استسلام مشروط في مواجهة إيران وتأثيراته العسكرية
وصف المحلّل الجيوسياسي براندون ويشرت مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بأنها "وثيقة استسلام مشروط". استنزاف المخزونات العسكرية الأمريكية يثير القلق، مع توقعات طويلة لإعادة التسليح. هل نحن في خطر؟ التفاصيل هنا.

في تعليقٍ لافت خلال إطلالةٍ على برنامج المحلّل السياسي Tucker Carlson، وصف المحلّل الجيوسياسي Brandon Weichert مذكّرة التفاهم (Memorandum of Understanding) التي وقّعتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران بأنّها "وثيقة استسلام مشروط".
و أوضح Weichert أنّ واشنطن دخلت مفاوضات التسوية بعد أن استنزفت أجزاءً كبيرة من مخزوناتها الصاروخية، قائلاً بصراحة: "في نهاية المطاف، هذه وثيقة استسلام مشروط. الولايات المتحدة أشعلت حرباً وخسرتها سريعاً. الإيرانيون، للأسف، حقّقوا انتصاراً على المستوى الاستراتيجي."
وأضاف أنّ إدارة Trump لم يكن أمامها خيارٌ آخر: "لقد وافقت إدارة Trump على هذا الاتفاق، ولم يكن بوسعها رفضه، لأنّ الرئيس أعلن أصلاً أنّنا سننفد من النفط في غضون أربعة أسابيع، فكان محاصَراً. وأقول له: أحسنتَ بفعل ذلك، لكنّ هذه في نهاية المطاف وثيقة استسلام مشروط."
جاءت هذه التصريحات في خضمّ الجدل المتصاعد حول مذكّرة التفاهم، التي تُرسي إطاراً للمفاوضات المستمرّة بين واشنطن وطهران، وتهدف إلى الإبقاء على وقف إطلاق النار الذي أُبرم بعد أشهرٍ من المواجهة العسكرية.
معطيات الاستنزاف: أرقامٌ متاحة للعموم
استند Weichert في تقييمه إلى ما وصفه بمعطياتٍ متاحة للعموم حول حجم الإنفاق العسكري الأمريكي خلال الحرب، مؤكّداً: "معدّلات استنزاف الأسلحة هذه متاحةٌ كلّها للعموم. أنا لا أتعامل مع معلوماتٍ سرّية."
وبحسب تقديراته، جرى استهلاك نحو نصف المخزون الأمريكي من صواريخ الاعتراض الباليستية MIM-104 Patriot، فيما استُنفد ما بين 50% و80% من صواريخ منظومة الدفاع الصاروخي في المرحلة الأخيرة من الطبقة العليا THAAD (Terminal High Altitude Area Defence). كذلك أُطلق أكثر من 1,000 صاروخ كروز Tomahawk، وهو ما يمثّل نحو ثلث المخزون الأمريكي الإجمالي.
وتابع قائلاً: "كمّياتٌ كبيرة من صواريخ JASSM )Joint Air-to-Surface Standoff Missile) استُخدمت، فضلاً عن ما يشبه الاستنزاف الكامل للمخزون الذي كان متوفّراً قبيل الحرب من صواريخ Precision Strike Missiles."
السفن الحربية في مرمى الخطر
ذهب Weichert إلى أبعد من ذلك، مؤكّداً أنّ القوات البحرية الأمريكية واجهت تهديداتٍ أشدّ ممّا أقرّ به البيت الأبيض علناً. وقال: "تُفيد التقارير البحرية باستهلاك كمّياتٍ كبيرة من صواريخ الاعتراض البحرية SM-3 وSM-6. هذا يوحي لي وأنا هنا أُبدي استنتاجاً بأنّه كان ثمّة معركةٌ شرسة جدّاً على أمن سفننا في المرحلة الكينيتية (الحركية) (Kinetic Phase) من الحرب."
وأردف: "البيت الأبيض كان يكذب حين قال إنّ السفن كانت في أمانٍ تام. سفننا كانت في خطرٍ حقيقي، وهذا ما تكشفه الأرقام بوضوح."
جداول زمنية طويلة لإعادة التسليح
لفت المحلّل كذلك إلى تأخيراتٍ جوهرية في إعادة تعبئة الترسانة المستنزفة، مُقدِّماً الجداول الزمنية الآتية:
صواريخ Precision Strike Missiles: يُتوقّع استعادة المخزون بحلول نهاية العام الجاري.
صواريخ JASSM: قد لا يكتمل الاستبدال قبل منتصف العام المقبل.
صواريخ الاعتراض البحرية SM-3 وSM-6: قد تمتدّ فترة التعبئة حتى عام 2028.
صواريخ Patriot: قد لا يتعافى المخزون قبل نحو عام 2030.
صواريخ THAAD: جداول زمنية مماثلة، وقال Weichert: "هذه هي الأهمّ حقّاً، ولن تتوفّر على الأرجح قبل 2030".
صواريخ Tomahawk: قد تحتاج إلى خمس سنواتٍ إضافية لاستعادة المخزون.
وخلص إلى تحذيرٍ صريح: "علينا أن نأمل ألّا تحتاج الصين أو أيّ منطقة أخرى تستدعي تدخّلنا إلى مساعدتنا، لأنّنا استنزفنا أنفسنا."
صحيفة New York Times تؤكّد المعطيات
تأتي هذه التصريحات في سياقٍ أوسع، إذ كشف تقريرٌ لصحيفة New York Times أنّ الرئيس Donald Trump وكبار مسؤولي البنتاغون يضغطون على شركات الدفاع لتسريع وتيرة الإنتاج، في حين تسعى الإدارة للحصول على 70 مليار دولار إضافية من الكونغرس لتمويل جهود الحرب وإعادة تعبئة المخزونات المستنزفة.
وبحسب الصحيفة، أبلغت شركات الدفاع Trump خلال اجتماعٍ في البيت الأبيض بأنّ توسيع طاقتها الإنتاجية يستلزم استثماراتٍ ضخمة جديدة، فيما يُرجَّح أن يواجه طلب التمويل معارضةً قويّة في الكونغرس.
وأفادت الصحيفة ذاتها بأنّ الحرب أفضت إلى استنزافٍ حادّ في مخزونات الذخائر الأمريكية، إذ استُخدم نحو 1,100 صاروخ كروز شبح بعيد المدى، وأكثر من 1,000 صاروخ Tomahawk، وما يزيد على 1,200 صاروخ اعتراض Patriot، فضلاً عن أكثر من 1,000 صاروخ من طرازَي Precision Strike Missiles وArmy Tactical Missile Systems.
شرق أوسط ما بعد القطب الأمريكي
على الصعيد الجيوسياسي، رأى Weichert أنّ الحرب عجّلت بتحوّلٍ بنيوي أعمق في المنطقة، معتبراً أنّ الشرق الأوسط يسير نحو مرحلة "ما بعد الهيمنة الأمريكية"، حيث تراجع دور إسرائيل بوصفها محوراً للنظام الإقليمي المدعوم أمريكياً.
وقال: "سيكون ثمّة شرق أوسط جديد"، مشيراً إلى أنّ خمس قوى ستتقاسم رسم ملامح التوازن الإقليمي المقبل: المملكة العربية السعودية، وإيران، وباكستان، ومصر، وتركيا.
وأوضح أنّ الصناعة الدفاعية التركية المتنامية، والقدرات النووية الباكستانية، إلى جانب ثقل المملكة العربية السعودية وإيران ومصر، ستُشكّل ركائز نظامٍ إقليمي جديد أقلّ اعتماداً على واشنطن. وأضاف: "هذه القوى الكبرى في الشرق الأوسط الموسّع ستُرسي نظاماً جديداً ما بعد أمريكي."
وختم بملاحظةٍ دالّة: "إلى أين يتّجه المشهد من هنا، يتوقّف في نهاية المطاف على Netanyahu وحكومته."
في المقابل، حرص البيت الأبيض والمسؤولون العسكريون الأمريكيون على تقديم مذكّرة التفاهم باعتبارها "صفقةً جيّدة" لأمريكا، في حين لم يتوقّف قطاعٌ من الطبقة السياسية الأمريكية عن انتقاد إدارة Trump لإخفاقها في تحقيق أهدافها المُعلنة من الحرب، ولا سيّما إسقاط النظام الإيراني وإضعاف نفوذ طهران الإقليمي وقدراتها العسكرية.
أخبار ذات صلة

الممر البحري بالقرب من عمّان يتسّع لاستيعاب المزيد من حركة المرور عبر مضيق هرمز

البيت الأبيض يطلب 87.6 مليار دولار من الكونغرس لتكاليف الحرب مع إيران والمساعدات الزراعية ومكافحة الإيبولا

الحرب على إيران: كارثة استراتيجية على أميركا وإسرائيل
