إيران تحصد ثروات جديدة في خضم المفاوضات
وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم في إسلام آباد، تفتح باب المفاوضات لإنهاء الحرب. الاتفاق يثير جدلاً حول مكاسب إيران الاقتصادية ويعكس تراجع النفوذ الأمريكي. هل ستؤدي هذه الخطوة إلى استقرار في المنطقة؟

وقّعت ألمانيا الإمبراطورية ذات يوم معاهدةً بشروطٍ مُذِلّة أنهت الحرب العالمية الأولى في قصر فرساي، فكرّست استسلامها رغم أنّ الحرب جرت في معظمها خارج حدودها. اليوم، تتكرّر الصورة بملامح مختلفة.
إيران لم تقترب يوماً من الشواطئ الأمريكية خلال الحرب، ولم تكن بحاجة إلى ذلك. فهجماتها الصاروخية وبالطائرات المسيّرة استنزفت مخزون الولايات المتحدة من صواريخ اعتراض الدفاع الجوي حتى بلغت مستوياتٍ خطيرة، فيما أفضى حصارها لمضيق هرمز إلى تراجع الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي من النفط إلى أدنى مستوياته منذ أربعين عاماً، وحرم الاقتصاد العالمي من إمدادات الوقود الأحفوري.
وصف الرئيس الأمريكي Donald Trump الوضع يوم الأربعاء بأنّ العالم كان يواجه "كارثةً اقتصادية"، قبل أن يوقّع اتفاقاً مع إيران في القصر الفرنسي ذاته الذي شهد إنهاء الحرب العالمية الأولى.
مذكّرة التفاهم المُبرمة في إسلام آباد (Islamabad MoU) بين الولايات المتحدة وإيران تفتح الباب أمام ستين يوماً من المفاوضات بهدف التوصّل إلى إنهاءٍ دائم للحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي واشنطن، وصف المؤيّدون والمعارضون على حدٍّ سواء هذه الاتفاقية بأنّها كارثة حتى حين يتّفقون على ضرورة إنهاء الحرب وفق شروطها.
كتب السيناتور الديمقراطي Chris Murphy على منصّة X: "يمكن لمعارضي الحرب أن يبتهجوا لانتهائها، ويشيروا في الوقت ذاته إلى أنّ هذه الاتفاقية المجنونة هي الدليل الأخير على أنّ الحرب بأكملها كانت كارثةً تامة".
وكتب المعلّق المحافظ Brandon Weichert على X، في إشارة إلى الجمهوريين المنادين بالتدخّل الخارجي: "لسنا في هذا الوضع المزري إلّا بسبب 'المحافظين الجدد' الذين دفعونا نحو حربٍ لا يمكن الانتصار فيها. مجدّداً. هذا ما يحدث حين تخسر حرباً".
'نشرٌ أحمق ومتهوّر للقوة'
خلط Trump في تبرير إطلاقه الحرب على إيران، بعد أن زعم أنّ برنامجها النووي كان قد دُمِّر أصلاً في هجوم يونيو 2025. في البداية، راود ذهنه فكرة إسقاط الجمهورية الإسلامية بدعم المقاتلين الأكراد والمحتجّين الإيرانيين. ثم أعلن أنّ الولايات المتحدة ستدمّر الجيش الإيراني وتُنهي برنامجه للصواريخ الباليستية الذي صوّره تهديداً للأمن الأمريكي، مُصرًّا على "الاستسلام غير المشروط" من إيران.
يقول مسؤولون أمريكيون سابقون إنّ مذكّرة التفاهم التي وقّعها Trump لم تحقّق أيّاً من هذه الأهداف المُعلنة، بل تركت الولايات المتحدة في موقفٍ أضعف على طاولة المفاوضات.
قال Aaron David Miller، المفاوض الأمريكي السابق في شؤون الشرق الأوسط الذي خدم في عهد رؤساء جمهوريين وديمقراطيين: "الولايات المتحدة نشرت قوّتها بحماقةٍ وتهوّر. لقد خسرنا الكثير من القوة والنفوذ في مواجهة إيران. الردع ولّى. إيران نجت من أضخم انتشار للأصول الجوية والبحرية والصاروخية الأمريكية منذ الحرب على العراق".
'إيران تضع يدها على ثروةٍ طائلة'
خارج التعهّد بعدم تطوير سلاحٍ نووي وهو أمرٌ محرَّم أصلاً بموجب فتوى أصدرها المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي تبقى مذكّرة التفاهم ضبابيةً فيما يخصّ البرنامج النووي الإيراني. فهي لا تُغلق الباب أمام تخصيب إيران لليورانيوم في إطار اتفاقٍ نهائي. بل إنّ أيّ تعهّد إيراني بالالتزام بوقف التخصيب سيكون عديم الأثر عملياً، وفق بعض الخبراء، لأنّ الضربات الأمريكية ألحقت أضراراً قد تستغرق سنواتٍ لإصلاحها.
قال David Schenker، المسؤول الأمريكي السابق الذي يعمل حالياً في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (Washington Institute for Near East Policy): "البرنامج النووي الإيراني متضرّرٌ أصلاً لسنوات. فإن اقترحوا وقفاً للتخصيب، فهم في الحقيقة لا يُقدّمون شيئاً".
وأضاف Trump يوم الأربعاء أنّ الولايات المتحدة بحاجة إلى نهجٍ "يقوم على العقل" في التعامل مع البرنامج النووي المدني الإيراني، وهو ما أثار غضب المتشدّدين الرافضين لأيّ تنازل.
وقد ركّز المنتقدون الأمريكيون بشكلٍ خاص على المكاسب المالية التي ستجنيها إيران. فمذكّرة التفاهم تُلغي جميع العقوبات على مبيعات النفط الإيراني، وترفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، وتُرسي آليةً لاسترداد إيران أصولها المجمّدة التي تقول طهران إنّها تتجاوز 100 مليار دولار.
قال Alan Pino، الضابط السابق في وكالة CIA ومجلس الاستخبارات الوطنية (National Intelligence Council) والزميل غير المقيم في Atlantic Council: "إيران تحصل بوضوحٍ على مكاسب اقتصادية ضخمة من مذكّرة التفاهم. ما يظلّ غامضاً هو كم من هذه المكاسب مرتبطٌ بتنفيذ اتفاقٍ نهائي". وأضاف: "يبدو أنّ هذه الأموال المجمّدة قد تبدأ في التدفّق إلى إيران خلال فترة الستين يوماً. في كلّ الأحوال، مع إلغاء العقوبات، يبدو أنّ إيران ستضع يدها على ثروةٍ طائلة دون الامتثال الكامل لأهداف الولايات المتحدة".
صراع الساعات
كان قد رصد بعد أسبوعين من اندلاع الحرب أنّ الولايات المتحدة تواجه "لحظة السويس" في مواجهة إيران، مستحضراً المقارنة بحرب بريطانيا وفرنسا الفاشلة على مصر عام 1956، وهو تحليلٌ تبنّته لاحقاً منابر إعلامية عديدة.
غير أنّ Trump واصل حربه على إيران شهراً إضافياً قبل أن يوقّع وقف إطلاق النار مطلع أبريل. وقد اتّسمت الهدنة بتجدّد الاشتباكات والتهديدات الجوفاء التي أطلقها Trump بتدمير إيران، بما في ذلك بنيتها التحتية المدنية. كما فرضت الولايات المتحدة حصارها الخاص على الموانئ والسفن الإيرانية رداً على سيطرة طهران على مضيق هرمز.
دخل Trump الحرب تحت وطأة الضغط الإسرائيلي الذي روّج لفكرة أنّ إسقاط طهران سيكون أمراً يسيراً، وفق ما يقوله المحلّلون. حين تبيّن أنّ ذلك وهمٌ، لجأ إلى التهديد والحصار لفرض شروط سلامه على إيران. راهن Trump على انهيار الحكومة الإيرانية، لكنّ إيران في نهاية المطاف انتزعت منه تنازلاتٍ لأنّها صمدت أطول منه، كما يقول الخبراء.
قال William Usher، المحلّل السابق في وكالة CIA والخبير في شؤون الشرق الأوسط: "كانت الساعتان الأمريكية والإيرانية تنفدان معاً لأسابيع". وحذّر المسؤولون التنفيذيون في قطاع النفط من أنّ الاقتصاد العالمي سيواجه أزمة إمداد حادّة إن لم يُعَد فتح مضيق هرمز قبل الصيف. وردّت إيران على التهديدات الأمريكية بالتحذير من أنّها قادرة على استئناف ضرباتها ضدّ دول الخليج الغنيّة بالنفط والحليفة للولايات المتحدة تلك الدول التي ضخّت مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي وأبرمت صفقاتٍ تجارية لافتة مع عائلة Trump.
قال Usher: "الساعة الأمريكية نفدت أوّلاً لأنّ القلق من ارتفاع أسعار الطاقة بلغ ذروته. أمّا إيران فكان في ساعتها رملٌ أكثر قليلاً، وهي تجني الآن ثمار الصبر الاستراتيجي". وأضاف: "إيران في الأساس تقاضت ثمناً لإعادة فتح المضيق".
'بركةٌ للتحوّط'
لا شكّ أنّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كلّفت الجمهورية الإسلامية ثمناً باهظاً؛ إذ طالت الضربات قاعدتها الصناعية العسكرية وبنيتها التحتية المدنية وأصولها النفطية. وتباهى Trump بأنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ربّما تسبّبتا في أضرارٍ حربية تبلغ قيمتها 2 تريليون دولار.
لكنّ إيران لا تضيع وقتاً في السعي لتعويض خسائرها. فمذكّرة التفاهم تنصّ على أنّ اتفاق السلام النهائي سيتضمّن آليةً بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار. واستبعد Trump أن تذهب أموالٌ أمريكية إلى إيران، لكنّه أقرّ بأنّه لن يمنع دول الخليج من الدفع. وبات الحديث عن تمويل قطري وإماراتي لإيران مقابل إنهاء الحرب يتردّد على نطاقٍ واسع بين الدبلوماسيين الغربيين والعرب.
وتُشكّل دول الخليج العربي مقياساً دقيقاً لقراءة كيف غيّرت الحرب موازين القوى في المنطقة. في الأيام الأولى من الحرب، فتحت كثيرٌ منها قواعدها العسكرية أمام الولايات المتحدة وشاركت في الهجوم على إيران. وكشف Trump يوم الأربعاء أنّ الضربات الإماراتية على إيران كانت بالغة الشدّة. أمّا اليوم، فقطر والإمارات والكويت والمملكة العربية السعودية تتحوّل نحو موقفٍ مُهادِن.
قال مسؤولٌ أمريكي رفيع سابق : "دول الخليج تعلم أنّنا خسرنا وأنّنا لا نستطيع حمايتها من إيران. إنّها تدفع لإيران مقابل الأمان، ويبدو أنّ هذا جزءٌ من ترتيبٍ أمريكي". وخلص Schenker إلى القول: "الولايات المتحدة منحت باركتها للتحوّط".
اللاعب الوحيد في الميدان
يرى Usher، المسؤول السابق في وكالة CIA، أنّ الحرب الأمريكية على إيران تنتمي إلى نمطٍ من التدخّلات العسكرية التي خاضتها الولايات المتحدة على مدى العقدين الماضيين، وأسفرت في نهاية المطاف عن مكاسب للجمهورية الإسلامية. فحين أسقطت الولايات المتحدة صدّام حسين في العراق مثلاً، ملأت إيران الفراغ وقدّمت نفسها شريكاً طبيعياً للغالبية الشيعية في البلاد.
قال Usher: "كما في حرب العراق، تركت الولايات المتحدة إيران في موقفٍ استراتيجي أفضل".
بيد أنّ المقارنة بتوقيع ألمانيا معاهدة فرساي تضع الحرب على إيران في سياقها الصحيح؛ فتلك المعاهدة آذنت بنهاية ألمانيا الإمبراطورية. غير أنّ الحرب لم تكن وجوديةً بالنسبة للولايات المتحدة كما كانت بالنسبة للجمهورية الإسلامية، وفق ما يقوله الخبراء، إذ تظلّ واشنطن القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. وبينما حلّت جمهورية فايمار الهشّة محلّ آل هوهنزولرن، لا أحد يعتقد أنّ التنازلات الممنوحة لإيران ستُفضي إلى انهيار الولايات المتحدة.
تساءل Miller، المفاوض الأمريكي السابق الذي يعمل الآن في مؤسسة Carnegie Endowment for International Peace: "هل تآكل النفوذ الأمريكي في الخليج تآكلاً جوهرياً جرّاء هذه الهزيمة الاستراتيجية؟ حسناً، أين الروس والصينيون والأوروبيون؟ كانت هذه أزمةً غير مسبوقة هيمن عليها ثلاثة أطراف فحسب: الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. والولايات المتحدة لا تزال اللاعب الوحيد في الميدان".
أخبار ذات صلة

إيران تفرض رسوم تأمين على السفن بمضيق هرمز بعد انتهاء الاتفاق الأمريكي

إسرائيل وحزب الله يتفقان على وقف إطلاق نار وسط مخاوف من انهيار الاتفاق النووي الإيراني

اثنان يُحكم عليهما بالسجن لإحراق ممتلكات مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر
