انقسام المعارضة التركية وصراع النفوذ السياسي
انقسام كبير في المعارضة التركية مع إعلان أوزغور أوزيل تأسيس حزب جديد وسط صراعات داخل حزب الشعب الجمهوري وتوترات قضائية تهدد وحدة المعارضة وتفتح الباب أمام تعزيز فرص أردوغان في الانتخابات المقبلة على وورلد برس عربي.

في مطلع هذا الأسبوع، أعلن زعيم المعارضة التركية أوزغور أوزيل عزمه تأسيس حزبٍ سياسي جديد، وذلك بعد أن أصدرت المحكمة قراراً بعزله من رئاسة حزب الشعب الجمهوري (CHP) في مايو الماضي وهو ما يُعمّق الانقسام داخل أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.
جاء هذا الإعلان في أعقاب أشهرٍ من الملاحقات القضائية التي طالت الحزب عبر سلسلة من التحقيقات، أسفرت عن اعتقال 26 عمدةً من المعارضة بتهم الفساد، من بينهم عمدة إسطنبول الشعبي أكرم إمام أوغلو.
وفي قضيةٍ منفصلة، قيل فيها أن أوزيل فاز برئاسة الحزب عبر الرشوة والضغوط غير المشروعة، فأصدرت المحكمة حكمها بإبطال مؤتمر الحزب الذي أوصله إلى الرئاسة، وأعادت الرئيس السابق كمال كيليتشدار أوغلو رئيساً مؤقتاً ريثما يُبَتَّ في الطعن.
وعلى الرغم من المطالبات المتكررة من داخل الحزب، رفض كيليتشدار أوغلو الدعوة إلى مؤتمرٍ استثنائي، وانصبّ تركيزه بدلاً من ذلك على إقصاء المسؤولين الموالين لأوزيل وإمام أوغلو.
والجدير بالملاحظة أن هذه التحقيقات انطلقت في أعقاب اكتساح حزب الشعب الجمهوري للمدن الكبرى في الانتخابات البلدية عام 2024، ليتحوّل إلى أكبر حزبٍ في البلاد من حيث الأصوات. منذ ذلك الحين، أضعفت الحملة القضائية المعارضةَ وعمّقت انقساماتها الداخلية.
ويرى كثيرٌ من المطّلعين على الكواليس السياسية في أنقرة أن عودة كيليتشدار أوغلو جرت بدعمٍ حكومي هادئ، ضمن مسعىً لتفتيت المعارضة.
وقد دفعت هذه الملاحقات بالفعل عدداً من عمداء الحزب إلى الانشقاق والانضمام إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم (AKP).
الشهر الماضي، قال بولنت كوصوغلو، أحد مستشاري كيليتشدار أوغلو، في مقابلةٍ له إن «عقل الدولة» أو ما يُعرف بـ«raison d'etat» يقود عملية بناء نظامٍ سياسي جديد يتجاوز عهد الرئيس رجب طيب أردوغان البالغ من العمر 72 عاماً. وأشار إلى أن ما يجري داخل حزب الشعب الجمهوري يندرج ضمن هذه العملية الأشمل.
وتشير التقارير إلى أن 94 من أصل 135 نائباً في الحزب، فضلاً عن 74 من أصل 81 رئيساً إقليمياً، يُتوقَّع أن ينضموا إلى حركة أوزيل الجديدة، مما يُفرغ عملياً أكبر أحزاب المعارضة التركية من محتواه. غير أن بعض النواب والمسؤولين الموالين لأوزيل سيبقون داخل الحزب لمنع كيليتشدار أوغلو من السيطرة الكاملة عليه.
ووفقاً لمعاوني أوزيل، سيحمل الحزب الجديد اسم «Yeni Parti» أي «الحزب الجديد»، ومن المتوقع إطلاقه رسمياً يوم الاثنين.
معارضةٌ منقسمة
بالنسبة لأردوغان، يحمل ظهور حزب معارضةٍ جديد فرصاً ومخاطر في آنٍ واحد.
على المدى القريب، قد يُعزّز حظوظه قُبيل انتخابات الرئاسة عام 2028. فالمعارضة فقدت زخمها أصلاً إثر أشهرٍ من الضغوط القانونية على حزب الشعب الجمهوري، والانقسام الراهن يُوزّع قوى المعارضة الكبرى على معسكراتٍ متنافسة.
ويُرجَّح أن يستفيد المخطّطون في الحكومة إذا تعدّدت مرشّحو المعارضة للرئاسة، مما قد يُمكّن أردوغان من الفوز في الجولة الأولى.
في الوقت ذاته، أسهمت عملية السلام التي أطلقها أردوغان مع حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 2024 في إبعاد حزب Dem الكردي عن التحالف المعارض الأشمل، مما أتاح للحكومة هامشاً سياسياً أوسع وهي تمضي في ملاحقة إمام أوغلو قضائياً.
وتُشير استطلاعات الرأي إلى أن ما بين 5 و10 بالمئة فحسب من ناخبي حزب الشعب الجمهوري سيبقون مع الحزب في ظلّ قيادة كيليتشدار أوغلو. في المقابل، تُشير عدة استطلاعات إلى أن حزب أوزيل الجديد قد يستقطب أكثر من 30% من الأصوات، متجاوزاً حزب العدالة والتنمية علماً بأن حزب الشعب الجمهوري حصل على 37% في انتخابات 2024 البلدية.
وقد أفاد أحد المحللين المتعاملين مع حزب العدالة والتنمية بأنه يتوقّع أن يفقد الحزب الجديد زخمه فور انقشاع الحماسة الأولية. وأضاف أن الانقسام في المعارضة قد يكون مُكلفاً بشكلٍ خاص في الانتخابات البرلمانية، حيث يمكن للدوائر المتقاربة أن تنقلب لصالح التحالف الحاكم.
وتُفيد مصادر مطّلعة على التفكير الداخلي لحزب العدالة والتنمية بأن الحزب يُفضّل مواجهة أوزيل نفسه في الانتخابات الرئاسية، إذ يرى أنه رغم شعبيته المتنامية، سيجد صعوبةً في مجابهة أردوغان على المستوى الوطني. ومن المتوقّع أن يُقدّم كيليتشدار أوغلو بدوره مرشّحاً خاصاً به، مما يُشتّت أصوات المعارضة ويُيسّر المشهد لأردوغان.
أما المجهول الأبرز في هذه المعادلة فهو منصور يافاش، العمدة الشعبي لأنقرة. وتُظهر الاستطلاعات التي أجرتها شركاتٌ متعددة وفقاً للمحلل ذاته أن يافاش يتقدّم على أردوغان بما بين 15 و20 نقطة مئوية باستمرار، مما يجعله المرشّح الأقوى للمعارضة في السباق الرئاسي.
وتُشير التقارير حتى الآن إلى أن يافاش ينوي البقاء داخل حزب الشعب الجمهوري، غير أن المقرّبين من معسكر أوزيل يخشون سراً أن يتعرّض لتحقيقاتٍ في الفساد إن برز مرشّحاً رئاسياً للمعارضة.
وأفاد محلّلٌ ثانٍ يُجري استطلاعاتٍ دورية لعملاء من القطاع الخاص بأن نسبة تأييد أردوغان تتراوح حالياً بين 35 و40 بالمئة، مع إشارته إلى أن الرئيس قادرٌ على رفع هذه النسبة إلى ما يقارب 50% عبر حملةٍ شعبوية ناجحة.
هل يمكن لحزبٍ جديد أن ينجح؟
بيد أن تأسيس حزبٍ جديد ينطوي بدوره على مخاطر تتعلق بأردوغان.
لسنواتٍ طويلة، نجح الرئيس في تحقيق مكاسب انتخابية بربط حزب الشعب الجمهوري بقضايا صدى واسعاً لدى الناخبين المحافظين، من حظر الحجاب في الجامعات إلى تحويل آيا صوفيا إلى متحف. وقدّم الحزب باعتباره حركةً نخبوية بيروقراطية منفصلة عن المواطن العادي وعاجزة عن الحكم الفعّال وهي رسالةٌ أثّرت تأثيراً بالغاً في الأوساط المحافظة والإسلامية.
لكن حزب أوزيل الجديد لن يحمل هذا الإرث التاريخي الثقيل.
فإن نجح في بناء حركةٍ وسطية يسارية عريضة تستقطب شرائح متنوعة من الطيف السياسي التركي، وتُقدّم برنامجاً موثوقاً لاستعادة مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد، فقد يتحوّل على المدى البعيد إلى منافسٍ جدي.
وقد كشف استطلاعٌ أجرته مؤسسة IstanPol ومركز Rawest Research بين 3 و10 يوليو، وشمل 1985 شخصاً في 20 مدينة، أن 55.9% من المشاركين يعتقدون أن الحزب الجديد قادرٌ على النجاح. وجاء الدعم مرتفعاً بشكلٍ لافت في صفوف ناخبي المعارضة، إذ أبدى 81% من مؤيدي حزب الشعب الجمهوري ثقتهم بالمشروع، إلى جانب 72% من ناخبي حزب Dem و61% من مؤيدي حزب IYI القومي المعارض.
واللافت أن الاستطلاع أظهر أيضاً أن 67% من ناخبي حزب الحركة القومية (MHP) الشريك الائتلافي لحزب العدالة والتنمية و45% من ناخبي حزب العدالة والتنمية ذاته يرون أن الحزب الجديد قادرٌ على النجاح كلياً أو جزئياً.
ويرى كمال بويوك يوكسيل، طالب الدكتوراه في جامعة George Mason، أن الحركة ينبغي أن تتجنّب تكرار ما يعدّه نقاط ضعفٍ هيكلية في تنظيم حزب الشعب الجمهوري، ولا سيما الاعتماد المفرط على فروعٍ محلية مُحكمة السيطرة تعجز عن الانخراط الحقيقي مع المجتمع.
وكتب في الموقع المستقل Progresif: «يمكن تصوّر الحزب الجديد لا بوصفه تنظيماً كلاسيكياً يشارك في الانتخابات، بل بوصفه فضاءً سياسياً رحباً يجمع بعض سمات المجتمع المدني والحركات الاجتماعية».
وأضاف: «يمكن أن يكون بنيةً لا تكتفي بدعوة الناس إلى تبنّي برنامجٍ جاهز، بل تُتيح لهم التحرّك انطلاقاً من مشكلاتهم الخاصة، وأخذ زمام المبادرة، وابتكار أنشطةٍ جديدة».
وختم: «بدلاً من أن يكون آلةً تُخطّط لكل شيءٍ من المكتب المركزي، يمكن للحزب أن يتحوّل إلى منصّةٍ تفتح المجال للمبادرات الاجتماعية المنبثقة من مختلف الأماكن، وتربطها ببعضها، وتمنحها توجّهاً سياسياً مشتركاً».
أخبار ذات صلة

لوكسمبرغ تُنهي دعمها لسندات الحرب الإسرائيلية

حزب جديد في الأفق: زعيم معارضة تركي مخلوع يستعدّ للمواجهة مع أردوغان

إسرائيلي موالٍ لترامب يدعم الأرجنتين في نزاع جزر فوكلاند بعد خسارة إنجلترا بكأس العالم
