وورلد برس عربي logo

استثمارات خليجية تغير وجه الإعلام الأمريكي وتثير الجدل

وافقت FCC على استثمارات خليجية ضخمة في Paramount مع احتفاظ الأمريكيين بحق القرار والتحكم الكامل. الصفقة تثير قلقاً حول النفوذ الأجنبي وتأثير ديونها على موظفي CBS ومستقبل الإعلام الأمريكي وورلد برس عربي.

خزان مياه يحمل شعار شركة Paramount Skydance، المرتبطة بالاستثمار الخليجي في قطاع الإعلام الأمريكي.
حقوق الصورة: غيتي إيماجز | نور فوتو
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

وافقت الهيئة الفدرالية للاتصالات الأمريكية (FCC) أمس على طلب شركة Paramount Skydance فتح أبوابها أمام استثمارات ضخمة من صناديق سيادية سعودية وإماراتية وقطرية، في قرارٍ قد يجعل ما يقارب نصف الملكية غير المباشرة لواحدة من أكبر شركات الإعلام الأمريكية بيد جهاتٍ خليجية — مع بقاء حق التصويت والقرار التحريري بيدٍ أمريكية بالكامل. القرار يفتح نقاشاً لا يقتصر على من يملك الأسهم، بل على من يملك النفوذ، ومن يدفع ثمن الديون التي ستُبنى عليها الصفقة.

من يدفع، ومن يقرر؟

بحسب القانون الأمريكي، يستوجب أي تجاوز لنسبة 25% من الملكية الأجنبية في محطات البث المرخّصة موافقة مسبقة من الهيئة. Paramount، التي تملك تراخيص FCC لثماني وعشرين محطة محلية تابعة لشبكة CBS، تتوقّع أن تصل نسبة الملكية الأجنبية غير المباشرة فيها إلى 49.5% بموجب اتفاقات الاستثمار الحالية، فيما سمحت الهيئة فعلياً بأن تصل هذه النسبة إلى 100% في المجموع، مراعاةً لتقلّبات السوق واستثمارات مستقبلية محتملة، على حدّ تعبير Paramount نفسها.

الاستثمار الخليجي يأتي في سياق أوسع: صفقة استحواذ Paramount على Warner Bros. Discovery بقيمة 111 مليار دولار، وهي الصفقة التي سيموّل جزءاً منها التمويل الأجنبي. وبحسب ما نشرته صحيفة Los Angeles Times، تخطّط الصناديق الخليجية لضخّ 24 مليار دولار في صفقة Paramount/Warner، تتوزّع بحصة 10 مليارات دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، و 7 مليارات دولار من جهاز قطر للاستثمار، و 7 مليارات دولار أخرى من شركة L'imad Holding Co. الإماراتية المتّخذة من أبوظبي مقرّاً لها.

لكنّ المال هنا لا يعني السلطة. فالمستثمرون الأجانب سيحصلون على أسهم من الفئة B غير المخوّلة للتصويت، بينما تحتفظ عائلة Ellison وشركة RedBird Capital Partners بنسبة 100% من أسهم الفئة A التي تحمل حق التصويت الكامل. وأصدرت الهيئة توضيحاً صريحاً بأنّ "المستثمرين الأجانب لن يكون لديهم أي تأثير أو توجيه أو سيطرة، ولن يقدّموا أي تعليق أو إرشاد بشأن قرارات المحتوى أو إدارة الشركة، ولن يكون لهم وصول إلى بيانات الأشخاص الأمريكيين غير العلنية الخاصة بـ Paramount".

قرار من دون تصويت

اللافت أنّ هذا القرار — رغم حجمه وحساسيته — لم يُعرض على تصويت مفوّضي الهيئة، بل صدر عن مكتب الإعلام (FCC Media Bureau) بوصفه "حكماً تفسيرياً" (declaratory ruling). المفوّضة الديمقراطية آنا غوميز (Anna Gomez) انتقدت هذا المسار بشدّة، قائلة إنّها "طالبت بأن تُعرض هذه المسألة الجديدة وغير المسبوقة على تصويت الهيئة كاملةً نظراً لحجم ما هو على المحك. بدلاً من ذلك، مرّرت الهيئة هذا الحكم بصفته قراراً على مستوى الموظفين، من دون تصويت علني ومن دون أي مساءلة عن قرارٍ بهذا الحجم".

ولم تتوقّف اعتراضات غوميز عند الشكل الإجرائي، بل امتدّت إلى جوهر الصفقة، إذ وصفت الحكومات الممولة للاستثمار بأنّها "بعض من أكثر الحكومات قمعاً في العالم"، مضيفةً أنّ "استثماراً بهذا الحجم في واحدة من أكبر شركات الإعلام الأمريكية لا يشتري حصصاً فحسب، بل يؤمّن نفوذاً على ما يُقال وما يُصنَع". ديمقراطيون في مجلس الشيوخ سبق أن وجّهوا في مايو رسالة إلى رئيس الهيئة برندان كار (Brendan Carr) يعبّرون فيها عن قلقهم من أنّ "الحكومات الأجنبية وراء هذا الاستثمار تقمع بشكلٍ منهجي حرية الصحافة في بلدانها، وقدّمت سلسلة من الاستثمارات والهدايا لكيانات يسيطر عليها الرئيس وعائلته، ما يثير مخاوف جدية بشأن نفوذها على الإعلام الأمريكي المستقل واحتمال الفساد". أما كار نفسه، فكان قد أعلن في مارس تأييده الصريح للصفقة، قائلاً: "أعتقد أنّ هذه صفقة جيدة، وأعتقد أنّها ينبغي أن تمرّ بسرعة".

ماذا يعني هذا لعمال CBS؟

بعيداً عن جدل النفوذ السياسي، هناك سؤالٌ اقتصادي أكثر إلحاحاً بالنسبة لعمّال القطاع: من سيدفع ثمن ديون هذه الصفقة الضخمة؟ جماعة الدفاع عن الإعلام Free Press حذّرت في مذكّرة قدّمتها إلى الهيئة من أنّ "Paramount ستبدأ ملكيتها لـ WBD بديونٍ تقارب 80 مليار دولار، ما سيتطلّب تخفيضات عميقة في ممتلكات Paramount وعملياتها القائمة قبل الاندماج. هذه التخفيضات ستؤثّر سلباً على المصلحة العامة، خصوصاً في وحدات البث التابعة لـ Paramount". بعبارة أخرى، الحصص الاستثمارية غير المصوِّتة قد لا تعني نفوذاً مباشراً على غرفة الأخبار، لكنّ عبء الدين الناتج عن تمويل الصفقة قد يترجم إلى تسريحات وتقليصات في محطات البث المحلية الثماني والعشرين، وهو أثرٌ ملموس على سوق العمل لن تكشف عنه بنود الملكية وحدها.

صفقة معلّقة قانونياً

الاستحواذ على Warner Bros. Discovery، الذي يفترض أن يدمج استوديوهي أفلامٍ كبيرين، وخدمتَي بث هما Paramount+ و HBO Max، ويمنح Paramount ملكية CNN وقنوات تلفزيونية أخرى، لم يكتمل بعد. فبعد موافقة وزارة العدل الأمريكية بقيادة إدارة ترامب على الصفقة في يونيو، بادرت مجموعة من 12 ولاية بقيادة كاليفورنيا إلى رفع دعوى قضائية لوقفها. وقد وجد قاضٍ فدرالي أنّ الصفقة "من المرجّح أن تقلّص المنافسة بشكل جوهري وتنتهك قوانين مكافحة الاحتكار"، وأوقف الاندماج ريثما تُحسم القضية، التي قد تصل في نهاية المطاف إلى محكمة استئناف فدرالية.

في خضمّ هذا النزاع، لوّحت Paramount بمغادرة كاليفورنيا إذا لم تسحب الولاية معارضتها، وهو ما ردّ عليه المدّعي العام لكاليفورنيا روب بونتا (Rob Bonta) بوصفه محاولة "لابتزاز الولاية لتمرير صفقة غير قانونية".

سياق لا يمكن فصله عن ترامب

قرار الأمس ليس معزولاً عن تاريخٍ حديث من العلاقة المتوتّرة بين Paramount والرئيس دونالد ترامب. فقد سمحت الهيئة العام الماضي باستحواذ Paramount على Skydance بقيمة 8 مليارات دولار، شرط تعيين "مراقب حياد" (ombudsman) في CBS، وهو الشرط الذي وصفه كار بأنّه "مراقب تحيّز". كما توصّلت Paramount إلى تسوية بقيمة 16 مليون دولار مع ترامب في دعوى تتعلّق بمقابلة لكامالا هاريس على CBS، بعد أن نشرت الشبكة نصّاً كاملاً غير محرَّر ولقطات كاميرا تدحض ادّعاءات ترامب بشأن تحرير المقابلة. وقد دأب كار على التهديد المتكرّر بسحب تراخيص البث من شركات إعلامية لا يرضى عنها ترامب، في وقتٍ تتّخذ فيه الهيئة موقفاً متشدداً أيضاً من أجهزة التوجيه (routers) والطائرات المسيّرة المصنوعة في الخارج.

الهيئة، من جهتها، تبرّر انفتاحها على الاستثمار الأجنبي بأنّه "طالما اعترف بأنّ الاستثمار الأجنبي في الشركات والشبكات الأمريكية، بما فيها شبكات البث، يعزّز الابتكار التقني، ويدعم خلق فرص العمل، ويقوّي الاقتصاد الأمريكي". لكنّ Paramount ستبقى تحت رقابة مستمرة: يتوجّب عليها مراقبة نسب الملكية الأجنبية للتأكّد من استمرار التزامها بقواعد الهيئة، والعودة إليها للحصول على موافقة مسبقة قبل أي تغيير في حقوق التصويت أو الحوكمة أو المعلومات الممنوحة للمستثمرين الأجانب، أو قبل أن تتجاوز نسبة الملكية الأجنبية الشروط المحدّدة في هذا الحكم.

السؤال الذي سيبقى مفتوحاً في الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كانت محكمة الاستئناف الفدرالية ستجيز اندماج Warner Bros. Discovery أم تمنعه نهائياً، بل ما إذا كانت التسوية بين الملكية غير المصوِّتة والديون الثقيلة ستنعكس، كما حذّرت Free Press، على وظائف حقيقية داخل محطات البث المحلية — وهي التفاصيل التي غالباً ما تضيع خلف عناوين الاستثمارات السيادية الكبرى.

أخبار ذات صلة

Loading...
واجهة موقع السجل الفيدرالي الأمريكي تظهر خيار البحث باستخدام نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني Qwen3.0.6B من شركة Alibaba.

موقع حكومي أمريكي يستخدم نموذج ذكاء اصطناعي صيني وصفه FBI بـ"الخطير"

استخدام نموذج ذكاء اصطناعي صيني في موقع حكومي أمريكي أثار جدلاً واسعاً بين الأمان السياسي والتقني. هل يشكل تهديداً حقيقياً أم مجرد ضجة؟ اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من النقاش الآن.
Loading...
محطة توليد كهرباء تعمل بالفحم في خلفية جبلية، مع أدخنة بيضاء تتصاعد من مداخنها، تعكس موضوع إلغاء معايير تلوث الكربون وتأثيرها على انبعاثات قطاع الكهرباء الأمريكي.

تراجع وكالة حماية البيئة الأمريكية عن معايير الانبعاثات في محطات الكهرباء

إلغاء معايير تلوّث الكربون في الولايات المتحدة يعيد فتح باب الانبعاثات بلا سقف تنظيمي، مهدداً الصحة والبيئة. اكتشف تبعات القرار الاقتصادية والبيئية وكن جزءاً من النقاش المستقبلي.
Loading...
باراك أوباما يتحدث بحزم خلال فعالية ديمقراطية، داعياً إلى خطة واضحة وحوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي.

أوباما يحثّ الديمقراطيين على وضع خطّة واضحة لحماية الذكاء الاصطناعي

في سباق الذكاء الاصطناعي المتسارع، يدعو أوباما الديمقراطيين لوضع خطة واضحة توازن بين الفرص والمخاطر. هل ستنجح أمريكا في قيادة هذا المستقبل؟ اكتشف التفاصيل الآن.
Loading...
رائد الفضاء فرانك كولبرتسون داخل محطة الفضاء الدولية يحمل كاميرتين خلال مهمة Expedition 3 في 2001، يوثق لحظة هجمات 11 سبتمبر.

رائد فضاء ناسا شهد كارثة 11 سبتمبر من المدار: ماذا رأى؟

في لحظة نادرة، شاهد رائد الفضاء Frank Culbertson هجمات 11 سبتمبر من محطة الفضاء الدولية، حيث رأى الدخان يتصاعد فوق نيويورك. اكتشف كيف وثّقت NASA هذه الشهادة. تابع التفاصيل لتعرف القصة كاملة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية