أفغانستان تحت حكم طالبان بين الاستقرار والقمع
بعد خمس سنوات من حكم طالبان أفغانستان تواجه استقراراً هشاً وسط استبداد متزايد وعزلة دولية خانقة والاقتصاد ينهار مع تهميش النساء وتفشي الفقر، فهل ستصمد الحركة أمام تحديات الداخل والخارج؟ تابع التفاصيل مع وورلد برس عربي

بعد خمس سنوات من عودة حركة طالبان إلى السلطة في 15 أغسطس 2021، تحوّلت أفغانستان من ساحة معركة فوضوية إلى دولة تعمل بصورة نسبية، لكنّها تنزع نحو الاستبداد الشامل.
رحل الجنود الأجانب، وعجز المعارضون المتشرذمون عن تشكيل تحدٍّ جدّي لسيطرة كابل المركزية. وأرست الحركة قدراً من الأمن الداخلي كان يبدو مستحيلاً في ظلّ الحكومة السابقة.
غير أنّ هذا الاستقرار يرتكز على إقصاءٍ ممنهج يطال النساء بصورة رئيسية مما يُبقي الاقتصاد الوطني هشّاً والمكانة الدولية في عزلة تامّة. وإن كانت طالبان قد أثبتت قدرتها على الحكم دون دعمٍ غربي، فإنّها لا تزال دولةً منبوذة دولياً تدير أزمةً إنسانية تاريخية.
أفغانستان اليوم أهدأ ممّا كانت عليه قبل 2021، لكنّها في الوقت ذاته أفقر وأشدّ عزلةً وأكثر قمعاً لنصف سكّانها.
الإنجاز الأوّل للنظام في سنواته الخمس الأولى كان تعزيز السيطرة الإقليمية. أمّا السنوات الخمس القادمة، فستختبر قدرته على الصمود أمام ضغوطٍ داخلية وخارجية متصاعدة.
داخل إدارة طالبان
القصّة المحورية للسنوات الخمس الماضية هي تراكم السلطة بصبرٍ وصمت في يد المرشد الأعلى المنعزل هبة الله أخوند زاده، الذي يدير شؤون البلاد من قندهار. ومنذ تعيينه عام 2016، حوّل أخوند زاده الحركة من تنظيمٍ مسلّح إلى سلطةٍ حاكمة صارمة.
بنى أخوند زاده شبكةً نفوذٍ متينة، إذ حرص على أن تبقى المناصب الرئيسية في الدولة من رئاسة الوزراء إلى البنك المركزي فرئاسة القضاء في أيدي القندهاريّين. ويُعزّز هذا النفوذَ منظومةُ محسوبيّة ضخمة تضمّ نحو 15,000 مدرسة دينية مسجّلة، يتلقّى طلّابها منحاً مالية ويحصل مدرّسوها على رواتب متدرّجة. وتكفل هذه الشبكة ولاء رجال الدين في المقاطعات الحاضنة الشعبية الأساسية للحركة عبر منحهم المكانة والموارد المستدامة في آنٍ واحد.
في كابل، يتولّى قياديّون بارزون كالملا عبد الغني برادر وسراج الدين حقاني والمولوي يعقوب وأمير خان متقي إدارة شؤون الحكم اليومي والسياسة الاقتصادية والدبلوماسية الخارجية.
بيد أنّ السلطة الحقيقية تقطن في قندهار، حيث أُقرَّ في مطلع 2026 بصمتٍ قانون إجراءات جنائية من 119 مادة يُرسّخ الطاعة المطلقة ويُجرّم انتقاد السلطة العلني.
يقول محمد إسرار مداني، المحلّل المقيم في إسلام آباد والمشارك في تأليف كتاب حول بناء الدولة في أفغانستان في ظلّ حكم طالبان: «يمتدّ نفوذ هبة الله إلى ما هو أبعد من الشؤون الدينية بكثير؛ إذ باتت القرارات السياسية والقضائية والإدارية الكبرى تعكس بصورة متزايدة توجّهات قيادة قندهار».
وهذا التمركز للسلطة في قندهار «عزّز قدرة طالبان على تفادي التشرذم الداخلي»، لكنّه أفرز في الوقت ذاته «استياءً بين القادة الذين يرون أنّ السلطة باتت تتركّز بصورة مفرطة في فصيلٍ واحد»، وفق ما أفاد به قائدٌ طالباني من المستوى المتوسط أشرف على ولاية خوست في مطلع 2024.
غير أنّه شدّد على ضرورة عدم الخلط بين الخلاف الداخلي والانهيار الوشيك؛ فالقادة الكبار يُدركون أنّ الصراع غير المحكوم قد يُسقط النظام من الداخل.
في نهاية المطاف، استوعبت طالبان درساً محورياً في بناء الدولة: السيطرة الدائمة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى المحسوبية والنفوذ المالي والانسجام الأيديولوجي والقدرة المؤسّسية على مكافأة الولاء بصورة منهجية.
الفراغ الاقتصادي
تواجه أفغانستان أزمةً اقتصادية متشعّبة تتحدّد ملامحها بالتبعية الهيكلية والعزلة الحادّة.
في أعقاب الاستيلاء على السلطة عام 2021، فقدت أفغانستان المنح الدولية التي كانت تموّل 75% من الإنفاق العام. وتفاقم هذا الفراغ المالي بتجميد 7 مليارات دولار من أصول البنك المركزي، ثم تعليق التمويل الإنساني الأمريكي في مطلع 2025، الذي كان يُشكّل نحو 45% من شريان المساعدات الحيوي للبلاد.
وإن كانت طالبان قد أدارت الاقتصاد بصورة أفضل ممّا توقّعه كثيرون عبر توسيع إيرادات الجمارك ورسوم التعدين فإنّ ذلك لم يُترجَم إلى انتعاشٍ ملموس للمواطن العادي.
اليوم، يعجز نحو 75% من الأفغان عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.
وتباطأ النموّ الاقتصادي من 2.3% في السنة المالية 2023/2024 إلى 1.9% في 2024/2025، وفق تقريرٍ صدر في مايو عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
وقد تجاوز النموّ السكاني السريع الذي تغذّيه موجات ترحيل تجاوزت 5 ملايين أفغاني من إيران وباكستان منذ 2023 هذه المكاسب الهزيلة. ونتيجةً لذلك، انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة تُقدَّر بـ2.1% في 2025/2026، مما يُثقل كاهل المجتمعات التي تعاني من شحّ الوظائف وضعف البنية التحتية، وفق ما أضاف البرنامج الأممي.
يُضاف إلى ذلك الكوارث الطبيعية لا سيّما الزلازل والعزلة الدبلوماسية والقيود المصرفية الدولية الصارمة، مما يُبقي كابل مقطوعةً عن دعم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ويُكرّس دوامةً غير قابلة للاستمرار من الاكتفاء الذاتي القسري.
حتى الإنجاز الأكثر استعراضاً للنظام حظر الأفيون الذي أسفر عن تراجع زراعة الخشخاش بنسبة 95% تحوّل إلى إحراقٍ ذاتي اقتصادي على حساب الفقراء. فبينما جنى ملّاك الأراضي الكبار أرباحاً رأسمالية من ارتفاع أسعار المخزون القائم، دمّر الحظرُ مصادر رزق الأسر الريفية المعدمة التي كانت تعتمد على زراعة الأفيون دخلاً أساسياً لها.
النساء: الثمن الأفدح لحكم طالبان
يبقى قمع المرأة والفتيات الجانبَ الأشدّ إدانةً على المستوى الدولي في ظلّ حكم طالبان، حيث توصف منظمات حقوقية كـHuman Rights Watch هذا النظام بـ«الفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي».
أصدرت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيلاً متواصلاً من المراسيم جرّدت المرأة من حرياتها الأساسية، بما فيها تقييد حرية التنقّل والعمل والمشاركة في الحياة العامة.
لا تزال الفتيات ممنوعات من التعليم الثانوي، وتُحظر على النساء الالتحاق بالجامعات أو التدريس فيها. وتصاعد التطبيق بحدّة، إذ تحتجز السلطات النساء بتهمة «الحجاب غير اللائق» أو السفر دون وليٍّ أمر من الذكور.
وتجسيداً لعمق هذه الأزمة، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكّرات اعتقال سرية بحقّ المرشد الأعلى أخوند زاده ورئيس القضاء عبد الحكيم حقاني، بتهمة الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي بوصفه جريمةً ضدّ الإنسانية.
وما قد لا يظهر في العناوين هو أنّ هذه السياسة لا تمثّل فقط كارثةً إنسانية، بل هي أيضاً تخريبٌ اقتصادي ذاتي بالغ الخطورة. فإقصاء المرأة من سوق العمل يُجرّد البلاد من رأسٍ مال بشري حيوي ويُسرّع هجرة الكفاءات.
تُقدّر الأمم المتحدة أنّ تقييد مشاركة المرأة في سوق العمل يُكلّف أفغانستان ما يصل إلى مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل نحو 6% من ناتجها المحلي الإجمالي.
والتداعيات الهيكلية ولا سيّما الشحّ الحادّ في العاملات الصحيّات والمعلّمات والموظّفات المدنيّات «تُشلّ تقديم الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية لجيلٍ بأكمله»، وفق ما قاله خبير إنساني مقيم في كابل يعمل لصالح جهةٍ أممية. ويُضيف أنّ النظام، بتضحيته بنصف سكّانه على مذبح الأيديولوجيا، «يُقوّض آفاق البلاد نحو التعافي الاقتصادي المستدام والتنمية على المدى البعيد».
الطلاق المرير مع باكستان
شهدت العلاقة بين طالبان وراعيها التاريخي باكستان انهياراً كارثياً، إذ تحوّلت من شراكةٍ استراتيجية إلى ما يُشبه «الحرب المفتوحة» بحلول مطلع 2026.
في البداية، احتفلت إسلام آباد بعودة طالبان في أغسطس 2021 باعتبارها انتصاراً جيوسياسياً كبيراً سيُحكم تأمين الحدود الغربية لباكستان ويُزيل النفوذ الهندي. وأعلن رئيس الوزراء آنذاك عمران خان أنّ الأفغان كسروا «أغلال العبودية»، فيما نشر وزير الدفاع الحالي خواجة آصف صورةً لقائدٍ طالباني مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق Mike Pompeo، معلّقاً عليها بـ«الله أكبر».
لكنّ ذلك التفاؤل الأوّلي سرعان ما تبدّد.
فقد حوّل رفضُ الإدارة الطالبانية كبحَ جماح حركة تحريك طالبان باكستان (TTP) المعروفة بـ«طالبان الباكستانية» الحدودَ بين البلدين إلى بؤرة توتّر نشطة.
واتّهمت إسلام آباد الإدارة الطالبانية بمنح TTP ملاذاتٍ آمنة وتمكينها من الاستيلاء على أسلحةٍ أمريكية مهجورة، مما أشعل فتيل تصعيدٍ حادّ في الهجمات العابرة للحدود.
وقد عزّز تقريرٌ حديث لمجلس الأمن الدولي هذه المخاوف، إذ أكّد أنّ «التهديد الإرهابي المنبثق من أفغانستان ظلّ على حاله إلى حدٍّ بعيد»، محذّراً من أنّ الملاذات الآمنة للمسلّحين تُشكّل خطراً دائماً على الدول المجاورة وعلى آسيا الوسطى.
رداً على ذلك، لجأت إسلام آباد إلى إجراءاتٍ قسرية مشدّدة؛ شملت ترحيل نحو 2.6 مليون أفغاني منذ أواخر 2023، وإغلاق معابر حدودية حيوية مراراً، وشنّ ضرباتٍ جوية انتقامية داخل الأراضي الأفغانية.
علناً، يرفض مسؤولو طالبان اتّهامات إيواء مقاتلي TTP، واصفين العنف بأنّه أزمةٌ أمنية داخلية باكستانية بامتياز.
أمّا في الكواليس، فقد كشف ملفّ TTP عن شقوقٍ أيديولوجية عميقة داخل النظام.
يقول مسؤولٌ طالباني من المستوى المتوسط يعمل حالياً في وزارة الداخلية: «العناصر المتشدّدة داخل صفوف طالبان تنظر إلى المسلّحين الباكستانيين باعتبارهم رفاق كفاحٍ تاريخيّين، مما يجعل أيّ نزعٍ قسري لسلاحهم أمراً مستحيلاً سياسياً». ويُضيف أنّ التستّر على TTP يُعمّق عزلة أفغانستان الدولية، في حين أنّ المواجهة المباشرة معها تُخاطر بدفع المقاتلين الساخطين مباشرةً إلى أحضان تنظيم «داعش خراسان» (ISKP).
تهميش الأقليات
في السنة الخامسة من حكم طالبان، تسارعت وتيرة الإقصاء الممنهج للأقليات الدينية والعرقية في أفغانستان، ولا سيّما الشيعة والهزارة الذين يُمثّلون 15% من السكّان.
على الرغم من الوعود المبكّرة بالشمولية، جرى محو الفقه الشيعي من المنظومة القانونية والجامعات والمدارس، مما أسقط الحمايات التي انتُزعت في عهد الجمهورية السابقة.
وسلّط قادةٌ شيعة محلّيون الضوء على مرسومٍ طالباني أغلق مؤسّستين ثقافيتين حيويّتين هما مركز ختم النبيّين التعليمي وقناة تمدن التلفزيونية. فضلاً عن ذلك، أقصى المرشد الأعلى أخوند زاده العلماءَ الشيعة من المجالس الدينية الإقليمية الجديدة، حتى في المقاطعات ذات الغالبية الشيعية كبامياني وداي كندي.
يحذّر رجل دينٍ هزاري شيعي مقيم في كويتا ومرتبط بالجالية الشيعية الأفغانية اختار التحفّظ على هويّته لدواعٍ أمنية من أنّ طالبان «تعمل بصورة ممنهجة على محو مذهبنا من المشهد القانوني والتعليمي في البلاد».
وإلى جانب الشيعة، شنّت طالبان حملةً قمعية واسعة على الأقلية السلفية بذريعة قطع الإمداد الأيديولوجي لـ«داعش خراسان»، مع تقييدٍ مشدّد لوصولهم إلى المساجد والمدارس الدينية.
ويُحذّر المحلّلون من أنّ هذا القمع المفرط قد يُنفّر المجتمعات المحلية ويدفع الشباب المتطرّف مباشرةً إلى صفوف التنظيم، مما يُغذّي حلقةً جديدة من عدم الاستقرار.
آفاق المرحلة القادمة
بعد خمس سنوات من العودة إلى السلطة، يبدو نظام طالبان راسخاً عسكرياً لكنّه هشٌّ هيكلياً. لا تمتلك أيّ معارضةٍ منظّمة الدعم الخارجي أو الأرض أو القيادة الموحّدة اللازمة للتهديد الجدّي لكابل.
والجبهات المسلّحة كالجبهة الوطنية للمقاومة لا تزال متشرذمة، عاجزةً عن تحدّي الجهاز الأمني المركزي للنظام.
بيد أنّ التهديد الأعمق يكمن في البنية السياسية الداخلية ذاتها.
تتّسع الشقوق الداخلية باطّراد، وهو ما استدعى تحذيراتٍ نادرة من أخوند زاده نفسه من أنّ الخلاف قد يُفكّك الحكومة من الداخل. وإن كانت هذه الإخفاقات السياسية لم تُفضِ بعد إلى أزمة سلطة، فإنّ انهياراً كاملاً سيُلقي بأفغانستان على الأرجح في أتون حربٍ أهلية ستُدمّر المدنيّين وتُزعزع استقرار الجوار الإقليمي.
والمعطيات الديموغرافية تُشكّل عقبةً وجودية بالقدر ذاته؛ فمع اقتصادٍ راكد وتوقّعاتٍ بمضاعفة عدد السكّان بحلول 2050، يتوقّف البقاء على المدى البعيد على توفير سُبل العيش والغذاء وفرص العمل — وهو ما تعجز السياسات الراهنة عن تحقيقه.
دولياً، توفّر العلاقات البراغماتية مع روسيا والصين ودول آسيا الوسطى شرايين اقتصادية بديلة عن الاعتراف الغربي. غير أنّ الحكم عبر دولة بوليسية أيديولوجية متطرّفة يُخاطر باغتراب الرأي العام الداخلي بصورة كاملة.
ثلاثة سيناريوهات تستحقّ الرصد في السنوات القادمة: الأرجح، استمرار الوضع الراهن مع تصاعدٍ تدريجي في الضغوط الداخلية والاقتصادية دون انهيارٍ مفاجئ، في ظلّ غياب بديلٍ منظّم قادر على ملء الفراغ.
المحتمل، تصدّعٌ داخلي جزئي مدفوعٌ بالتنافس بين قندهار وكابل أو بتمرّدٍ من قادة ميدانيّين ساخطين، يُفضي إلى إعادة توزيعٍ للسلطة دون تغييرٍ جوهري في طبيعة النظام.
الأقلّ احتمالاً، انهيارٌ شامل يُعيد رسم خريطة القوى الأفغانية من جديد سيناريو تُبقيه العزلة الدولية والتشرذم الداخلي للمعارضة في خانة المستبعد راهناً.
السنوات القادمة ستختبر ما إذا كانت طالبان قادرةً على الانتقال من الحكم بالإكراه إلى الحوكمة المستدامة. والمسار الراهن لا يُبشّر بهذا التحوّل. بدلاً من ذلك، يُرجَّح أن يُبقي اليأس الاقتصادي المتراكم والقمع الاجتماعي والاحتكاك الإقليمي على أفغانستان وقوداً دائماً للأزمات الإقليمية.
أخبار ذات صلة

الإمارات تنفي "الطموحات الإمبراطورية" في أفريقيا

محكمة روسية تحكم على ناقد الكرملين بـ 11 سنة لمعارضته الحرب في أوكرانيا

أوكرانيا: شركة طاقة تؤكد أضراراً جسيمة في منشآتها بعد 13 غارة روسية
