نصف الدخل للطعام أزمة تهدد الفقراء في المستقبل
حين ينفق الفقراء نصف دخلهم على الطعام ترتفع مخاطر انعدام الأمن الغذائي والطاقة والماء خاصة في أفريقيا والشرق الأوسط، مما يهدد حياتهم الأساسية. كيف يمكن تصميم سياسات تحمي الأضعف من أزمات لم يصنعوها؟ تابع التفاصيل في وورلد برس عربي.

حين يُنفق المرء نصف دخله على الطعام، لا يتبقّى له سوى الهامش الضيّق لكلّ شيء آخر: الدواء، والإيجار، والتعليم، وكلّ ما يُسمّى بالضرورات الأساسية. هذا السيناريو ليس مجرّد تصوير بلاغي، بل هو نتيجة رياضية قد يعيشها ملايين الفقراء حول العالم بحلول عام 2050، وفق دراسة علمية نشرتها مجلة Earth's Future عام 2025، من تأليف باحثَين من MIT وجامعة Tulane.
الدراسة لا تُقدّم نبوءةً واحدة عن المستقبل، بل تستكشف 3,735 سيناريو مستقبلياً ممكناً، مستخدمةً نموذج تحليل التغيّر العالمي GCAM (Global Change Analysis Model)، الذي يُقسّم العالم إلى 32 منطقة جيوسياسية، وداخل كلّ منطقة إلى 10 شرائح دخلية. هذا التصميم المنهجي يتيح ما أعجزت عنه أغلب الدراسات السابقة: رؤية الأثر الفعلي على الفقراء، لا على المتوسّطات الإجمالية التي كثيراً ما تُخفي التفاوت الحادّ.
أفريقيا في مواجهة الأرقام
تكشف الأرقام المتوقّعة عن تفاوتٍ صارخ حتى داخل القارة الواحدة. في غرب أفريقيا، قد يصل نصيب الطعام من دخل أفقر 10% من السكّان إلى 48.4% بحلول 2050، فيما يتراوح هذا الرقم بين 18.5% و77.5% بحسب السيناريو في حين أنّ المتوسّط الإقليمي لا يتجاوز 5.4% إلى 24%، وهو رقمٌ يبدو مطمئناً حتى تنظر إلى ما يختبئ خلفه. وفي شرق أفريقيا، يبلغ العبء المتوقّع على الفئة الأفقر 42.5%، بينما يرتفع في جنوب أفريقيا إلى 49.6% مقابل 5.5% فقط للشريحة الأثرى في المنطقة ذاتها.
هذا التباين هو ما يُحذّر منه الباحثون بوضوح. تقول جنيفر موريس، الباحثة في الطاقة بـMIT: "أيّ شيء يستهلك نصف دخلك هو مُزعزِعٌ محتمل لحياتك كلّها، لأنّه لا يُبقي سوى موارد شحيحة لسائر الاحتياجات الحيوية ومتطلّبات الحياة الأساسية." وتضيف في موضع آخر: "بالنسبة لكثير من هذه النتائج، تواجه الفئات الأدنى دخلاً انعداماً محتملاً للأمن أشدّ بكثير."
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: الطاقة والماء في خطر مزدوج
لا تقتصر الأزمة المتوقّعة على الغذاء. يُشير الباحثون إلى أنّ الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا مرشّحان لمواجهة ارتفاعٍ في تكاليف الطاقة، مدفوعاً بتزايد الطلب على التبريد في ظلّ موجات الحرّ، وبالاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري. أمّا على صعيد المياه، فإنّ جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعةً تقع في دائرة الخطر الأكبر من شحّ المياه، جرّاء النموّ السكّاني المتصاعد والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية.
وهذا يعني أنّ دولاً كالمغرب ومصر والأردن تجمع بين ثلاثة ضغوط متزامنة: غذاء قد يرتفع سعره بسبب تحوّلات استخدام الأراضي نحو محاصيل الطاقة الحيوية والتشجير، وطاقةٌ قد تتكلّف أكثر، ومياه قد تشحّ أكثر. الدراسة لا تُسمّي هذا كارثةً حتمية، لكنّها تُسمّي الشروط التي قد تُفضي إليها.
لا سببٌ واحد، ولا مستقبلٌ واحد
ما يُميّز هذه الدراسة منهجياً هو رفضها لمنطق العامل الواحد. يقول جي جو كيم، المهندس البيئي بجامعة Tulane: "تُظهر هذه الدراسة أنّه لا يوجد محرّكٌ واحد لانعدام الأمن الغذائي والطاقوي والمائي في المستقبل. الدخل مهمٌّ، لكنّ الظروف الإقليمية وأنظمة الطاقة وأنماط استخدام الأراضي وتوافر المياه وسلوك المستهلكين — كلّها تُشكّل المخاطر التي يواجهها الناس." ويُوضّح في موضع آخر: "صُمِّمت منهجيتنا لتحديد الظروف التي تُنتج نتائج مختلفة لأمن الموارد، لا للتنبّؤ بمستقبلٍ واحد أرجح من غيره."
ومن أبرز ما تكشفه الدراسة أنّ جهود التخفيف من تغيّر المناخ ذاتها كالتوسّع في محاصيل الطاقة الحيوية وزراعة الغابات قد تُسهم في رفع أسعار الغذاء، مما يعني أنّ السياسات المناخية حين تُصمَّم دون مراعاة التوزيع الاجتماعي قد تُلقي بعبئها الأثقل على أكثر الناس هشاشةً. وقد لخّص الباحثون هذا المعضلة بجملةٍ واردة في متن الدراسة: "عبر جميع القطاعات، نُثبت أنّ متوسّطات النتائج الإقليمية تُخفي كلاً من النتائج ذات الأعباء البالغة الارتفاع على الشرائح الأدنى دخلاً، والنتائج ذات الأعباء البالغة الانخفاض على الشرائح الأعلى دخلاً."
تُشير موريس إلى أنّ بُعد الدخل يظلّ محورياً في هذا النوع من الدراسات: "بالنسبة لهذا النوع من الدراسات، حيث نُركّز على نتائج الرفاه البشري، يكتسب الجانب المتعلق بالدخل أهميةً بالغة."
السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً ليس: هل سيحدث هذا؟ بل: من يملك القدرة على تصميم السياسات بحيث لا يدفع الفقراء ثمن الأزمات التي لم يصنعوها؟ وهو سؤالٌ يخصّ صانعي القرار في أفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقدر ما يخصّ مراكز البحث في Boston وNew Orleans.
أخبار ذات صلة

تجربة علمية حول تجارب الخروج من الجسد: شاهد اثنان ظواهر حيّرت الباحثين

شهب البرشاويات تلتقي بمسارات النجوم الساحرة فوق صحراء مصر الغربية

كوكب الزهرة أشدّ حرارةً من عطارد رغم قربه الأقلّ من الشمس
