كولومبيا تغير بوصلة سياستها الخارجية نحو واشنطن وتل أبيب
حكومة كولومبيا الجديدة تعلن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية وتدعم سيادة إسرائيل على الجولان في تحوّل استراتيجي يضعها في صف واشنطن وتل أبيب مع قطيعة واضحة مع سياسة الرئيس السابق وورلد برس عربي

في إشارةٍ تكشف عن توجّه استراتيجي واضح، أعلنت حكومة كولومبيا اليمينية الجديدة، منذ أيامها الأولى في السلطة، عن سلسلة قرارات في السياسة الخارجية تضعها في صفٍّ واحد مع واشنطن وتل أبيب وتقطع قطيعةً حادّة مع مرحلة الرئيس السابق غوستافو بيترو.
الاعتراف بمغربية الصحراء: قراءة في السياق
أعلن نائب الرئيس Jose Manuel Restrepo ووزير الخارجية Omar Bula Escobar الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، عقب محادثات أجرياها مع مسؤولين مغاربة. وكتب Escobar على منصة X أن كولومبيا «تعترف بسيادة المغرب على صحرائه».
في الوقت ذاته، سحبت بوغوتا اعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وجمّدت علاقاتها الدبلوماسية مع حركة استقلال الإقليم متراجعةً عن قرار الرئيس بيترو عام 2022 باستعادة تلك العلاقات.
ما قد لا يظهر في العنوان هنا هو أن هذا الاعتراف ليس مجرّد موقف من نزاعٍ إقليمي بعيد؛ إنّه انضمامٌ صريح إلى الترتيب الجيوسياسي الذي أنتجته «اتفاقيات إبراهام» عام 2020، حين اعترف الرئيس الأمريكي Donald Trump بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مقابل تطبيع الرباط علاقاتها مع إسرائيل. كولومبيا تتبنّى الآن ذلك التسوية الإقليمية بوصفها جزءاً من منظومة تحوّل أشمل نحو واشنطن.
تجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة لا تزال تصنّف الصحراء الغربية إقليماً غير متمتّع بالحكم الذاتي، وتدعم حقّ الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. ويسيطر المغرب على معظم الإقليم منذ انسحاب إسبانيا منه عام 1975.
الجولان: قرارٌ في زمن الزلزال
الإشارة الأضعف والأكثر دلالةً ربّما جاءت يوم الاثنين، حين كانت فرق الإنقاذ الكولومبية لا تزال تنبش الأنقاض بحثاً عن ناجين من أشدّ الزلازل فتكاً في البلاد منذ أكثر من عقد؛ زلزال بلغت قوّته 7.4 درجة، أودى بحياة 250 شخصاً على الأقل، وأصاب أكثر من 2500، وخلّف آلاف المفقودين. في اليوم ذاته، وجدت وزارة الخارجية الكولومبية وقتاً للإعلان عن اعتراف بوغوتا بضمّ إسرائيل للجولان السوري المحتلّ، واصفةً ذلك بأنّه ضرورةٌ أمنية لإسرائيل.
بهذا القرار، أصبحت كولومبيا الدولة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة التي تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وكانت إسرائيل قد استولت على معظم الإقليم من سوريا عام 1967، وفرضت قوانينها عليه عام 1981، في خطوةٍ أعلن مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 497 أنّها «لاغية وباطلة وعديمة الأثر القانوني الدولي».
وقد بعثت سوريا برسائل احتجاج رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن. كما أدانت تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والعراق وفلسطين وعُمان قرار بوغوتا.
قطيعة مع بيترو، وتحوّل في البوصلة
يكتسب هذا التحوّل معناه الكامل حين يُقرأ في مقابل مرحلة بيترو؛ الرئيس اليساري الذي وصف الحرب الإسرائيلية على غزة بأنّها «إبادة جماعية» و«جريمة ضدّ الإنسانية»، وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو 2024، ودعم المساعي القانونية الدولية لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
في المقابل، جمع الرئيس الجديد Abelardo de la Espriella أعضاء حكومته في خلوةٍ دينية مسيحية قبيل توليّه السلطة، وقال خلالها وهو راكعٌ: «لبناء أمّةٍ عظيمة، يجب أن نضع الله في مركز كلّ قرار». غير أن القرارات الخارجية الأولى لحكومته وضعت المصالح الأمريكية والإسرائيلية في ذلك المركز.
ثلاثة سيناريوهات للمسار القادم
ما الذي تُشير إليه هذه القرارات المتسارعة؟ ثمّة ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح : أن تواصل كولومبيا تبنّي مواقف تتوافق مع الأجندة الأمريكية في المنطقة والعالم، مستثمرةً ذلك في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن وحلفائها، مع توقّع احتقانٍ دبلوماسي مع دول أمريكا اللاتينية ذات التوجّه اليساري.
المحتمل :أن تُفضي هذه القرارات إلى توترٍ مع منظّمات حقوق الإنسان الدولية والهيئات الأممية، مما قد يُعقّد مفاوضات بوغوتا في ملفّات متعدّدة كالتمويل المناخي والتعاون الإنمائي.
الأقلّ احتمالاً : أن تتراجع الحكومة عن أيٍّ من هذه القرارات تحت ضغطٍ داخلي أو إقليمي، إذ تبدو الإشارات الأولى تدلّ على إرادةٍ سياسية راسخة لا تعديلاً تكتيكياً مرحلياً.
التحوّل الهيكلي في السياسة الخارجية الكولومبية لم يكتمل بعد، لكنّ اتجاهه بات واضحاً. السؤال الذي يستحقّ المتابعة: هل يُمثّل هذا نموذجاً ستحتذي به دولٌ أخرى في أمريكا اللاتينية، أم أنّه استثناءٌ يعكس ديناميكيات كولومبية داخلية بحتة؟
أخبار ذات صلة

الحكومة التايلاندية تراجع سياسات الأسلحة بعد حادثتي إطلاق نار قرب بانكوك

تركيا: ائتلافٌ عابرٌ للأحزاب يقرّ قانون العفو عن حزب العمال الكردستاني

إسرائيل وفنزويلا تستعيدان العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة
