الغواصات الحربية تهدد بحار الشمال بتلوث سام
في أعماق بحر الشمال ترقد غواصة حربية تحمل ذخائر سامة تهدد البيئة البحرية. بحث جديد يكشف كيف تتحول هذه المخلفات إلى سموم تؤثر على الكائنات البحرية وتثير قلقاً بيئياً متزايداً مع تآكل الحطام. وورلد برس عربي

في قاع بحر الشمال، على عمقٍ تتراكم فيه الطحالب وتتآكل فيه الفولاذ ببطء لا يرحم، يرقد هيكلٌ حديديٌّ يحمل في أحشائه إرثاً ساماً من الحرب العالمية الأولى. الغوّاصة الألمانية SM UC-30 لم تغرق وحدها حين اصطدمت بلغمٍ بريطاني في أبريل 1917 فقد أخذت معها 27 رجلاً، و18 لغماً بحرياً، و6 طوربيدات. بعد أكثر من مئة عام، باتت هذه الحمولة الحربية تُسمّم البيئة البحرية المحيطة بها بصمتٍ متصاعد، وفق ما كشفه بحثٌ نُشر عام 2026 في مجلة Marine Pollution Bulletin.
كيف عادت الغوّاصة إلى الواجهة؟
ظلّت SM UC-30 مجهولة الموقع لعقودٍ طويلة، إلى أن اكتشفها الغوّاص الدنماركي Gert Normann Andersen عام 2016. لكنّ الاكتشاف لم يفتح الباب أمام الغوّاصين المدنيين الغوص في الموقع محظورٌ تماماً نظراً للمخاطر الجسيمة التي يمثّلها. ما فتحه الاكتشاف هو باب التحقيق العلمي، إذ تولّت عالمة الجيولوجيا Katrine Juul Andresen من جامعة Aarhus الدنماركية قيادة فريق بحثي ميداني، بمساندة من البحرية الملكية الدنماركية.
تقول Andresen: "تلقّينا مساعدةً كبيرة من غوّاصي البحرية"، مضيفةً أنّه "بعد تلقّيهم التعليمات، نزلوا وجمعوا عيّنات من الرسوبيات والمياه والكائنات الحية من مواقع مختلفة على الغوّاصة ومن قاع البحر المحيط بها". هذه العيّنات الثلاثية رسوبيات، ومياه، وكائنات حية شكّلت الأساس الذي بُنيت عليه النتائج.
ما الذي وجده الباحثون في الماء والطين والأحياء؟
النتيجة كانت صريحة: "وجدنا آثاراً لمادة TNT في الكائنات الحية وفي قاع البحر وفي عمود الماء"، وفق ما صرّحت به Andresen. مادة TNT أي ثلاثي نيترو تولوين ليست مجرّد متفجّر، بل هي مركّبٌ كيميائي سامٌّ يتحوّل في البيئة البحرية إلى مشتقّات لا تقلّ خطورة، أبرزها 4-ADNT و2-ADNT.
لاختبار تأثير هذا التلوّث على الأحياء البحرية بشكلٍ مباشر، صمّم الفريق تجربةً ميدانية: وضع بلح البحر الأزرق (Mytilus edulis) على ثلاثة حطام حربي في بحر الشمال لمدة لا تقلّ عن 11 أسبوعاً، ثم قاس تراكم TNT ومشتقّاته في الغدد الهضمية لهذه الكائنات. أظهرت البلح المُعرَّضة على موقع SM UC-30 أعلى تركيزات لـ TNT بين جميع المواقع الثلاثة، وهو ما يُفسّره الباحثون بأنّ ألغام الغوّاصة في تماسٍّ مباشر مع مياه البحر، ما يُسرّع تآكلها ويُكثّف انبعاث المواد السامة منها.
لكنّ الأمر لم يقف عند قياس التراكم الكيميائي. وجد الباحثون أنّ بلح البحر المُعرَّض يُعاني من ضغطٍ تأكسدي واضطرابٍ في عمليات الأيض، وأنّ "فروقاً ملحوظة يمكن رصدها في نشاط الإنزيمات المرتبطة بعمليات إزالة السموم"، وفق ما خلص إليه فريق Andresen. بعبارةٍ أبسط: الكائنات الحية لا تمتصّ السمّ فحسب، بل يُعيد السمّ رسم كيمياء أجسادها.
تلوّثٌ موضعي اليوم، وكارثةٌ محتملة غداً
تُقرّ Andresen بأنّ التلوّث في مرحلته الراهنة لا يزال محدود النطاق جغرافياً، غير أنّها تُحذّر بوضوح: "التلوّث يحدث بالتأكيد. السؤال هو مدى خطورة تأثيره وكم يمتدّ بعيداً عن الحطام ليؤثّر في البيئة البحرية". والإجابة على هذا السؤال مرتبطة بعاملٍ واحد لا يمكن إيقافه: الزمن. مع تفاقم تآكل الهيكل الحديدي، يُتوقَّع أن يتسع نطاق التلوّث ويشتدّ.
وما يجعل هذا التحذير ذا ثقلٍ استثنائي هو الحجم الهائل للمشكلة على المستوى الإقليمي. تشير التقديرات إلى أنّ نحو 1.6 مليون طنٍّ من الذخائر التقليدية لا تزال راقدةً في مياه بحر الشمال وبحر البلطيق الألمانية، معظمها مخلّفات الحربين العالميتين الأولى والثانية، كثيرٌ منها أُغرق عمداً في أعقاب الحرب. ويُشير فريق Andresen إلى أنّ "كثيراً من هذه المركّبات الكيميائية... سامّةٌ وتُهدّد البيئة البحرية وكائناتها".
المعضلة العملية أنّ الحلول المتاحة لا تخلو من مخاطر. تفجير الذخائر في مكانها ينشر التلوّث على نطاقٍ أوسع وهو ما توثّقه دراسةٌ متخصّصة في المخاطر البيئية للتفجيرات فيما يُشكّل استخراجها تحدّياً لوجستياً وأمنياً بالغ التعقيد والتكلفة.
ما بدأ كاكتشافٍ أثريٍّ تحت الماء بات اليوم ملفّاً بيئياً مفتوحاً. الغوّاصة SM UC-30 ليست حالةً استثنائية، بل هي نموذجٌ مصغّر لمشكلةٍ تتكرّر في آلاف المواقع حول العالم. والسؤال الذي تتركه أبحاث جامعة Aarhus مفتوحاً أمام صانعي القرار هو: متى يتحوّل هذا الإرث الحربي الراقد في الأعماق من تلوّثٍ موضعيٍّ يمكن رصده، إلى أزمةٍ بيئية لا يمكن احتواؤها؟
أخبار ذات صلة

مسبار ناسا يكتشف حفرة عملاقة على القمر: لماذا يُعتبر هذا اكتشافاً نادراً؟

رواد فضاء Crew-12 يستعدّون للعودة إلى الأرض: "أتطلّع لرؤية الطبيعة مجدّداً"

المستوطنون على المريخ قد يسكنون منازل من الخميرة والجيلاتين
