إلغاء معايير الكربون يهدد مستقبل المناخ والصحة العامة
إلغاء معايير تلوّث الكربون في قطاع الكهرباء الأمريكي يهدد البيئة والصحة العامة ويقوض الإطار القانوني للمناخ بعد عقود من الجهود. تعرف على تداعيات القرار بين المكاسب الاقتصادية والأضرار الصحية في وورلد برس عربي.

1.38 مليار طنٍّ متري من الكربون هذا ما كانت تعني إلغاءه معايير تلوّث الكربون التي أقرّتها إدارة Biden عام 2024، قبل أن تُقرّر إدارة Trump إلغاءها هي الأخرى. الرقم يعادل عاماً كاملاً من انبعاثات قطاع الكهرباء الأمريكي بأسره، أو ما تُطلقه 328 مليون سيارة تعمل بالوقود الأحفوري سنوياً. ما أعلنته وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) رسمياً في سبتمبر 2026 ليس مجرّد قرارٍ تنظيمي بل هو تفكيكٌ منهجي للإطار القانوني الذي بنت عليه الولايات المتحدة سياساتها المناخية على مدى عقدين.
ما الذي أُلغي تحديداً؟
أعلنت EPA عن خطّتها النهائية لإلغاء معايير تلوّث الكربون الصادرة عام 2024، وهي المعايير التي استهدفت انبعاثات الغازات الدفيئة من محطّات توليد الكهرباء ثاني أكبر مصدر للانبعاثات في الولايات المتحدة بعد قطاع النقل. وتزعم الوكالة أنّ تلك المعايير تجاوزت صلاحياتها المستمدّة من قانون الهواء النظيف (Clean Air Act)، لأنّها اشترطت تقنيات احتجاز الكربون التي تصفها الوكالة بأنّها «غير مُثبتة». والأبعد أثراً من الإلغاء ذاته هو أنّ EPA اقترحت في الوقت نفسه سحب جميع متطلّبات انبعاثات الغازات الدفيئة المتبقّية من محطّات الكهرباء، ما يعني إزالة أيّ سقفٍ تنظيمي لهذا القطاع.
لفهم حجم ما يجري، لا بدّ من استحضار السياق التاريخي. في عام 2007، حكمت المحكمة العليا بأنّ الغازات الدفيئة تُعدّ ملوّثاتٍ هوائية تندرج ضمن نطاق قانون الهواء النظيف. وفي عام 2009، أصدرت EPA ما بات يُعرف بـ«استنتاج الخطورة» (Endangerment Finding)، الذي أثبت أنّ هذه الغازات تُهدّد صحّة الإنسان والبيئة، وأصبح الركيزة القانونية التي استندت إليها كلّ لوائح المناخ اللاحقة سواءٌ لقطاع السيارات أو محطّات الكهرباء. غير أنّ إدارة Trump أقدمت في فبراير 2025 على إلغاء هذا الاستنتاج بالنسبة لقطاع المركبات أكبر مصادر الانبعاثات وسحبت في الوقت ذاته إعفاءات قانون الهواء النظيف الممنوحة لمعايير انبعاثات كاليفورنيا، وإن أوقف قاضٍ فيدرالي تطبيق هذا القرار مؤقّتاً.
حسابات الكلفة: بين الادّخار المُعلَن والأضرار المُضمَرة
تُقدّم إدارة Trump قرار الإلغاء بوصفه إنجازاً اقتصادياً: توفيرٌ يبلغ 310 مليارات دولار، إضافةً إلى 370 مليون دولار من تكاليف الامتثال. لكنّ هذه الحسابات تُغفل الجانب الآخر من المعادلة. فوفقاً لتحليلٍ أجرته مؤسّسة Resources for the Future، قد تبلغ الأضرار الصحّية الناجمة عن ارتفاع الانبعاثات السامّة جرّاء الإلغاء ما يصل إلى 476 مليار دولار. وهذا الرقم وحده يكفي لقلب المعادلة الاقتصادية رأساً على عقب.
ثمّة إشارةٌ أضعف في هذا الملفّ تستحقّ الانتباه: دراساتٌ مستقلّة تُشير إلى أنّ الفحم أصبح أغلى بنسبة 28% في عام 2024 مقارنةً بعام 2021. أي أنّ الإلغاء التنظيمي يُعيد فتح الباب أمام مصدرٍ للطاقة باتت تكلفته ترتفع بصرف النظر عن القيود البيئية وهو ما يُعقّد الحجّة الاقتصادية التي تستند إليها الإدارة.
«تفكيك الإطار القانوني»
الأثر الأعمق لما يجري ليس في أرقام الانبعاثات، بل في البنية القانونية التي تُنظّم الملفّ المناخي برمّته. يقول Zealan Hoover، المستشار الرفيع السابق في EPA إبّان إدارة Biden: «إدارة Trump تنزع الآن الأرضية من تحت الإطار القانوني الكامل لتنظيم تلوّث المناخ، بحجّة أنّ هذا التلوّث لا يضرّ بصحّة الإنسان أو رفاهه». ويُضيف في وصفٍ لا يخلو من حدّة: «الأمر بالغ الخبث».
وتُعبّر Maggie Coulter، كبيرة المحامين في معهد قانون المناخ التابع لـCenter for Biological Diversity، عن شكوكٍ في صمود هذه القرارات أمام القضاء: «هذا يتعارض مع علمٍ راسخ ومُثبَت. هل سيصمد أمام المحاكم؟ نحن نقول: بالتأكيد لا».
أمّا Geoffrey Supran، مدير Climate Accountability Lab في جامعة Miami، فيضع المشهد في سياقٍ أوسع: «من يحتاج إلى شركات النفط الكبرى لإنكار علم المناخ وتقويض صنع القرار المبنيّ على العلم وتعريض حياة الناس وسُبُل عيشهم للخطر، حين تتولّى الحكومة الأمريكية فعل ذلك بنفسها؟».
إلى أين يتّجه هذا المسار؟
ما قد لا يظهر في العناوين هو أنّ المعركة الحقيقية على هذه القرارات ستُحسم على الأرجح في المحاكم، لا في الكونغرس. فالإلغاء يتعارض مع حكم المحكمة العليا عام 2007 واستنتاج الخطورة عام 2009، وكلاهما يُشكّل سابقةً قانونية يصعب تجاوزها بقرارٍ تنفيذي. يقول Ben Franta، الأستاذ المشارك في قانون المناخ بجامعة Oxford: «يمكن للحكومة أن تختار إنكار الواقع. لكنّ الأضرار الحقيقية الناجمة عن الاحترار العالمي ستستمرّ في التراكم... ومطالب المساءلة لن تزيد إلّا قوّةً».
ثلاثة سيناريوهات تبدو واقعية في المدى المنظور:
الأرجح، أن تطعن مجموعاتٌ بيئية وولاياتٌ أمريكية في قرارات الإلغاء قضائياً، ما يُعلّق تطبيقها جزئياً لسنواتٍ على غرار ما جرى مع إعفاءات كاليفورنيا.
المحتمل، أن تُفضي إعادة رسم الإطار القانوني إلى حالة من الغموض التنظيمي تُثبّط الاستثمار في الطاقة النظيفة، حتّى في غياب قرارٍ قضائي نهائي.
الأقلّ احتمالاً، أن تُقدم المحكمة العليا بتشكيلها الحالي على إعادة النظر في حكم 2007 وهو سيناريو يظلّ بعيداً لكنّه لم يعد خارج دائرة التصوّر.
ما يبقى ثابتاً في كلّ السيناريوهات هو أنّ الصيف الأكثر حرارةً في التاريخ المسجَّل لا يتوقّف على قرارات الوكالات، وأنّ تحذيرات الأمم المتحدة من تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية تزداد إلحاحاً بينما تتراجع الولايات المتحدة عن الإطار الذي بنته لمواجهة هذا التحدّي.
أخبار ذات صلة

أوباما يحثّ الديمقراطيين على وضع خطّة واضحة لحماية الذكاء الاصطناعي

رائد فضاء ناسا شهد كارثة 11 سبتمبر من المدار: ماذا رأى؟

الانتخابات النصفية تدخل مرحلتها الأخيرة مع تكثيف الحملات في عيد العمال
