تقنية جديدة تكشف أسرار تواصل الخلايا في الجسم الحي
تقنية WHOLISTIC تفتح نافذة جديدة لفهم كيف تتواصل ملايين الخلايا في الجسم الحي عبر إشارات الكالسيوم في الوقت الحقيقي باستخدام أسماك شفافة. اكتشافات تغير نظرتنا لعلم الأحياء وعلم الأعصاب في وورلد برس عربي.

لطالما وقف علم الأحياء أمام معضلةٍ منهجية صامتة: نحن نعرف كيف تتصرّف الخلية في طبقٍ مخبري، ونعرف كيف يعمل القلب أو الدماغ بوصفهما عضواً مستقلاً، لكنّنا كنّا نجهل حتى وقتٍ قريب كيف تتحدّث ملايين الخلايا مع بعضها في وقتٍ واحد، عبر أجهزة الجسم كلّها، في كائنٍ حيٍّ يتنفّس ويتحرّك. هذه الفجوة تحديداً هي ما جاءت تقنية WHOLISTIC لتردمه.
ما الذي تفعله هذه التقنية بالضبط؟
WHOLISTIC اختصارٌ مركّب يعني: نظام التصوير الحيّ للكائن الكامل لرصد نشاط الأنسجة والخلايا الداخلية (WHole-Organism Live-Imaging System for recording Tissue and IntraCellular activity). طوّرت هذه التقنية عالمة الأعصاب الحسابية Virginie Ruetten وفريقها في معهد Howard Hughes الطبي بالولايات المتحدة، ونُشرت نتائجها في مجلة Nature في دراسةٍ تُعدّ من أكثر الأعمال طموحاً في مجال تصوير الكائنات الحية.
الفكرة الجوهرية تقوم على الكالسيوم. فالكالسيوم ليس مجرّد معدنٍ في العظام؛ إنّه إشارةٌ كيميائية داخل الخلايا تشترك في كلّ شيء تقريباً: انقباض العضلات، وإطلاق النبضات العصبية عند المشابك، وتخصيب البويضة، وحتى موت الخلية المبرمج. بمعنى آخر، الكالسيوم هو اللغة المشتركة التي تتكلّمها الخلايا. ما فعله فريق Ruetten هو توظيف الهندسة الجينية لجعل كلّ خلية تقريباً في جسم الكائن المدروس تُعبّر عن مستشعراتٍ فلورية (fluorescent sensors) ترصد هذه الإشارات الكالسيومية، ثم التقاط ذلك كلّه في الوقت الفعلي، ثانيةً بثانية، عبر الجسم بأكمله.
أسماكٌ شفّافة، نافذةٌ على الجسم الحيّ
اختار الباحثون نموذجين حيوانيّين بعناية: يرقات سمكة الزيبرا (larval zebrafish)، وسمكةٌ بالغة تُعرف بـ Danionella cerebrum، وكلتاهما أسماكٌ عذبة المياه شفّافة الجسم، ما يجعلها نوافذ طبيعية يمكن من خلالها مراقبة النشاط الخلوي الداخلي بالضوء الفلوري دون الحاجة إلى تشريح.
ما كشفته التجارب كان مفاجئاً في أكثر من موضع. حين تعرّضت الأسماك للبرد، استجابت خلايا الغضاريف (chondrocytes) بنشاطٍ كالسيومي واضح وهو ما لم يكن موثّقاً من قبل بهذا الوضوح. وحين أُعطيت جرعاتٌ من الكيتامين (ketamine)، لم تكن الخلايا العصبية وحدها التي استجابت، بل شاركت أيضاً خلايا السحايا (meninges) المحيطة بالدماغ، وهو اكتشافٌ يُعيد طرح أسئلة حول كيفية عمل هذا المخدّر التخديري. علاوةً على ذلك، رصدت التقنية تآزراتٍ عضلية غير معروفة، وتفاعلاتٍ بين العضلات والأعضاء الداخلية على نطاقٍ متعدّد الأجهزة، فضلاً عن رسمٍ دقيق لكيفية إعادة توزيع جذع الدماغ للدورة الدموية عبر الجسم كلّه.
تقول Ruetten بصراحةٍ علمية: "هناك خصائص أساسية جداً كانت غائبةً عنّا، لأنّه كان من الصعب جداً مراقبة استجابات الخلايا على هذا النطاق الواسع." وتُضيف في توصيفٍ يختزل قيمة العمل: "هذا البحث يجسر مقياسَين أساسيَّين في علم الأحياء الخلية والكائن الحيّ بحيث يمكننا الآن ردم تلك الفجوة في القابلية للرصد."
ماذا يعني هذا لعلوم الأعصاب والفيزيولوجيا؟
يرى العالم Misha Ahrens، عالم الأعصاب الذي احتضن هذا البحث في مختبره، أنّ الإطار التقليدي الذي يفصل علم الأعصاب عن فيزيولوجيا الجسم عن علم سلوك الكائنات هو إطارٌ اصطناعي لا تعرفه الطبيعة. يقول: "نحن نعلم أنّ التطوّر أنتج كائناتٍ وظيفية، لكنّ التطوّر لم يكترث بما إذا كان القرار يُنفَّذ في القشرة الأمامية للدماغ أم في وصلةٍ بين جذع الدماغ والمثانة." وهو ما يعني أنّ التمييز الأكاديمي بين التخصّصات قد يكون أخفى عنّا روابط وظيفية حقيقية لم تكن الأدوات التقليدية قادرةً على كشفها.
ويُكمل Ahrens: "هذا يتيح الآن لكلّ هذه الحقول الفيزيولوجيا، وعلم الأعصاب، والسلوك، وبيولوجيا الخلية أن تتواصل وتدرس كلّها في نفس الحيوان." وهو تحوّلٌ منهجي بامتياز: لا مزيد من الاضطرار إلى الاختيار بين مستوى الدراسة، بل رؤية المستويات كلّها في آنٍ واحد.
من منظور الصحة العامة والطب الإكلينيكي، تبقى المسافة بين سمكةٍ شفّافة وإنسانٍ بالغ مسافةً واسعة، ولا يدّعي الباحثون غير ذلك. لكنّ ما تُقدّمه WHOLISTIC هو خارطةٌ منهجية جديدة: إذا أمكن فهم كيف تتنسّق الخلايا في كائنٍ بسيط على مستوى الجسم كلّه، فإنّ ذلك يفتح الباب لأسئلةٍ مشابهة في الكائنات الأكثر تعقيداً بما فيها الإنسان. السؤال الذي يطرحه هذا العمل ليس "ماذا تفعل هذه الخلية؟" بل "كيف تقرّر ملايين الخلايا معاً ماذا تفعل؟" و هو سؤالٌ ظلّ بلا أداةٍ مناسبة للإجابة عنه لعقودٍ طويلة.
أخبار ذات صلة

الطيور تهاجر.. أطفئوا الأضواء

صورة هابل تكشف دورة الكون بين الدمار والخلق صورة الفضاء الأسبوعية

تجربة علمية حول تجارب الخروج من الجسد: شاهد اثنان ظواهر حيّرت الباحثين
