تحالف تركي تاريخي يفتح باب السلام مع حزب العمال الكردستاني
في خطوة تاريخية البرلمان التركي يصوّت على قانون يمنح عفواً جزئياً لأعضاء حزب العمال الكردستاني ويجمع تحالفاً واسعاً من الأحزاب لإنهاء نزاع طويل دام عقود ويبدأ مسار السلام والتسوية في تركيا وورلد برس عربي

في مشهدٍ كان يبدو مستحيلاً قبل ثلاث سنوات، التقط المصوّرون صورةً داخل البرلمان التركي تجمع نوّاباً من الائتلاف الحاكم إلى جانب نوّابٍ كرد موالين لحزب العمال الكردستاني (PKK) وسياسيّين من المعارضة وذلك بعد تصويتٍ منح عفواً جزئياً لأعضاء الحزب.
هذا ما جرى فعلاً إثر تصويتٍ تاريخي في البرلمان التركي.
للمرّة الأولى في التاريخ التركي الحديث، أدخلت الحكومة تشريعاً يُرسي إطاراً لحلّ النزاع مع PKK وربّما إنهاء ما يقارب أربعة عقود من القتال.
جذور النزاع وإرثه الثقيل
شنّ PKK حملةً عسكرية ضدّ الدولة التركية منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أودت بحياة آلاف المدنيّين وعناصر قوّات الأمن. سعى الحزب في البداية إلى الاستقلال، ثمّ تحوّل مطلبه لاحقاً نحو حكمٍ ذاتي موسّع لأكراد تركيا.
وعقب مفاوضاتٍ امتدّت عامَين مع زعيم PKK المسجون عبد الله أوجلان، قرّرت حكومة الرئيس رجب طيّب أردوغان وشريكها في الائتلاف، حزب الحركة القومية (MHP) بقيادة دولت بهشلي، السعيَ إلى إنهاء النزاع.
بهشلي: المفاجأة التي أطلقت المسار
كان بهشلي هو من أشعل فتيل هذا المسار في خطابٍ ألقاه في أكتوبر 2024، حين ظهر بصورةٍ لم يتوقّعها أحد: داعيةً للسلام. لم يكن المفاجئ فحسب أنّه أبدى استعداده لقبول مثول أوجلان أمام البرلمان بعد أن طالب مراراً بإعدامه بل إنّ حزبه القومي التركي اليميني كان تاريخياً في طليعة المعارضين لكلّ ما يمثّله PKK.
بعد أشهرٍ من عمل لجنة برلمانية معنيّة بالملفّ الكردي، وجولاتٍ من التفاوض مع أوجلان وقادة PKK في جبال قنديل شمال العراق وقياداتٍ في المنفى بأوروبا، أُدرج التشريع في البرلمان الأسبوع الماضي، وصدّق عليه سريعاً يوم الاثنين.
ما يتضمّنه القانون
يتيح القانون لأعضاء PKK السابقين الذين لم يرتكبوا جرائم عنفٍ كالقتل العمد الحصول على عفو، كما يُجيز الإفراج عن المسجونين المدانين في قضايا غير عنيفة.
لكنّ الأكثر إثارةً لم يكن إقرار البرلمان للقانون، بل اتّساع التحالف الداعم له. إذ انضمّ إلى حزبَي AKP و MHP الحاكمَين كلٌّ من:
حزب الشعب الجمهوري (CHP) العلماني
حزب الرفاه من جديد (Yeniden Refah) اليميني الإسلامي.
حزب السعادة (Saadet).
حزب الديمقراطية والتقدّم (DEVA) الليبرالي.
حزب هدى-بار (Huda Par) الكردي الإسلامي، وهو من خصوم PKK.
حزب العمال التركي (TIP) الاشتراكي وعددٌ من الأحزاب اليسارية الصغيرة.
تحالفٌ غير مسبوق
أيّد رئيس بلدية إسطنبول المسجون أكرم إمام أوغلو التشريعَ في بيانٍ رسمي. كما أعلن أوزغور أوزيل، رئيس حزب Yeni Parti (الحزب الجديد) الذي بات يمثّل المعارضة الرئيسية داخل البلاد بعد انشقاقه عن CHP، دعمه العلني للقانون.
وعلى الرغم من تباين مخاوف الأحزاب المؤيّدة وتحفّظاتها، فإنّ هذا التحالف الواسع أنتج مستوىً غير مسبوق من الدعم البرلماني: صوّت 468 من أصل 592 عضواً لصالح القانون.
في خطابه البرلماني، قال أوزيل إنّه سيدعم القانون رغم حملة الحكومة على رؤساء البلديات المعارضين، ودعمها لمساعي إقصائه من قيادة CHP:
«نحن أكثر من يحقّ له أن يقول لا لهذا القانون. لكنّنا أيضاً من لن يُقدّم هذا الحقّ على السلام. لم نضع غضبنا فوق مستقبل الأمّة، ولن نفعل.»
وأضاف: «سنُمهّد الطريق للسلام حتى لا تضطرّ أمٌّ أخرى إلى احتضان نعش ابنها.»
آليّة التطبيق
بموجب التشريع، يُشترط على PKK أوّلاً إلقاء السلاح وإثبات التزامه بالاتفاق أمام السلطات التركية. كما يُتوقّع من الحزب والجماعات المرتبطة به وقف الأنشطة غير المشروعة، بما فيها تهريب البضائع المزوّرة والمخدّرات.
بعد ذلك، يمكن أن تبدأ إعادة أعضاء PKK غير المتورّطين في جرائم عنفٍ في سبتمبر، مع فترة تطبيقٍ تمتدّ ستّة أشهر. ومن يفوّت هذه المهلة يفقد حقّه في الاستفادة من القانون.
تتولّى الاستخبارات التركية مراقبة المسار وإعداد تقريرٍ يُثبت نزع PKK للسلاح، يُرفع بعدها إلى مجلس الأمن القومي لإطلاق المرحلة التالية رسمياً.
يشمل القانون أعضاء PKK في جميع المواقع، بما فيها أوروبا؛ إذ تسقط الأحكام المبنيّة على مجرّد العضوية تلقائياً، بحجّة أنّ العضوية انتهت بحلّ التنظيم، ممّا يُفسح المجال أمام العودة إلى تركيا. ويبقى غير محسومٍ أيّ مكوّنات PKK سواءٌ في أوروبا أو العراق أو سوريا أو قنديل ستسعى للاستفادة من هذا القانون.
كذلك قد يستفيد بعض المحكوم عليهم الذين أمضوا 25 عاماً أو أكثر في السجن من أحكام الإفراج.
أمّا أوجلان، فلن يحظى بدورٍ رسمي بموجب التشريع. غير أنّ المسؤولين يتوقّعون، بعد تفعيل القانون وتطبيقه، أن ينعم بهامشٍ أوسع من الحرية في ظروف إقامته على جزيرة إمرلي، يشمل مرافق أفضل وإتاحة أكبر للتواصل مع الصحفيّين وقادة الرأي.
ما قد لا يظهر في العنوان
في خضمّ هذا المشهد التاريخي، ثمّة إشارةٌ أضعف تستحقّ التأمّل: حذّر أوزيل في خطابه من أنّ حلّ الملفّ الكردي قد يُمهّد لتحالفٍ جديد بين أردوغان وحزب المساواة والديمقراطية للشعوب (DEM) الموالي للأكراد، ممّا قد يُتيح لأردوغان السعي إلى ولايةٍ جديدة.
فرغم أنّ أردوغان يقضي ولايته الثانية، يُجيز الدستور له الترشّح مجدّداً إذا صوّت البرلمان على انتخاباتٍ مبكّرة. وبدعمٍ من DEM وعددٍ من الأحزاب الصغيرة، قد يتمكّن حزب AKP من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة للدعوة إلى انتخاباتٍ مبكّرة عام 2028.
الصورة التي التُقطت في البرلمان التركي تحمل أكثر من معنىً واحد — وقراءة ما وراءها قد تكون أهمّ من العنوان نفسه.
أخبار ذات صلة

المغرب يكسب حليفاً: كولومبيا تتبنّى موقفاً موالياً وسط تحوّلات التحالفات الجيوسياسية

الحكومة التايلاندية تراجع سياسات الأسلحة بعد حادثتي إطلاق نار قرب بانكوك

إسرائيل وفنزويلا تستعيدان العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة
