي

قبل نحو ألفَي عام، أسدل بركان فيزوف الستارَ على مكتبةٍ فلسفية نادرة دفنها تحت عشرين متراً من الرماد والصخر البركاني، وظلّت أسرارها حبيسةَ لفائف متفحّمة هشّة لا يجرؤ أحد على فردها. اليوم، وبعد أن عجز العلماء عقوداً عن قراءة ما بداخلها دون تدميرها، يُعلن فريق بحثي عن تقنية جديدة تجمع بين الأشعة السينية والذكاء الاصطناعي، وتعد بفتح هذا الكنز الفلسفي المنسي للعالَم من جديد.
من رماد فيزوف إلى مختبرات الأشعة السينية
في عام 79 ميلادياً، اندلع بركان فيزوف بقوةٍ هائلة، فطمر مدينة Herculaneum الرومانية القديمة تحت طبقات كثيفة من الرماد البركاني. وفي عقد الخمسينيات من القرن الثامن عشر، عثر المنقّبون على ما يقارب 2000 لفافة بردي داخل فيلا فاخرة يُرجَّح أنها كانت ملكاً لصهر يوليوس قيصر. كانت تلك اللفافات قد تحوّلت إلى أسطوانات هشّة من الفحم، تتفتّت بمجرّد لمسها، وتحمل في داخلها نصوصاً لفلاسفة من المدرستين الأبيقورية والرواقية، من بينها قسمٌ يتناول مكان دفن الفيلسوف Plato.
كانت المشكلة التقنية في قراءة هذه اللفافات تكمن في تشابه التركيب الكيميائي: الحبر المستخدم في الكتابة كان في أغلبه قائماً على الكربون، وكذلك البردي نفسه، مما جعل التمييز بينهما بالأشعة السينية التقليدية أمراً شبه مستحيل. لكنّ بعض هذه اللفافات كانت تحمل حبراً يحتوي على الرصاص، وهنا وجد الباحثون ثغرتهم.
الرصاص مفتاحاً للقراءة
اعتمد الفريق البحثي على خطوات منهجية دقيقة: أنتجوا أولاً لفافات بردي حديثة مكتوبة بحبرٍ يحتوي على الرصاص، ثم أخضعوها للتفحّم في ظروف مختبرية محكومة، لمحاكاة ما جرى للفافات Herculaneum. بعد ذلك، استخدموا تقنية التألّق الفلوري بالأشعة السينية (X-ray fluorescence) للتحقّق من وجود الرصاص في الحبر، ثم وظّفوا التصوير المقطعي بالأشعة السينية (X-ray tomography) مع برمجيات متخصّصة لإنتاج صور ثلاثية الأبعاد قادرة على استخلاص النصوص المكتوبة.
ما يجعل هذه التقنية لافتةً بشكلٍ خاص أنها قادرة على رصد الرصاص حتى بمستوياتٍ ضئيلة جداً، وتمييز الحبر عن البردي بدقّة كافية لقراءة الكتابة. ونشر الفريق نتائجه في 16 سبتمبر 2026 في مجلة PLOS One، في دراسةٍ تُعدّ خطوةً نوعية في مسار طويل من الجهود الرقمية لفكّ شفرة هذه اللفافات.
"ما يمكن للإلكترونات أن تفعله"
قال Douglas Seiler، الباحث المنتسب إلى جامعة California, Berkeley وأحد مؤلّفي الدراسة، معلّقاً على النتائج: "إنه لأمرٌ مذهل ما يمكن للإلكترونات أن تفعله". وأوضح مؤلّفو الدراسة في بيانهم الصحفي أن هذه المقاربة "توفّر طريقةً منخفضة المخاطر لتطوير الخوارزميات دون تعريض القطع الأثرية التي لا تُقدَّر بثمن للخطر".
هذه النقطة تحديداً تمثّل قيمةً مضافة مزدوجة: فمن جهة، يمكن للباحثين تطوير خوارزميات الكشف عن النصوص واختبارها على اللفافات المُصنَّعة حديثاً في المختبر بدلاً من المخاطرة بالأصول التاريخية الأصلية. ومن جهةٍ أخرى، قد تُسهم هذه الخوارزميات المُحسَّنة لاحقاً في قراءة المزيد من اللفافات الأصلية بأمانٍ أكبر.
ماذا تبقّى في الظلام؟
السؤال الذي يطرحه هذا الاكتشاف ليس فقط ما تمّت قراءته حتى الآن، بل ما قد يكون لا يزال مدفوناً في تلك اللفافات الألفَي التي لم تُفكَّ بعد. فيلا Herculaneum ليست مجرّد موقع أثري؛ إنها ربما أكبر مكتبة فلسفية باقية من العالم القديم، وقد ظلّت صامتةً قرابة ألفَي سنة. التقنية الجديدة لا تعد بقراءة كل شيء دفعةً واحدة، لكنها تفتح مساراً أكثر أماناً وأكثر دقةً لاستخلاص ما أبقاه الرماد البركاني في طيّاته ومن بينه ربما نصوصٌ فلسفية لم يقرأها أحدٌ منذ أن ابتلعها فيزوف في ذلك الخريف القاتل من عام 79 ميلادياً.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
