اكتشاف أجسام فضائية تحتفظ بأسرار النظام الشمسي
اكتشاف 27 جسماً صغيراً في أعماق النظام الشمسي يحتفظ بتركيبه الأصلي منذ تشكّل الكواكب الأولى ويعيد رسم فهمنا لتاريخ المجموعة الشمسية وتوزيع أحجام الأجسام العابرة لمدار نبتون في دراسة جديدة على وورلد برس عربي

في أعماق النظام الشمسي، حيث تخفت الشمس حتى تكاد تبدو نجماً عادياً بين النجوم، تدور أجسامٌ صغيرة صامتة منذ مليارات السنين، تحمل في تركيبها الكيميائي ذاكرةً حيّة عن لحظة تشكّل الكواكب الأولى. اكتشف تلسكوبا Hubble وJames Webb معاً 27 جسماً جديداً من الأجسام العابرة لمدار نبتون المعروفة بـ Trans-Neptunian Objects أو اختصاراً TNOs وجاءت النتائج لتقلب توقعات النماذج العلمية السائدة رأساً على عقب: هذه الأجسام الصغيرة لا تزال تحتفظ بتركيبها السطحي الأصلي، كأنّها لم تمسّها يدٌ منذ فجر المجموعة الشمسية.
27 جسماً في الظلام البعيد
نُشر البحث في 8 سبتمبر 2023 في مجلة The Astronomical Journal، في ورقتين علميتين منفصلتين: الأولى تتناول الألوان والتركيب الكيميائي لهذه الأجسام، والثانية تدرس توزيع أحجامها. والأجسام الـ27 المكتشفة جميعها صغيرة الحجم؛ لا يتجاوز قطر أيٍّ منها 25 ميلاً (40 كيلومتراً)، فيما يبلغ قطر أصغرها 6 أميال (10 كيلومترات) فحسب. وتتراوح درجة سطوعها بين القدر 24.1 والقدر 29.3، أي أنّها خافتةٌ للغاية لدرجة يستحيل معها رصدها بالتلسكوبات الأرضية التقليدية.
ما أتاح هذا الاكتشاف هو قدرة تلسكوب James Webb على الرصد بالأشعة تحت الحمراء، إذ تعكس هذه الأجسام الضوء في نطاق الأشعة تحت الحمراء بصورة تتناسب أساساً مع حجمها الفعلي، بصرف النظر عن مدى انعكاسيتها السطحية وهو ما يُعرف علمياً بالبياض أو الألبيدو (Albedo). هذا يعني أنّ القياسات التي أجراها JWST للأحجام تتّسم بدقّة مستقلّة، خلافاً للرصد في الضوء المرئي الذي يخلط بين الحجم الحقيقي ودرجة انعكاسية السطح.
نوعان من الأجسام، وذاكرةٌ واحدة
تنقسم الأجسام العابرة لمدار نبتون إلى مجموعتين بحسب تاريخها المداري. المجموعة الأولى تُعرف بـ"الباردة ديناميكياً"، وتتخذ مدارات شبه دائرية موازية لمستوى المسير (المستوى الذي تدور فيه الكواكب)، وهي أجسامٌ نشأت في حزام كويبر (Kuiper Belt) ولم تغادره قط. أمّا المجموعة الثانية فتُعرف بـ"الحارة ديناميكياً"، وتدور في مسارات ممدودة ومائلة، لأنّها تشكّلت في المنطقة الواقعة بين أورانوس ونبتون، ثم قُذفت بعيداً لتكوّن ما يُسمّى بـ"القرص المتناثر" (Scattered Disk).
ما يُثير الدهشة أنّ كلتا المجموعتين رغم اختلاف تاريخهما المداري الجذري تحتفظان بتوقيع تركيبي أصلي على أسطحهما. وهذا بالضبط ما لم تتوقّعه النماذج النظرية السابقة. فقد افترضت تلك النماذج أنّ الاصطدامات المتكررة بين هذه الأجسام على مرّ المليارات من السنين كانت ستُعيد خلط المواد السطحية وتُغيّر ألوانها وتركيبها، لا سيّما في الأجسام الأصغر حجماً التي يُفترض أنّها الأكثر عرضةً للتفتّت.
تقول أناستاسيا مورغان، طالبة الدكتوراه في جامعة Northern Arizona: "يمكن تخيّل سيناريو تتغيّر فيه تركيبة السطح جرّاء الاصطدامات والتفتّت، فتبدو الأجسام الصغيرة بألوان مختلفة عن أشقّائها الأكبر حجماً". لكنّ ما رصده الباحثون كان مغايراً تماماً، فتضيف مورغان: "لذا فإنّه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام حقاً أن نرى أنّ أصغر هذه الأجسام تحتفظ بذاكرتها وتحافظ على تاريخ نشأتها."
ويُعمّق ديفيد ترلينغ من جامعة Northern Arizona هذه الصورة بقوله إنّ "الأجسام الحارة ديناميكياً تحتفظ بتوقيع المكان الذي وُلدت فيه، رغم اضطراب مداراتها منذ ذلك الحين." بمعنى آخر، حتى الأجسام التي قُذفت من مواطنها الأصلية وأُعيد رسم مساراتها بفعل الجاذبية الكوكبية لم تفقد هويّتها الكيميائية الأولى.
حين يتحدّى الواقع النموذج النظري
لا تقتصر المفاجآت على التركيب السطحي، بل تمتدّ إلى توزيع الأحجام أيضاً. وجد الباحثون أنّ عدد الأجسام الصغيرة جداً أقلّ ممّا تتنبّأ به نماذج التشكّل الكوكبي الحالية وهو ما يستدعي مراجعة هذه النماذج أو تعديل افتراضاتها حول معدّلات الاصطدام في تلك المناطق البعيدة من المجموعة الشمسية.
والأكثر إثارةً للتساؤل هو أنّ توزيع الأحجام يكاد يكون متطابقاً بين المجموعتين الباردة والحارة، رغم أنّهما تشكّلتا في بيئتين مختلفتين تماماً. تُعلّق ماريل إدواردو، طالبة الدكتوراه في جامعة University of Victoria، على هذه النقطة بقولها: "من المثير للاهتمام جداً أنّ عملية تشكّل الكواكب الصغيرة تنتج في نهاية المطاف توزيعاً متشابهاً للأحجام في كلتا المجموعتين الباردة والحارة، رغم تشكّلهما في مناطق مختلفة من المجموعة الشمسية المبكّرة." وتستخلص إدواردو أنّ "العملية تبدو غير حسّاسة لظروف القرص الكوكبي، إذ تُنتج أحجاماً متشابهة من الكواكب الصغيرة سواء كان القرص حاراً أم بارداً، وسواء كان كثيفاً أم هشّاً."
ما الذي يعنيه هذا لفهمنا لتاريخ المجموعة الشمسية؟
ثمّة قراءتان محتملتان لهذه النتائج، وكلتاهما تستلزم إعادة نظر. إمّا أنّ معدّلات الاصطدام في المناطق الخارجية للمجموعة الشمسية كانت أقلّ بكثير ممّا تفترضه النماذج الحالية، وبالتالي لم تكن الاصطدامات كافية لتغيير أسطح هذه الأجسام وهو ما يُشكّك في مقاربتنا لتاريخ القصف الثقيل المبكّر في المجموعة الشمسية. أو أنّ ثمّة آليةً ما تُعيد تجانس السطح بعد كلّ اصطدام، وهو ما لا يُفسّره أيٌّ من النماذج القائمة حتى الآن.
تُشير ورقة الألوان والتركيب إلى أنّ هذه الأجسام الصغيرة تمثّل أرشيفاً كيميائياً نادراً من الحقبة الأولى للمجموعة الشمسية، قبل أن تبدأ الكواكب العملاقة في إعادة رسم خارطة ما وراء نبتون. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً أمام الباحثين الآن: إذا كانت هذه الأجسام قد نجت بهذا التركيب الأصلي رغم مليارات السنين من الاصطدامات المحتملة، فأين ذهبت الأجسام الصغيرة الأخرى التي كان يجب أن تكون موجودة وفق النماذج النظرية؟ الإجابة، إن وُجدت، ستُعيد رسم خارطتنا لتشكّل المجموعة الشمسية من جذورها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
