توسع القاعدة الأمريكية في بوصاصو يغير موازين القوة
اتفاقية توسعة القاعدة الأمريكية في بوصاصو تعزز مكافحة الإرهاب وحماية الأمن البحري في خليج عدن وسط توترات إقليمية مع تصاعد النزاعات في الصومال والمنطقة. تفاصيل تحركات واشنطن وتأثيرها في القرن الأفريقي على وورلد برس عربي.

مطلع أغسطس الماضي، وقّع قائد قيادة العمليات الخاصة الأمريكية في أفريقيا، اللواء Claude Tudor، اتفاقيةً مع رئيس إقليم بونتلاند شبه المستقل في شمال شرق الصومال، سعيد عبدالله دني.
اتفق الطرفان على توسيع القاعدة العسكرية الأمريكية في بوصاصو، المدينة الساحلية المطلّة على خليج عدن. وبحسب بيان موجز أصدرته حكومة بونتلاند، فإن التوسيع ضروري «لتحسين العمليات ضد الإرهاب والمساعدة في حماية الأمن البحري».
وجاء في البيان: «يظل إقليم بونتلاند ملتزماً بمكافحة الإرهاب وأي تهديد يمكن أن يضر بأمن واستقرار وتنمية بونتلاند والصومال والقرن الأفريقي».
سبق للولايات المتحدة أن استخدمت قاعدة جوية في بوصاصو أنشأتها الإمارات العربية المتحدة، وكانت مخصّصة أساساً لقوة الشرطة البحرية في بونتلاند (PMPF)، وهي قوة إقليمية تدعمها الإمارات لمكافحة القرصنة، تلقّت جزءاً من تدريبها على يد المقاول العسكري الخاص الأمريكي المثير للجدل Xe، المعروف سابقاً بـ Blackwater.
وقد شكّل وضع القاعدة الجوية في بوصاصو وقوة الشرطة البحرية (PMPF) انتهاكاً صريحاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1425 وحظر الأسلحة المفروض على الصومال، وذلك بسبب الطابع الإداري الإقليمي للإقليم وغياب الترخيص العسكري، قبل أن يرفع مجلس الأمن الدولي هذا الحظر في أواخر عام 2023.
في أكتوبر، أجري تحقيقاً في القاعدة الجوية ببوصاصو المجاورة للمطار الدولي، وحدّد فيها معدّاتٍ عسكرية إماراتية، من بينها «منشأة رادار، ومستودعات ذخيرة محصّنة، ومنطقة شحن مخصّصة لطائرات النقل الثقيل IL-76، ومستشفى ميداني، وساحة لتخزين المركبات تضمّ عشرات الشاحنات، وأحظرة للطائرات، والحظيرة الأصلية لقوة الشرطة البحرية في بونتلاند».
وتتّجه كثيرٌ من الأسلحة والمواد اللوجستية الثقيلة العابرة من الإمارات عبر بوصاصو إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان، التي تخوض حرباً ضد القوات المسلحة السودانية منذ أبريل 2023، وتواجه اتهاماتٍ بارتكاب جرائم حرب وأعمال إبادة جماعية.
ويبدو أن التوسّع العسكري الأمريكي في المنطقة مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً بالامتداد المتصاعد لرقعة الحرب الإيرانية، في ظل تنامي المخاطر المحيطة بمضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن.
وقد يعكس هذا التوسّع أيضاً رغبةً أمريكية في شنّ عمليات ضد جماعة أنصار الله اليمنية، المعروفة بالحوثيين.
جاء الاتفاق في بونتلاند في أعقاب إعلان الحوثيين فرض حصارٍ بحري على الموانئ السعودية المطلّة على البحر الأحمر، رداً على الضربات السعودية التي استهدفت مطار صنعاء الدولي.
تحتضن جيبوتي أكبر قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في أفريقيا، وهي Camp Lemonnier، غير أن حكومتها تتعامل بصرامة وحرصٍ شديد على مصالحها، إذ رفضت منح واشنطن إذناً بشنّ ضربات على اليمن انطلاقاً من قاعدتها، خشيةً من تعريض مواطنيها للخطر.
تحرّكات على الهامش
تكتنف الاتفاقية مع بونتلاند ضبابيةٌ قانونية واضحة، إذ تتجاوز الحكومة الفيدرالية الصومالية التي تدعمها الولايات المتحدة. وكان إقليم بونتلاند قد رفض الاعتراف بالنظام الفيدرالي إثر التعديلات الدستورية التي أجراها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود عام 2024، والتي ركّزت السلطة في مقديشو.
بين يونيو ويوليو، شهدت المنطقة ما لا يقل عن سبع مواجهات مسلّحة بين قوات الحكومة الفيدرالية الصومالية وإدارة بونتلاند.
كما التقى مسؤولون من قيادة أفريكوم (Africom) بقيادة إقليم جوبالاند في جنوب الصومال، الذي لا يعترف بسلطة مقديشو، في الأيام التي سبقت إعلان حكومة بونتلاند عن الاتفاقية.
لا تزال الولايات المتحدة تؤكد التزامها بسيادة الصومال ووحدة أراضيه في مواجهة الاعتراف الإسرائيلي الرسمي بأرض الصومال وما أعقبه من فتح بعثة دبلوماسية في القدس وإن كانت مفاوضاتها الراهنة تبدو وكأنها تُغذّي الانقسامات داخل الصومال لا تحول دونها.
مرحلة جديدة في العلاقات مع الصومال
منذ انطلاق الحرب على الإرهاب عام 2002، شرعت الولايات المتحدة في توسيع حضورها العسكري تدريجياً في الصومال، مُنشِئةً قواعد للعمليات الخاصة قبل أن تُدخل القوات التقليدية والمروحيات وطائرات المراقبة والمواقع المتقدّمة والطائرات المسيّرة.
ولأكثر من عقدين، نفّذت أفريكوم ضربات بطائرات مسيّرة وغارات جوية ضد قيادات حركة الشباب والتنظيمات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، فيما عملت على تجهيز وتدريب لواء دنب (Danab Brigade)، الوحدة النخبوية في الجيش الوطني الصومالي التي قادت كثيراً من الهجمات البرية لمقديشو.
في ولايته الأولى، نفّذ الرئيس الأمريكي Donald Trump 219 غارة جوية على الصومال تحت مسمّى «مكافحة الإرهاب». ومنذ توليه الرئاسة لولايةٍ ثانية، شهد الصومال تصعيداً غير مسبوق، إذ بلغت الضربات 205 غارات حتى الآن.
يأتي توسيع القاعدة الجوية في بوصاصو في سياق تفويض البنتاغون صلاحياتٍ عملياتية موسّعة لأفريكوم.
وخلال زيارته لمقرّ أفريكوم في فبراير 2025، وقّع وزير الدفاع Pete Hegseth توجيهاً سرياً يُلغي اشتراط الحصول على موافقة البيت الأبيض قبل تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة في الصومال.
كما أنهت الولايات المتحدة في يوليو الماضي دعمها المالي واللوجستي لمكتب دعم الأمم المتحدة في الصومال، ما أسدل الستار عملياً على البعثة الأفريقية للدعم والاستقرار في الصومال.
القراءة الأعمق لهذا القرار تتجاوز مجرّد استمرارية الحملة الأمريكية لمكافحة الإرهاب. فحين يُوضع إلى جانب تخلّي واشنطن عن مهام «حفظ السلام» متعددة الأطراف وتخفيفها القيود المفروضة على أفريكوم، يبدو توسيع القاعدة في بوصاصو إشارةً إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تتحاشى التشرذم السياسي الصومالي أو تعمل ضدّه، بل باتت تتعامل معه بوصفه بيئةً يمكن العمل من داخلها.
أخبار ذات صلة

المغرب يكسب حليفاً: كولومبيا تتبنّى موقفاً موالياً وسط تحوّلات التحالفات الجيوسياسية

الحكومة التايلاندية تراجع سياسات الأسلحة بعد حادثتي إطلاق نار قرب بانكوك

تركيا: ائتلافٌ عابرٌ للأحزاب يقرّ قانون العفو عن حزب العمال الكردستاني
