اكتشاف توابع خافتة تكشف أسرار درب التبانة والمادة المظلمة
اكتشاف جرمين خافتين محتملين تابعين لمجرة درب التبانة من مرصد فيرا روبين قد يكشف أسرار اندماجات المجرة وطبيعة المادة المظلمة. تعرف على Aquarius IV وRubin-GC1 وكيف يفتحان نافذة جديدة لفهم تاريخ مجرتنا في وورلد برس عربي.

رصد مرصد فيرا روبين (Vera C. Rubin Observatory) جرمين يُرجَّح أنهما تابعان لمجرّة درب التبانة: الأول على الأرجح مجرّة قزمة خافتة جداً تحمل اسم Aquarius IV، والثاني على الأرجح عنقود كروي خافت اسمه Rubin-GC1. لكنّ تصنيف الجرمين لم يُحسم بعد، والباحثون أنفسهم يتحدثون عن «مرشّحَين» لا عن نتيجة نهائية. وإذا تأكد التصنيف فقد يساعد الجرمان الفلكيين على التحقيق في تاريخ اندماجات درب التبانة وفي طبيعة المادة المظلمة.
جاء الاكتشافان من بيانات «الإصدار المبكر الثاني» (Early Data Preview 2) التي نشرها المرصد في يوليو 2026، أي من بيانات تمهيدية قبل أن تبدأ مسوحاته الكبرى بكامل طاقتها.
ما الذي يُعرف عن Aquarius IV، وما الذي لم يُحسم بعد؟
يحمل هذا الجرم أيضاً التسمية Rubin J2201−0234، وهو نظام نجمي مدمج منخفض اللمعان في الهالة الخارجية للمجرّة، أي المنطقة الكروية المحيطة بقرصها. وتؤكد صور كاميرا الطاقة المظلمة (Dark Energy Camera) وجوده. أما سكانه النجميون فقديمون وفقيرون بالمعادن، أي إن نسبة العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم في نجومه منخفضة. ولم يرصد الباحثون حتى الآن سوى عدد قليل من نجومه.
نُشرت دراسة الاكتشاف في مجلة Research Notes of the American Astronomical Society، وأول مؤلفيها ويليام سيرني (William Cerny)، طالب الدراسات العليا في جامعة ييل. وكتب المؤلفون: «نعرض اكتشاف Aquarius IV (Rubin J2201−0234)، وهو أول تابع خافت جداً لدرب التبانة يُحدَّد باستخدام بيانات مرصد فيرا سي. روبين». وأضافوا: «تشبه هذه الخصائص إلى حدّ بعيد خصائص أصغر المجرّات القزمة الخافتة جداً المؤكَّدة وأخفتها، وإن لم يكن تصنيفه عنقوداً كروياً مستبعداً».
وسبب هذا التحفّظ أن الفرق بين الفئتين دقيق. فالمجرّات القزمة الخافتة جداً قد لا تضم إلا بضع مئات من النجوم، وبعضها أصغر من بعض العناقيد الكروية. لكنّ لها ميزة تفصل بين الفئتين: فهي تحتوي على مادة مظلمة، بينما لا تحتوي العناقيد الكروية عموماً عليها، مع احتمال وجود حالات شاذة قليلة. ولذلك يحتاج الفريق إلى تصوير أعمق ورصد طيفي (Spectroscopy)، أي تحليل ضوء النجوم لمعرفة حركتها وتركيبها، كي يحدد إلى أي الفئتين ينتمي الجرم.
كيف وُجد Rubin-GC1 وسط الغبار؟
الجرم الثاني، Rubin-GC1، ويحمل أيضاً التسمية Rubin J1628−1735، قادت دراسته آشاي باي (Aashay Pai)، طالب الدراسات العليا في قسم الفيزياء بجامعة شيكاغو. وقد قُبلت الدراسة للنشر في مجلة The Astrophysical Journal Letters، ويرد في عنوانها اسم المنطقة Ophiuchus. وسيرني هو المؤلف الثاني فيها، أما مارلا جيها (Marla Geha)، أستاذة الفلك والفيزياء في ييل، فشاركت في تأليف الدراستين معاً. ويمكن الاطلاع على نص دراسة Rubin-GC1.
تبلغ أعمار نجوم هذا الجرم نحو 9.2 مليار سنة، وهي متوسطة الثراء بالمعادن. ويرى مؤلفو الدراسة أنه على الأرجح عنقود كروي خافت جداً. وكتبوا: «مجتمعةً، تشير هذه الخصائص إلى أن Rubin-GC1 هو على الأرجح عنقود نجمي يقع في الذيل الخافت من دالة اللمعان للعناقيد الكروية المحيطة بدرب التبانة». ودالة اللمعان توزيع يبيّن كم عنقوداً يقع عند كل درجة من السطوع.
وما يميّز هذا الاكتشاف مكانه. فقد رُصد الجرم في اتجاه انتفاخ المجرّة المركزي، حيث الكثافة النجمية عالية والغبار كثيف، وهي ظروف تجعل العثور على أجرام خافتة أمراً صعباً. وبالمقارنة مع مجرّة القوس القزمة الكروية الشكل (Sagittarius Dwarf Spheroidal Galaxy)، رجّح الباحثون أن يكون الجرم مرتبطاً بـ«الذراع الأمامية للقوس». وهذه الذراع تيار نجمي مدّي ضخم، أي سلسلة من النجوم انتُزعت من تلك المجرّة بفعل جاذبية درب التبانة أثناء اندماجها بها.
ويرى مؤلفو الدراسة أن اكتشاف Rubin-GC1 «يبرز قدرة روبين على كشف توابع خافتة ومحلولة في مناطق من درب التبانة يلفّها الغبار، ومنها بقايا أحداث الالتهام التي شكّلت التجمّع الهرمي للمجرّة».
ماذا يعني ذلك لتاريخ درب التبانة والمادة المظلمة؟
يعرف الفلكيون حتى اليوم نحو 65 مجرّة قزمة تابعة لدرب التبانة، ونحو 40 عنقوداً كروياً في هالتها. لكنهم يشتبهون في أن مزيداً من هذه الأجرام لم يُكتشف بعد. وكل جرم منها دليل على نمو المجرّة بالاندماجات. وتفاعلات سحابتي ماجلان (Magellanic Clouds) مع درب التبانة تبيّن أن هذه الاندماجات ما زالت جارية.
وللمادة المظلمة نصيب في هذه القصة. فرسم خرائط التوابع والتيارات النجمية يساعد على تحديد تكتّلات المادة المظلمة. وتكشف «الهالات الفرعية» للمادة المظلمة (Dark matter sub-halos)، وهي بُنى مظلمة تحيط بالمجرّات الأصغر، كيف نمت درب التبانة بابتلاع مجرّات أصغر لكل منها هالتها. وتتناول أبحاث عن تكتلات المادة المظلمة هذه الصلة.
وقال سيرني: «ستمنحنا هذه التوابع الجديدة فرصاً جديدة لاختبار نماذج تشكّل المجرّات، وتتبّع تاريخ تجمّع درب التبانة، والتحقيق في طبيعة المادة المظلمة». وترى جيها أن إكمال الإحصاء هو المفتاح: «ستتيح لنا الاكتشافات المتواصلة إكمال إحصاء المجرّات التابعة لدرب التبانة، وهذا مفتاح لفهم كيفية تشكّل أخفت المجرّات».
ماذا ينتظر الباحثون من المرصد؟
تقول جيها: «كان العثور على توابع جديدة لدرب التبانة في بيانات مرصد روبين احتمالاً مستقبلياً مثيراً طوال معظم مسيرتي». وتضيف: «من اللافت أن يصبح ذلك واقعاً الآن». وتصف الاكتشافين بأنهما «واعدان إلى حدّ لا يصدَّق».
أما التعويل الأكبر فعلى مسح «الإرث للفضاء والزمن» (Legacy Survey of Space and Time)، وهو مسح للسماء يمتد 10 سنوات. ويُتوقع أن يجعل التصوير المتكرر للمواضع نفسها الأجرام الخافتة أوضح. وكتب مؤلفو دراسة Aquarius IV: «ستزداد حساسية مسح روبين تدريجياً، ويُتوقع في نهاية المطاف أن تُكتشف أنظمة مشابهة لـAquarius IV بكفاءة تفوق 85% باستخدام خوارزمية البحث نفسها المطبّقة هنا».
وقال سيرني: «ما أجده مثيراً بوجه خاص أن هذه الاكتشافات ليست سوى البداية بالنسبة إلى روبين». وأضاف: «إذا كان المرصد قادراً على العثور على أنظمة بهذا الخفوت والصعوبة ببيانات تمهيدية فقط، فمن المؤكد أن مسحه الكامل لعشر سنوات سيمنحنا اكتشافات أكثر بكثير لتوابع درب التبانة».
ويتوقع مؤلفو دراسة Rubin-GC1 أن تتعاون ثلاثة مشاريع في هذا المسعى. وكتبوا: «يُنذر تحديد Rubin-GC1 بعصر اكتشافات مثير، إذ يخترق روبين وEuclid وتلسكوب نانسي غريس رومان الفضائي (Nancy Grace Roman Space Telescope) حجاب الغبار المجرّي ليكشف توابع خافتة ظلّت حتى الآن محجوبة بفعل مجرّتنا». وإلى أن يتوفر هذا الرصد الأعمق، يبقى السؤال عن Aquarius IV معلّقاً: هل هو مجرّة قزمة تحمل مادة مظلمة، أم عنقود كروي بلا مادة مظلمة؟
أخبار ذات صلة

نجم الجبار يخفت: لماذا يتغيّر لمعان بيتلجيوز؟

الحيتان الزرقاء تختفي قرب جزر غالاباغوس.. هل لظاهرة النينيو دخل؟

كأس لوكورغوس: إناء روماني من الزجاج بتقنية نانوية قديمة لتغيير الألوان
