زلزال فنزويلا المدمر يترك آلاف الضحايا والمفقودين
زلزالان قويان يضربان شمال فنزويلا ويخلفان أكثر من 230 قتيلاً وآلاف المصابين. السكان يتكاتفون للبحث عن المفقودين وسط أنقاض لا غوايرا المتضررة بشدة بينما الحكومة تواجه تحديات كبيرة في جهود الإنقاذ وإعادة الإعمار وورلد برس عربي





في مدنٍ عدة تمتدّ على طول شمال فنزويلا، عكف السكان يوم الخميس على مساعدة بعضهم بعضاً في التنقيب وسط الأنقاض بحثاً عن ذويهم، في أعقاب زلزالين متتاليين ضربا البلاد ليلة الأربعاء، أودَيا بحياة أكثر من 230 شخصاً وخلّفا آلاف المصابين وفق ما أعلنته السلطات.
وارتفع الحصيلة الرسمية للضحايا إلى نحو 235 قتيلاً في وقتٍ متأخر من مساء الخميس، فيما تجاوز عدد المصابين 4,300 شخص، وفق ما أفاد به وزير الصحة الفنزويلي Carlos Alvarado لوسائل الإعلام الرسمية. ومن المرجّح أن يرتفع هذا العدد مع استمرار عمليات الإنقاذ المحمومة وتصاعد أعداد المفقودين.
الزلزالان اللذان ضربا مساء الأربعاء بقوتَي 7.2 و7.5 درجة على مقياس ريختر يُعدّان من بين أعنف الزلازل التي تشهدها فنزويلا منذ أكثر من قرن، وقد أُحسّ بهما في أرجاء واسعة من المنطقة.
أُخرج المصابون من تحت الأنقاض مغطّين بالغبار والدماء، وكان من بينهم أطفال وحيوانات. وبثّ التلفزيون الرسمي الفنزويلي مشاهد مثيرة لعمليات الإنقاذ، من بينها امرأة كانت محاصرةً تحت بلاطة إسمنتية لا يظهر منها سوى قدمها العارية، قبل أن ينجح المنقذون في انتشالها حيّة. غير أن فرق الإنقاذ الحكومية لم تكن تُرى بشكلٍ واسع خارج كاراكاس في البداية.
تكبّد الإقليم الساحلي لا غوايرا، شمال العاصمة كاراكاس، أشدّ الأضرار وأعلى الخسائر البشرية. ويقع في هذا الإقليم المطار الرئيسي للبلاد الذي أُغلق بسبب الأضرار التي لحقت به، ممّا زاد من تعقيد جهود الإغاثة.
فنزويلا في صدمة
استيقظ كثيرون صباح الخميس على مشهدٍ مروّع: مبانٍ تحوّلت إلى هياكل عظمية، وأثاث معلّق من النوافذ المحطّمة، وطائرات مروحية تحوم في السماء. ابتُلعت مبانٍ بأكملها، وتشقّقت الشوارع.
لجأت العائلات إلى نشر إعلانات البحث عن المفقودين مرفقةً بصور ذويهم، فيما تداول آخرون قوائم مكتوبة بخطّ اليد تضمّ أسماء المفقودين. وعانى الفنزويليون في الخارج من صعوبة التواصل مع أقاربهم بسبب انقطاع خدمة الهاتف.
في وسط كاراكاس، أمضى مئات الأشخاص ليلتهم محتشدين في الحدائق ومواقف السيارات والأماكن المفتوحة.
وتساءلت دايانا دلغادو، الأم لثلاثة أطفال، عن المعدات الثقيلة التي وعد بها المسؤولون الحكوميون، مؤكّدةً أن السكان هم من يتولّون الحفر بأيديهم في المباني المنهارة.
وقالت عن ابنها البالغ من العمر 8 سنوات الذي لا يزال في عداد المفقودين: «أريد أن أعرف أين طفلي، هل هو محاصر أم في ملجأ؟».
وانهارت أمٌّ باكيةً حين لُفّت جثّتا طفليها البالغَين من العمر 3 و10 سنوات بالبطاطين وحُملتا بعيداً. وراح آخرون يصرخون بأسماء مفقوديهم، فيما وقف بعضهم في صمتٍ مذهول.
وأعلنت السلطات الفنزويلية أنها تحوّل فرق الإنقاذ من مناطق أخرى في البلاد إلى لا غوايرا، وهي منطقة لا تخلو من سوابق الكوارث الطبيعية؛ إذ أودى انهيار طيني عام 1999 بحياة آلاف الأشخاص في ما يُعدّ من أشدّ الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد.
في لا غوايرا، وقف Cristian Carreño يحدّق في مبنى شقّته المحترق المائل بشكل مقلق.
وقال: «فقدت كل شيء. لا يزال هناك أشخاص في الداخل على الأرجح، لم يتمكّنوا من الخروج. إنه أمرٌ مدمّر لا يُوصف».
أمّا المعلم المتقاعد Juan Alberto Mendaño، فقد شقّ طريقه عبر الأنقاض في لا غوايرا متجاوزاً جثّة ملقاة على الأرض، حين لمح امرأة محاصرة تلوّح بيدها طلباً للنجدة.
وقال: «ليُنقذها الله في أسرع وقتٍ ممكن. حين سمعنا الصراخ، لم يكن بمقدورنا فعل شيء».
تحدّيات جسيمة تواجه الحكومة وفرق الإنقاذ
تُمثّل هذه الكارثة الطبيعية التحدّي الأحدث أمام الرئيسة بالإنابة Delcy Rodríguez، نائبة الرئيس السابقة التي تولّت السلطة في يناير إثر احتجاز مادورو. وتعاني فنزويلا من اضطرابات اقتصادية حادة منذ أكثر من عقد، فضلاً عن أن كثيرين لا يعترفون بشرعية التيار السياسي الذي تمثّله Rodríguez.
أعلنت Rodríguez حالة الطوارئ في خطابٍ للأمة مساء الأربعاء، مؤكّدةً أن الحكومة ستُنشئ صندوقاً لإعادة الإعمار بقيمة 200 مليون دولار لإصلاح المستشفيات والمنازل المتضرّرة.
وناشدت الخميس قطاع الأعمال توفير المعدات الثقيلة لدعم عمليات الإنقاذ.
وقالت: «نأمل في إنقاذ أكبر عددٍ ممكن من الأحياء».
وعلى الرغم من أن فنزويلا تقع قرب خطوط صدع متعددة، فإن موقعها على حدود الصفيحتين الأمريكية الجنوبية والكاريبية يجعل الزلازل القوية أقل شيوعاً مقارنةً بمناطق أخرى في أمريكا اللاتينية.
وأشارت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (U.S. Geological Survey) إلى أن مركز الزلزالين كان بالقرب من مدينة Morón على الساحل الكاريبي، على بُعد نحو 170 كيلومتراً غرب كاراكاس.
وأوضح Marcos Ferreira، الجيوفيزيائي والباحث في هيئة المسح الجيولوجي البرازيلية، أن تتابع الزلزالين مع ضحالة الحركة الزلزالية ضاعف حجم الدمار.
وقال: «الأمر أشبه بأن أصرخ ثم يبدأ شخصٌ آخر بالصراخ أيضاً؛ هذا يُضخّم الاهتزاز ويزيد من حجم الخطر المحتمل».
وبُعيد مطالبة مسؤولي الأمم المتحدة في فنزويلا الحكومةَ برفع القيود المفروضة على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يتمكّن الناس من الوصول إلى معلوماتٍ قد تنقذ أرواحهم، تمكّن الفنزويليون من الدخول إلى منصة X. وكانت هذه المنصة محجوبةً منذ أغسطس 2024 بقرار من مادورو، في محاولةٍ لقمع تداول المعلومات بين رافضي ادّعائه الفوز في انتخابات يوليو الرئاسية.
دول العالم تُبادر بتقديم المساعدة
تعهّد قادة المكسيك وقطر والبرازيل وإسبانيا والبرتغال وكندا بإرسال مساعدات، وكانت شحناتٌ عدة في طريقها إلى فنزويلا يوم الخميس.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio، الذي أجرى اتصالاً بـ Rodríguez عقب الزلزال، أن الولايات المتحدة تنشر مساعداتها فوراً، مُقرّاً في الوقت ذاته بأن إغلاق المطار الرئيسي يُشكّل عقبةً لوجستية.
وقال: «نحن نتحرّك بتنسيقٍ حكومي شامل. ستكون الاستجابة كبيرة وسريعة وفعّالة».
ووصلت فرق إنقاذ من المكسيك والسلفادور وجمهورية الدومينيكان إلى فنزويلا يوم الخميس، إلى جانب رحلة إغاثة جوية من المكسيك.
وقال المقدّم في سلاح الجوّ الدومينيكي Carlos Olivares: «لا توجد دولة مستعدّة بمفردها لتقديم الاستجابة المطلوبة. هذا هو الدور الذي تؤدّيه الدول المجاورة».
وأسهم الجالية الفنزويلية في الخارج أيضاً في جهود الإغاثة. ففي الإكوادور، أفاد Félix Rodríguez بأن متجره بات يستقبل التبرّعات من الفنزويليين والإكوادوريين على حدٍّ سواء.
وقال: «متجري دائماً على استعداد لكل ما تحتاجه فنزويلا»، متمنّياً لأبناء بلده «الإيمان والصمود».
أخبار ذات صلة

لاجئ فنزويلي نجا من كارثتين: «لن أعود أبداً إلى La Guaira»

فرق الإنقاذ تبحث عن ناجين بعد أربعة أيام من الزلازل في فنزويلا

نافذة الإنقاذ تضيق في فنزويلا بعد الزلازل المزدوجة المدمّرة
