وورلد برس عربي logo

اكتشاف جديد يكشف سر تجمّد الماء دون جليد

اكتشف العلماء كيف يتجمّد الماء دون أن يتحوّل إلى جليد عبر حجزه في طبقات نانوية من الدهون مما يكشف انتقاله الزجاجي في نطاق حراري أوسع. هذا الفهم الجديد يفتح آفاقاً لتحسين حفظ الأنسجة والغذاء في درجات الحرارة المنخفضة وورلد برس عربي.

توضيح تحولات الماء المحبوس بين طبقات الدهون عند درجات حرارة منخفضة تظهر الانتقال من الحالة الزجاجية إلى السائلة، مع إبراز دراسة الانتقال الزجاجي للماء النانوي.
رسم تخطيطي مستند إلى محاكاة جزيئية يوضح الحالة الفوضوية لكنها صلبة التي تنشأ عندما يُبرَّد الماء (الموضح باللون الأزرق) داخل مصفوفة الفيتانثريول (البنية) إلى درجات حرارة منخفضة جداً دون السماح له بالتبلور. (Züblin وآخرون، Nat Commun، 2026)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

ماذا يحدث للماء حين يتجمّد دون أن يتحوّل إلى جليد؟ هذا السؤال الذي بدا لعقود خارج حدود الإجابة العلمية الدقيقة، وجد أخيراً مساراً للحلّ في تجربة نشرت نتائجها مجلة Nature Communications عام 2024، وقد تُغيّر فهمنا لواحدة من أكثر المواد شيوعاً على سطح الأرض الماء الذي يُغطّي نحو 70% من كوكبنا ويُشكّل قرابة 60% من كتلة جسم الإنسان.

سطح ماء متجمد غير بلوري يظهر تفاصيل ناعمة وانسيابية تعكس دراسة الانتقال الزجاجي للماء في درجات حرارة منخفضة.
Loading image...
(فرانشيسكو بيرغاماشي/مومنت/غيتي إيميجز)

"أرض لا رجل فيها" الفجوة التي أربكت العلماء عقوداً

يتحوّل الماء عادةً إلى جليد بلّوري عند درجات حرارة تصل إلى نحو -45 درجة مئوية. وكان العلماء يفترضون نظرياً أنّ الماء يمرّ بما يُعرف بـ"الانتقال الزجاجي" (glass transition) أي تحوّله من سائل إلى مادة زجاجية غير بلّورية عند درجة حرارة تبلغ نحو -135 درجة مئوية. غير أنّ التبلور السريع كان يحجب هذه الظاهرة ويجعل مراقبتها مستحيلة في الظروف الاعتيادية.

وقد أطلق الباحثون على النطاق الحراري الواقع بين -45 و-135 درجة مئوية اسم "أرض لا رجل فيها" (no man's land)، إذ يصعب فيه دراسة سلوك الماء بسبب تداخل التبلور مع أيّ محاولة للرصد. وهنا تكمن أهمية ما توصّل إليه الفريق البحثي بقيادة Raffaele Mezzenga من جامعة ETH Zurich بالتعاون مع علماء منظمة ANSTO الأسترالية (Australian Nuclear Science and Technology Organisation).

الحلّ: حبس الماء في طبقات دقيقة من الدهون

ابتكر الباحثون طريقة مستوحاة من الطبيعة نفسها؛ إذ حبسوا جزيئات الماء في طبقة لا يتجاوز سُمكها جزءاً من المليار من المتر، بين طبقتين من الدهون المُصنوعة من مادة تُعرف بـالفيتانتريول (Phytantriol)، وهو كحول دهني يتميّز بثباته وسيولته في درجات الحرارة المنخفضة. هذا الحبس النانوي منع الماء من التبلور، وأتاح للفريق مراقبة الانتقال الزجاجي لأوّل مرة بصورة تفصيلية.

تجمد الماء في شكل بلوري مع تفاصيل دقيقة لسطح جليدي يعكس دراسة الانتقال الزجاجي للماء في درجات حرارة منخفضة.
Loading image...
(فرانشيسكو بيرغاماشي/مومنت/غيتي إيماجز)

وقد اعتمدت التجربة على مزيج من النمذجة الحسابية وتقنيتَي تشتّت الأشعة السينية بزوايا صغيرة وواسعة (SAXS/WAXS) على خطّ حزمة ANSTO، فضلاً عن مطياف النيوترون Emu ومطياف Pelican في المركز الأسترالي لتشتّت النيوترون، اللذَين رصدا حركة ذرّات الهيدروجين في الماء. وتُوضّح Alice Klapproth، العالمة المتخصّصة في أجهزة ANSTO ومسؤولة مطياف Emu، طبيعة ما رصده الجهاز بقولها: "إشارة النيوترون التي يرصدها جهازنا تهيمن عليها حركات ذرّات الهيدروجين في الماء."

وقد تتبّع الفريق تباطؤ ديناميكيات الماء عبر ستّة مراتب زمنية من حيث الحجم، تمتدّ من الميكروثانية إلى البيكوثانية، ممّا أعطى صورة غير مسبوقة الدقّة عن كيفية تصرّف الماء في هذا النطاق الحراري الغامض.

ما كشفته التجربة: أرقام تُعيد رسم الخريطة الحرارية

جاءت النتائج مفاجئة في أكثر من وجه. تبيّن أنّ التحوّل الزجاجي للماء المحبوس لا يحدث عند -135 درجة مئوية كما كان مفترضاً، بل يمتدّ عبر نطاق حراري أوسع وأعلى بكثير: من -63 إلى -20 درجة مئوية. وتتباطأ الديناميكيات الجزيئية تباطؤاً حادّاً بين -35 و-21 درجة مئوية، في حين يقع الانتقال البنيوي الزجاجي الساكن في نطاق أضيق يتراوح بين -74 و-64 درجة مئوية.

تتابع تغيرات بنية الماء المحبوس في طبقات دهون عند درجات حرارة منخفضة بين -110 و-150 درجة مئوية لدراسة الانتقال الزجاجي.
Loading image...
عند درجات حرارة منخفضة جداً، يصبح الماء وعينة الفيتانتريول هشين ويبدآن في تكوين شقوق كبيرة وصغيرة الحجم. (زوبلين وآخرون، نيت كوميون، 2026)

بعبارة أخرى، الماء لا "يتجمّد زجاجياً" في لحظة واحدة عند درجة حرارة محدّدة، بل يمرّ بمراحل متعاقبة تتوزّع على نطاق حراري يمتدّ لعشرات الدرجات وهو ما لم يكن ممكناً قياسه قبل هذه التجربة.

من المختبر إلى الحياة: الحفظ البيولوجي وتجميد الغذاء

لا تقف أهمية هذا الاكتشاف عند حدود الفضول العلمي النظري. فالماء الزجاجي موجود في الطبيعة أصلاً: في الغيوم الطبقية القطبية، وفي الكائنات الحية الدقيقة المحبّة للبرودة (psychrophilic organisms) التي تتحاشى تلف أنسجتها بفضل هذا الشكل من الماء. ويُشير الباحثون في دراستهم المنشورة في Nature Communications إلى أنّ النتائج تتخطّى الجانب النظري البحت، إذ يقولون: "بشكل عام وبعيداً عن الجوانب النظرية الصرفة، تحمل نتائجنا صلةً مباشرة وأوسع بجميع الظواهر الفيزيائية المتعلقة بالماء النانوي المحبوس في درجات الحرارة المنخفضة، كالحفظ بالتبريد للمواد البيولوجية والتجميد العميق للغذاء، على سبيل المثال لا الحصر."

ما يعنيه هذا عملياً هو أنّ فهم الانتقال الزجاجي للماء بدقّة أكبر قد يُسهم في تحسين بروتوكولات حفظ الأعضاء والأنسجة البيولوجية في المستقبل، وكذلك في تطوير تقنيات التجميد الغذائي بما يحافظ على جودة المنتجات وبنيتها الخلوية. وهي تطبيقات ذات صدى مباشر في منطقتنا، حيث تُشكّل سلاسل التبريد الغذائية والبنية التحتية لحفظ المواد البيولوجية تحدّيات قائمة في كثير من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يمكن تطبيق هذه التقنية النانوية على نطاق أوسع لحماية الخلايا والأنسجة خلال التجميد الطبي؟ الإجابة ستحدّد ما إذا كانت هذه التجربة المختبرية الدقيقة ستُترجَم يوماً إلى بروتوكولات سريرية في غرف حفظ الأعضاء.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية