تايلاند تواجه تحدي انتشار الأسلحة وسط أزمات أمنية
حادثتا إطلاق نار في تايلاند تكشفان هشاشة قوانين الأسلحة وانتشارها عبر برامج الرعاية الاجتماعية. الحكومة تعلن خطوات لتشديد الرقابة ومراجعة التصاريح في محاولة لجعل المجتمع أكثر أماناً على وورلد برس عربي.



تُشكّل إشارةٌ واحدة أحياناً نقطة الانعطاف في منظومةٍ بأكملها. ما حدث في مقاطعة Nonthaburi شمال غرب بانكوك خلال أقلّ من أسبوع إطلاق نار في مدرسة ثانوية راح ضحيّته 8 أشخاص على الأقلّ وأُصيب أكثر من 20، ثم حادثة إطلاق نار ثانية في مكتبٍ حكومي بعد ثلاثة أيام ليس مجرّد خبرَين أمنيَّين منفصلَين. إنّهما ضغطةٌ على نظامٍ يُعاني من تشقّقات بنيوية في منظومة السيطرة على الأسلحة.
تايلاند: الاستثناء الآسيوي في امتلاك الأسلحة
البيانات هنا لافتة للنظر. وفق مسحٍ أجرته مجموعتا Small Arms Survey وGunPolicy.org عام 2017، يمتلك المدنيون في تايلاند نحو 15 سلاحاً لكلّ 100 شخص وهو رقمٌ يتجاوز بمراحل جيرانها في جنوب شرق آسيا؛ إذ لا يتجاوز المعدّل في ماليزيا المجاورة سلاحاً واحداً لكلّ 100 شخص. على مستوى القارة الآسيوية، لا تتفوّق على تايلاند سوى Pakistan في معدّلات الامتلاك.
وعلى صعيد الوفيات، سجّلت تايلاند 3.49 حالة وفاة بالأسلحة النارية لكلّ 100,000 شخص وفق إحصاءات 2023 الصادرة عن World Population Review وهو معدّلٌ يبقى أدنى بكثير من مناطق أمريكا اللاتينية والكاريبي، لكنّه مرتفعٌ نسبياً في السياق الآسيوي، ولا تتخطّاه في جنوب شرق آسيا سوى الفلبين.
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ تايلاند تمتلك قوانين ترخيص مُقيِّدة نسبياً على الورق لكنّ الفجوة بين النصّ القانوني والتطبيق الفعلي هي تحديداً ما يُغذّي هذه الأرقام.
الاستجابة الحكومية: تعليق وتعديل ومراجعة
أعلنت الحكومة التايلاندية الأربعاء عزمها تشديد قوانين الأسلحة والتصدّي للأسلحة غير المرخّصة، في أعقاب حادثتَي إطلاق النار المتقاربتَين. وأوضحت المتحدّثة الحكومية Lalida Persvivatana في بيانٍ رسمي أنّ الهدف النهائي هو «إيجاد سُبُل لإبعاد الأسلحة عن الحياة اليومية للناس قدر الإمكان، وجعل المجتمع التايلاندي أكثر أماناً».
وكان رئيس الوزراء Anutin Charnvirakul قد أصدر الثلاثاء أوامر بمراجعةٍ عاجلة لأنظمة الأسلحة، شملت:
تعليق فوري لإصدار تصاريح شراء الأسلحة الجديدة ومراجعة التصاريح القائمة.
تكليف وزارة الداخلية بتقديم تعديلات تشريعية خلال 60 يوماً، تتضمّن تعزيز قواعد بيانات الأسلحة، وتشديد الرقابة على تجارتها، ورفع العقوبات على المخالفين.
إيقاف فوري لبرامج «أسلحة الرعاية الاجتماعية» التي كانت تُتيح للموظّفين الحكوميين والشرطة والعسكريين والمسؤولين المحلّيين وأعضاء البرلمان شراء أسلحة بأسعارٍ مدعومة.
تتراوح العقوبات الحالية على حيازة الأسلحة غير المرخّصة في تايلاند بين السجن من سنةٍ إلى 10 سنوات، وغراماتٍ تصل إلى 20,000 بات (نحو 600 دولار). غير أنّ المنتقدين يُشيرون إلى أنّ ضعف التطبيق يُفرغ هذه العقوبات من أثرها.
الإشارة الأضعف: برامج الرعاية وانتشار الأسلحة
ثمّة خيطٌ يستحقّ التتبّع في هذه القضية: برامج أسلحة الرعاية الاجتماعية. يرى خبراء السيطرة على الأسلحة أنّ إعادة البيع غير المنظّمة للأسلحة المُشتراة عبر هذه البرامج أسهمت بشكلٍ مباشر في انتشارها خارج نطاق الرقابة الرسمية. والحادثة الأخيرة في المدرسة الثانوية تُجسّد هذه الإشكالية: السلاح المُستخدَم كان مسجَّلاً قانونياً باسم جدّ الطالب المنفّذ.
Michael E. Picard، المحلّل الأمني المتخصّص في تتبّع الاتّجار بالأسلحة في جنوب شرق آسيا، أفاد بأنّه لم يرصد دليلاً كافياً على فاعلية إجراءات السيطرة على الأسلحة التي أُعلنت في أعقاب حوادث إطلاق النار الجماعي عامَي 2020 و2022، والتي خلّف كلٌّ منها أكثر من عشرين قتيلاً. وأكّد Picard أنّ تعزيز اشتراطات التخزين الآمن لحاملي رخص الأسلحة يُمثّل خطوةً جوهرية، مضيفاً أنّه «إذا كانت الرشاوى تُستخدَم للحصول على تصاريح الأسلحة، فيجب اجتثاث الفساد من الجهة الحكومية المسؤولة عن الترخيص». كما اقترح إلغاء برامج الرعاية كلّياً، وأن «تعمل الحكومة على استرداد ملايين أسلحة الرعاية المتداولة، أو تخزينها بأمان، أو تنظيم عفوٍ عنها».
ثلاثة سيناريوهات لمسار الإصلاح
بناءً على المعطيات المتاحة، يمكن رسم ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح : إصلاحٌ جزئي يُعالج السطح دون البنية: تُقرّ تايلاند تعديلاتٍ تشريعية خلال المدّة المحدّدة، لكنّ تطبيقها يظلّ متفاوتاً، ومعدّلات الامتلاك تتراجع ببطء دون أن تنكسر الاتّجاهات البنيوية.
المحتمل : إصلاحٌ أعمق مدفوعٌ بضغط الرأي العام: إذا تواصلت الحوادث البارزة وتصاعد الضغط الشعبي، فقد تُفضي المراجعة إلى إلغاء فعلي لبرامج الرعاية ومنظومة رقابة أكثر صرامة على سلسلة توريد الأسلحة.
الأقلّ احتمالاً : تراجعٌ عن الإصلاح بعد انحسار الزخم: وهو نمطٌ تكرّر بعد حادثتَي 2020 و2022، حيث تفقد الإجراءات المُعلَنة زخمها بمجرّد أن تتراجع القضية عن الواجهة الإعلامية.
المتغيّر الذي لم يُحسَب بعد هو مدى استعداد المؤسّسة الأمنية الشرطة والجيش والمسؤولون المحلّيون للتخلّي عن امتيازاتٍ راسخة ارتبطت تاريخياً ببرامج الرعاية هذه. هذا هو الاختبار الحقيقي لجدّية الإصلاح.
أخبار ذات صلة

المغرب يكسب حليفاً: كولومبيا تتبنّى موقفاً موالياً وسط تحوّلات التحالفات الجيوسياسية

تركيا: ائتلافٌ عابرٌ للأحزاب يقرّ قانون العفو عن حزب العمال الكردستاني

إسرائيل وفنزويلا تستعيدان العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة
