اكتشاف جديد يكشف سر تجمّد الماء دون جليد
اكتشف العلماء كيف يتجمّد الماء دون أن يتحوّل إلى جليد عبر حجزه في طبقات نانوية من الدهون مما يكشف انتقاله الزجاجي في نطاق حراري أوسع. هذا الفهم الجديد يفتح آفاقاً لتحسين حفظ الأنسجة والغذاء في درجات الحرارة المنخفضة وورلد برس عربي.

ماذا يحدث للماء حين يتجمّد دون أن يتحوّل إلى جليد؟ هذا السؤال الذي بدا لعقود خارج حدود الإجابة العلمية الدقيقة، وجد أخيراً مساراً للحلّ في تجربة نشرت نتائجها مجلة Nature Communications عام 2024، وقد تُغيّر فهمنا لواحدة من أكثر المواد شيوعاً على سطح الأرض الماء الذي يُغطّي نحو 70% من كوكبنا ويُشكّل قرابة 60% من كتلة جسم الإنسان.
"أرض لا رجل فيها" الفجوة التي أربكت العلماء عقوداً
يتحوّل الماء عادةً إلى جليد بلّوري عند درجات حرارة تصل إلى نحو -45 درجة مئوية. وكان العلماء يفترضون نظرياً أنّ الماء يمرّ بما يُعرف بـ"الانتقال الزجاجي" (glass transition) أي تحوّله من سائل إلى مادة زجاجية غير بلّورية عند درجة حرارة تبلغ نحو -135 درجة مئوية. غير أنّ التبلور السريع كان يحجب هذه الظاهرة ويجعل مراقبتها مستحيلة في الظروف الاعتيادية.
وقد أطلق الباحثون على النطاق الحراري الواقع بين -45 و-135 درجة مئوية اسم "أرض لا رجل فيها" (no man's land)، إذ يصعب فيه دراسة سلوك الماء بسبب تداخل التبلور مع أيّ محاولة للرصد. وهنا تكمن أهمية ما توصّل إليه الفريق البحثي بقيادة Raffaele Mezzenga من جامعة ETH Zurich بالتعاون مع علماء منظمة ANSTO الأسترالية (Australian Nuclear Science and Technology Organisation).
الحلّ: حبس الماء في طبقات دقيقة من الدهون
ابتكر الباحثون طريقة مستوحاة من الطبيعة نفسها؛ إذ حبسوا جزيئات الماء في طبقة لا يتجاوز سُمكها جزءاً من المليار من المتر، بين طبقتين من الدهون المُصنوعة من مادة تُعرف بـالفيتانتريول (Phytantriol)، وهو كحول دهني يتميّز بثباته وسيولته في درجات الحرارة المنخفضة. هذا الحبس النانوي منع الماء من التبلور، وأتاح للفريق مراقبة الانتقال الزجاجي لأوّل مرة بصورة تفصيلية.
وقد اعتمدت التجربة على مزيج من النمذجة الحسابية وتقنيتَي تشتّت الأشعة السينية بزوايا صغيرة وواسعة (SAXS/WAXS) على خطّ حزمة ANSTO، فضلاً عن مطياف النيوترون Emu ومطياف Pelican في المركز الأسترالي لتشتّت النيوترون، اللذَين رصدا حركة ذرّات الهيدروجين في الماء. وتُوضّح Alice Klapproth، العالمة المتخصّصة في أجهزة ANSTO ومسؤولة مطياف Emu، طبيعة ما رصده الجهاز بقولها: "إشارة النيوترون التي يرصدها جهازنا تهيمن عليها حركات ذرّات الهيدروجين في الماء."
وقد تتبّع الفريق تباطؤ ديناميكيات الماء عبر ستّة مراتب زمنية من حيث الحجم، تمتدّ من الميكروثانية إلى البيكوثانية، ممّا أعطى صورة غير مسبوقة الدقّة عن كيفية تصرّف الماء في هذا النطاق الحراري الغامض.
ما كشفته التجربة: أرقام تُعيد رسم الخريطة الحرارية
جاءت النتائج مفاجئة في أكثر من وجه. تبيّن أنّ التحوّل الزجاجي للماء المحبوس لا يحدث عند -135 درجة مئوية كما كان مفترضاً، بل يمتدّ عبر نطاق حراري أوسع وأعلى بكثير: من -63 إلى -20 درجة مئوية. وتتباطأ الديناميكيات الجزيئية تباطؤاً حادّاً بين -35 و-21 درجة مئوية، في حين يقع الانتقال البنيوي الزجاجي الساكن في نطاق أضيق يتراوح بين -74 و-64 درجة مئوية.
بعبارة أخرى، الماء لا "يتجمّد زجاجياً" في لحظة واحدة عند درجة حرارة محدّدة، بل يمرّ بمراحل متعاقبة تتوزّع على نطاق حراري يمتدّ لعشرات الدرجات وهو ما لم يكن ممكناً قياسه قبل هذه التجربة.
من المختبر إلى الحياة: الحفظ البيولوجي وتجميد الغذاء
لا تقف أهمية هذا الاكتشاف عند حدود الفضول العلمي النظري. فالماء الزجاجي موجود في الطبيعة أصلاً: في الغيوم الطبقية القطبية، وفي الكائنات الحية الدقيقة المحبّة للبرودة (psychrophilic organisms) التي تتحاشى تلف أنسجتها بفضل هذا الشكل من الماء. ويُشير الباحثون في دراستهم المنشورة في Nature Communications إلى أنّ النتائج تتخطّى الجانب النظري البحت، إذ يقولون: "بشكل عام وبعيداً عن الجوانب النظرية الصرفة، تحمل نتائجنا صلةً مباشرة وأوسع بجميع الظواهر الفيزيائية المتعلقة بالماء النانوي المحبوس في درجات الحرارة المنخفضة، كالحفظ بالتبريد للمواد البيولوجية والتجميد العميق للغذاء، على سبيل المثال لا الحصر."
ما يعنيه هذا عملياً هو أنّ فهم الانتقال الزجاجي للماء بدقّة أكبر قد يُسهم في تحسين بروتوكولات حفظ الأعضاء والأنسجة البيولوجية في المستقبل، وكذلك في تطوير تقنيات التجميد الغذائي بما يحافظ على جودة المنتجات وبنيتها الخلوية. وهي تطبيقات ذات صدى مباشر في منطقتنا، حيث تُشكّل سلاسل التبريد الغذائية والبنية التحتية لحفظ المواد البيولوجية تحدّيات قائمة في كثير من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يمكن تطبيق هذه التقنية النانوية على نطاق أوسع لحماية الخلايا والأنسجة خلال التجميد الطبي؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت هذه التجربة المختبرية الدقيقة ستُترجَم يوماً إلى بروتوكولات سريرية في غرف حفظ الأعضاء.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
