هل يشكل الذكاء الاصطناعي الصيني تهديداً للأمن الأمريكي
استخدام نموذج ذكاء اصطناعي صيني في موقع حكومي أمريكي أثار جدلاً بين مخاوف أمنية وضجة سياسية. هل الخطر حقيقي أم مجرد توتر سياسي حول تقنيات الذكاء؟ تعرف على تفاصيل القصة كاملة عبر وورلد برس عربي.

هل يشكّل استخدام نموذج ذكاء اصطناعي صيني في موقع حكومي أمريكي خطراً أمنياً حقيقياً، أم أنّ القصة كلّها ضجة سياسية حول تقنية لا تفعل أكثر من البحث في نصوص عامة؟ هذا هو السؤال الذي فرض نفسه بعد أن أزال مسؤولون أمريكيون، يوم الأربعاء، أداة بحث تعمل بالذكاء الاصطناعي من موقع "السجل الفيدرالي" (Federal Register)، بعدما تبيّن أنّها مبنية على أحد نماذج Qwen التابعة لشركة Alibaba الصينية.
ماذا حدث بالضبط؟
موقع "السجل الفيدرالي"، الذي تديره "الأرشيفات الوطنية" الأمريكية (National Archives)، كان يستخدم الأداة لتمكين الزوار من البحث في التعليقات العامة المقدَّمة على مشاريع اللوائح التنظيمية. المشكلة ليست في الوظيفة نفسها، بل في مصدر النموذج: نظام Qwen من إنتاج Alibaba.
انكشف الأمر حين نشر مستخدم على منصة X يُعرف باسم "tleilax___" لقطة شاشة توضح وجود خيار البحث عبر Qwen على الموقع، في 15 سبتمبر. اللقطة انتشرت بسرعة، وسط تعليقات ساخرة من التناقض الظاهر بين موقف الإدارة الأمريكية المتشدد تجاه التقنيات الصينية واستخدام إحدى وكالاتها الفيدرالية لنموذج صيني علناً. الخدمة بقيت متاحة يوماً كاملاً على الأقل بعد ظهور اللقطة، قبل أن تُزال يوم الأربعاء، وهو ما أكّده كود المصدر المؤرشف للموقع.
حتى كتابة هذا التقرير، لم تُوضّح "الأرشيفات الوطنية" متى بدأ استخدام Qwen أصلاً، ولم تُصدر أي تعليق على قرار الإزالة.
هل كان الخطر حقيقياً؟
هنا يستحق الأمر التوقف، لأنّ الإجابة السريعة والحاسمة ("نموذج صيني = خطر") ليست دقيقة تقنياً. بحسب موقع Sina.com الصيني، النموذج المستخدم كان من فئة "Qwen3 0.6B"، وهو إصدار صغير الحجم ومفتوح الأوزان (open-weight)، أصغر بكثير من نماذج Alibaba الرائدة، ومصمَّم خصيصاً لاسترجاع المستندات، لا أكثر. لا يملك قدرات استدلال معقّدة، ووفق الموقع نفسه، لا يُرسل أي بيانات حكومية إلى Alibaba أو أي طرف ثالث.
هذه نقطة تقنية مهمة يجدر على أي قارئ يتابع أخبار الذكاء الاصطناعي فهمها: النماذج القابلة للتنزيل (downloadable models) تسمح للجهات الحكومية بتشغيلها محلياً بدل الاعتماد على خوادم خارجية، ما يمنحها سيطرة أكبر على بياناتها. وأشار Sina إلى أنّ حماية البيانات والتسعير القابل للتنبؤ كانا وراء اعتماد Qwen كخيار "افتراضي" في بعض الاستخدامات، مع تلميح لافت: النماذج الصينية الأصل، حين تُشغَّل تحت سيطرة كاملة من الجهة المستخدمة، قد لا تبقى فعلياً "خدمات صينية" بالمعنى الأمني الدقيق.
خبراء تحدثوا لـ"رويترز" رجّحوا أن هذا الاستخدام لم يشكّل خطراً أمنياً جوهرياً. أنوبام تشاندلر، أستاذ القانون في جامعة جورجتاون، قال إنّ محتوى "السجل الفيدرالي" كان "عاماً أصلاً، لذلك لم يكن النموذج يتعامل مع معلومات حكومية حسّاسة". لكنه أضاف تحفظاً مهماً: مستوى الأمان يعتمد جزئياً على كيفية تدريب النموذج نفسه.
لماذا أثار الأمر كل هذا الغضب؟
المشكلة السياسية أكبر من المشكلة التقنية. فمكتب التحقيقات الفيدرالي كان قد أدرج Alibaba، في وقت سابق من هذا الشهر، ضمن ست شركات صينية متّهمة بممارسة ما وصفه بـ"التقطير الصناعي" (industrial-scale distillation)، وهي تقنية يقول المكتب إنها تساعد الصين على تقليص تكلفة ووقت تطوير الذكاء الاصطناعي عبر استنساخ قدرات نماذج أمريكية متقدمة.
دانيال كاسترو، رئيس مؤسسة تكنولوجيا المعلومات والابتكار (ITIF)، وصف استخدام وكالة أمريكية لنموذج من Alibaba بأنه "جنوني"، في إشارة إلى التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية. أما السيناتور مارك وارنر عن ولاية فرجينيا، فربط الخطر الأمني بمعالجة البيانات عبر "أنظمة تسيطر عليها Alibaba"، بصرف النظر عن حجم النموذج أو وظيفته.
جون مولينار، رئيس لجنة الكونغرس المعنية بالصين (House China Committee)، ذهب أبعد من ذلك، قائلاً إنه "لا ينبغي لأي جهة حكومية فيدرالية استخدام نموذج ذكاء اصطناعي صيني". وأضاف: "القيام بذلك لا يؤدي إلا إلى زيادة اعتماد الحكومة الفيدرالية على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، وهذا ليس في المصلحة الوطنية". مخاوف مولينار تتقاطع مع تحذير مكتب التحقيقات الفيدرالي من أنّ اعتماد نماذج صينية قد يحبس الحكومة الأمريكية في منظومة تقنية صينية على المدى الطويل.
معركة أكبر حول من يضبط قواعد الذكاء الاصطناعي
القصة، كما وصفتها "رويترز"، تأتي "وسط إعادة تقييم عالمية لسلامة الذكاء الاصطناعي، ونقاش أمريكي حول ما إذا كانت الضمانات التنظيمية ضرورية أم أنها ستضع البلاد في موقع تنافسي أضعف". هذا النقاش ليس مجرداً؛ فكثير من الشركات الأمريكية دعت إدارة ترامب علناً إلى عدم فرض قيود على النماذج الصينية مفتوحة المصدر، بينما رفضت الصين اتهامات نسخ النماذج المتقدمة، وطالبت واشنطن بالإصغاء إلى مجتمع أعمالها بدل تقييد الوصول إلى هذه الأدوات.
بحث سياسي قُدّم في مارس إلى لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية-الصينية (US-China Economic and Security Review Commission) يقدّم تفسيراً أعمق للمعضلة: الولايات المتحدة، وفق الباحثين، ركّزت على قيادة النماذج الطليعية (frontier AI) بدل الاستثمار في تطوير نماذج مفتوحة المصدر، والصين استغلّت هذه الفجوة تحديداً. ضوابط التصدير الأمريكية الحالية تقيّد وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتقدمة اللازمة لتدريب النماذج الضخمة، لكنها لا تتطرق إطلاقاً لدورة نشر النماذج الصغيرة، التي تحتاج حوسبة أقل تطوراً وتعتمد على نماذج أساس متاحة علناً، وتحقق ميزتها من طبقة التطبيق لا من التدريب المسبق.
الباحثون صاغوا الأمر بوضوح: "ضوابط التصدير الأمريكية معايَرة لكبح التدريب الطليعي عبر تقييد الوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة. إنها لا تعالج دورة نشر النماذج الصغيرة، التي تتطلب حوسبة أقل تطوراً، وتعتمد على نماذج أساس متاحة علناً، وتولّد ميزتها عبر التطبيق لا التدريب المسبق. وإذا كانت النماذج الأكثر أهمية للذكاء الاصطناعي الصناعي صغيرة ومتخصصة ومفتوحة، فإن الإطار السياسي الأمريكي الحالي قد يستهدف الطبقة الخاطئة من المنافسة".
الرهان، بحسب الباحثين، ليس تقنياً بحتاً بل يتعلق بـ"القدرة على وضع المعايير والقواعد التقنية التي ستحكم تطوير الذكاء الاصطناعي لسنوات مقبلة". فقدان المستخدمين لصالح النماذج الصينية المفتوحة، كما حذّروا، قد يقلّص نفوذ واشنطن في صياغة هذه المعايير، وهو ما قد يضر بالأمن القومي والاقتصاد الأمريكيين على المدى البعيد. شركتا Nvidia و Meta تعهدتا بدورهما بالمساعدة على سد هذه الفجوة.
أين يضع هذا القارئ العادي؟
المفارقة التي يجب أن يتوقف عندها أي قارئ متابع لسياسات الخصوصية والتكنولوجيا هي التالية: التقنية نفسها، في هذه الحالة، لم تكن المشكلة. نموذج صغير مفتوح المصدر، يعمل محلياً، ولا يرسل بيانات لأي جهة خارجية، هو بالضبط النوع من الأدوات الذي يُفترض أن يطمئن أي مستخدم حريص على خصوصيته — بصرف النظر عن جنسية الشركة التي طوّرته. لكن حين يتحول النقاش من "هل يجمع النموذج بياناتي؟" إلى "من يملك القدرة على التحكم في المعايير التقنية العالمية؟"، تصبح القواعد المألوفة في تقييم الخصوصية غير كافية وحدها.
الولايات المتحدة لم تبدأ إلا مؤخراً في التفكير جدياً في فرض قيود حتى على النماذج ذات الأصل الصيني التي تُدار تحت سيطرة أمريكية كاملة — وهو تطور يعكس أنّ الجدل لم يحسم بعد. السؤال المفتوح الآن ليس فقط ما إذا كانت وكالة حكومية أخرى ستُضبط وهي تستخدم نموذجاً صينياً، بل ما إذا كانت واشنطن ستعيد النظر في سياسة تصدير مصمَّمة لعالم النماذج الضخمة، بينما المعركة الفعلية، وفق الباحثين أنفسهم، تُخاض على مستوى النماذج الصغيرة المفتوحة التي يمكن لأي جهة تنزيلها وتشغيلها دون إذن من أحد.
أخبار ذات صلة

الاتصالات الأمريكية توافق على بيع Paramount حصة 49.5% لدول الخليج

تراجع وكالة حماية البيئة الأمريكية عن معايير الانبعاثات في محطات الكهرباء

أوباما يحثّ الديمقراطيين على وضع خطّة واضحة لحماية الذكاء الاصطناعي
