وورلد برس عربي logo

الشمس ابتلعت كوكب أرضي عملاق وأخفته في أعماقها

بحث جديد يكشف أن الشمس ربما ابتلعت كوكب أرض فائقة في طفولتها تاركة بصمة كيميائية في داخلها تفسر لغز ندرة الليثيوم وفوارق بنية الشمس الداخلية اكتشف المزيد مع وورلد برس عربي.

الشمس تحيط بها مسارات كوكبية مضيئة تمثل سيناريو ابتلاع كوكب أرض فائقة في تاريخها المبكر وتأثيره الكيميائي.
تصور فني لنجم يبتلع كوكبًا، حيث يوضح الخط الأزرق مسار الكوكب أثناء تحلّقه نحو النجم حتى يصطدم به في النهاية. (حقوق الصورة: ناسا، وكالة الفضاء الأوروبية، وكالة الفضاء الكندية، رالف كروفورد (STScI))
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قبل مليارات السنين، حين كانت شمسنا في طفولتها محاطةً بقرصٍ من الغاز والغبار، ربما جرى حدثٌ كوني هائل لم يتركْ شاهداً مرئياً لكنه خلّف بصمةً كيميائية عميقة في أحشاء النجم ذاته. هذا ما يقترحه بحثٌ جديد نُشر في العاشر من سبتمبر 2023 في مجلة «Monthly Notices of the Royal Astronomical Society»، ويرى فيه الباحثون أن الشمس ربما ابتلعت كوكباً عملاقاً من فئة «الأرض الفائقة» (Super-Earth) في مرحلة مبكرة من تاريخها، وأن آثار ذلك الحدث لا تزال مختبئةً في بنيتها الداخلية حتى اليوم.

أرضٌ فائقة ابتلعتها الشمس

الباحث الرئيسي في الدراسة هو Mutlu Yildiz من جامعة Ege University في تركيا، الذي انطلق من تساؤل بدا بسيطاً في ظاهره: هل تملك مشكلات الشمس غير المحلولة أصلاً مشتركاً في تاريخها الكيميائي المبكر؟ يقول Yildiz: «كنّا مهتمّين بمعرفة ما إذا كانت هذه المشكلات تعود إلى أصلٍ مشترك في التاريخ الكيميائي المبكر للشمس».

المشكلات التي يشير إليها ليست هامشية. فالنماذج المعيارية لتطوّر النجوم تتنبّأ بخصائص داخلية للشمس تختلف عمّا ترصده الأرصاد الفعلية: عمق منطقة الحمل الحراري (Convection Zone) وبنية سرعة الصوت في الداخل الشمسي كلاهما يخرجان عن التوقّعات النظرية. يُضاف إلى ذلك ظاهرةٌ محيّرة أخرى: سطح الشمس يفتقر إلى عنصر الليثيوم بصورة لافتة، وهو شذوذٌ لم يجد تفسيراً مُقنعاً حتى الآن.

الفرضية التي يطرحها الباحث هي أن كوكباً تتراوح كتلته بين 5 و10 أضعاف كتلة الأرض وهو ما يُعرَّف بـ«الأرض الفائقة» قد سقط في الشمس الفتية منذ مليارات السنين، وترك فيها بصمةً كيميائية دائمة. ويوضح Yildiz: «تقترح دراستنا الجديدة أن كوكباً أكبر بعدة أضعاف من الأرض ربما سقط في الشمس الفتية وترك أثراً كيميائياً دائماً في أعماقها».

شمس تبتلع كوكباً عملاقاً متصدعاً مع شظايا تحيط به، تعبير عن فرضية ابتلاع الأرض الفائقة وتأثيرها الكيميائي في بنية الشمس الداخلية.
Loading image...
رسم توضيحي لكوكب خارق سابق نجا من مواجهة مع الشمس وهو يفر منها (حقوق الصورة: روبرت ليا، تم الإنشاء باستخدام كانفا)

كيف يُعقَل أن تبتلع الشمس كوكباً؟

لفهم هذا السيناريو، لا بدّ من استحضار صورة المنظومة الشمسية في مهدها. النجوم الفتية ومنها شمسنا تكون محاطةً بأقراص من الغاز والغبار تُعرف بالأقراص الكوكبية الأولية (Protoplanetary Discs)، وهي المادة الخام التي تتشكّل منها الكواكب. غير أن الكواكب تتكوّن من مادةٍ تختلف في تركيبها الكيميائي عن الغاز المحيط بها في هذه الأقراص. وهنا يكمن جوهر الفرضية: «بما أن الكواكب مصنوعة من مادةٍ تختلف كيميائياً عن الغاز في القرص، تساءلنا عمّا إذا كان ابتلاع كوكبٍ مبكراً قد يترك بصمةً كيميائية داخل الشمس الفتية»، يقول Yildiz.

وقد سبقت هذه الدراسةَ أبحاثٌ أشارت إلى أن كواكب من فئة الأرض الفائقة ربما تشكّلت قرب مدار كوكب Mercury ثم هاجرت نحو الشمس وسقطت فيها. ما يضيفه البحث الجديد هو السؤال المختلف: «تساءلنا ما إذا كانت الشمس ذاتها لا تزال تحمل دليلاً رصدياً يُثبت أن هذا الابتلاع قد حدث فعلاً، ونعتقد أنها تحمله»، وفق ما يؤكده Yildiz.

المنهجية المتّبعة في الدراسة تقوم على نمذجة حاسوبية لتطوّر الشمس ومقارنة نتائجها بالأرصاد الدقيقة لبنيتها الداخلية. والنتيجة لافتة: «بنمذجة تطوّر الشمس ومقارنة النتائج بالأرصاد الدقيقة لداخلها، نجد أن ابتلاع أرضٍ فائقة يمكن أن يُساعد في تفسير الفوارق القائمة منذ أمدٍ بعيد بين النماذج الشمسية المعيارية والأرصاد، بما فيها التغيّرات الدقيقة في البنية الداخلية للشمس وندرة الليثيوم على سطحها»، يقول Yildiz. والأكثر إثارةً أن النتائج أفضت إلى نطاق كتلة محدّد للغاية: «لم نكن نتوقّع أن تتقاطع الحسابات عند نطاق كتلةٍ محدّد جداً لأرضٍ فائقة»، يُقرّ الباحث.

الشمس تبتلع كوكباً عملاقاً من فئة الأرض الفائقة، مع انفجارات وفتات صخري في محيطها، تعبير عن فرضية ابتلاع كوكب في تاريخ الشمس المبكر.
Loading image...
رسم توضيحي يظهر كوكبًا في النظام الشمسي يغوص في الشمس الوليدة (حقوق الصورة: روبرت ليا (تم الإنشاء باستخدام كانفا))

لغزٌ كوني قديم: أين اختفت الأرض الفائقة؟

ثمة بُعدٌ آخر لهذه القصة يستحق التأمّل. كواكب الأرض الفائقة شائعةٌ جداً في المنظومات الكوكبية الأخرى المرصودة حول نجوم مختلفة، بيد أن منظومتنا الشمسية تخلو منها كلياً. هذا الغياب ظلّ لغزاً مُحيّراً لعلماء الفلك: لماذا نحن استثناء؟

الإجابة التي يقدّمها هذا البحث بسيطةٌ في صياغتها، عميقةٌ في دلالتها: ربما لأن شمسنا أكلتها. إذا صحّت الفرضية، فإن غياب هذه الكواكب من منظومتنا ليس حظّاً سيئاً أو ظرفاً تكوينياً نادراً، بل هو نتيجةٌ مباشرة لحادثة ابتلاع جرت في فجر التاريخ الشمسي.

الخطوة التالية التي يرسمها Yildiz واضحة المعالم: «الخطوة التالية هي معرفة ما إذا كان بالإمكان الكشف عن هذه البصمات بصورة مستقلة». بعبارةٍ أخرى، الفرضية قابلةٌ للاختبار وهذا ما يجعلها علماً لا مجرّد تخمين. يمكن الاطّلاع على البيان الرسمي للبحث هنا، فيما يتوفّر النصّ الكامل للدراسة المنشورة في المجلة لمن يرغب في الغوص في التفاصيل التقنية.

ما يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت تقنيات الرصد الحالية قادرةً على الكشف المستقل عن هذه البصمات الكيميائية في أعماق الشمس وهو سؤالٌ قد تجيب عنه الأجيال القادمة من التلسكوبات والمسابر الشمسية، في وقتٍ تشهد فيه هليوسيزمولوجيا (علم زلازل الشمس) تطوّراً متسارعاً يجعل هذا الاحتمال أقرب مما كان عليه قبل عقد.

أخبار ذات صلة

Loading...
طيور مهاجرة صغيرة تقف على شاطئ مائي، تعكس أهمية الحفاظ على مسارات الهجرة وحمايتها من تأثيرات الإضاءة الصناعية الضارة.

الطيور تهاجر.. أطفئوا الأضواء

مع بداية الخريف تبدأ رحلة نصف مليار طائر مهاجر عبر أمريكا الشمالية، لكن الأضواء الصناعية تقتل مليار طائر سنوياً. اكتشف كيف يمكننا حماية الطيور بإطفاء الأضواء وشارك في التغيير الآن!
علوم
Loading...
سديم الفقاعة العملاقة N44 في سحابة ماجلان الكبرى يظهر نجومًا عملاقة ورياحًا نجمية تشكل وتدمر السحب الغازية، محفزة ولادة نجوم جديدة.

صورة هابل تكشف دورة الكون بين الدمار والخلق صورة الفضاء الأسبوعية

في قلب سديم الفقاعة N44 تكشف تلسكوب هابل عن ولادة نجوم جديدة وسط دمار النجوم العملاقة، حيث تتحول الرياح النجمية إلى محرّك حياة كونية. اكتشف أسرار الكون وانضم لرحلة الفضاء الساحرة الآن.
علوم
Loading...
رسم توضيحي لتجربة الخروج من الجسد يظهر جسداً مستلقياً وروحاً تنفصل عنه مع خطوط تمثل طاقة الوعي أو الاتصال بينهما.

تجربة علمية حول تجارب الخروج من الجسد: شاهد اثنان ظواهر حيّرت الباحثين

هل يمكن للوعي أن يغادر الجسد ويرى ما لا يدركه العقل؟ دراسة حديثة تكشف عن تجارب خروج من الجسد وتطرح تساؤلات حول طبيعة الواقع والوعي البشري. اكتشف المزيد وشاركنا رأيك في هذه الظاهرة الغامضة.
علوم
Loading...
تصوير فلوري حي لنشاط الكالسيوم في خلايا دماغ سمكة شفافة باستخدام تقنية WHOLISTIC لرصد التواصل الخلوي في الكائن الحي.

خلايا الجسم الحي تتحاور: لقطات مباشرة لأول مرة

تقنية WHOLISTIC تفتح نافذة جديدة لفهم تواصل الخلايا في الجسم الحي عبر رصد إشارات الكالسيوم بدقة غير مسبوقة. اكتشف أسرار التفاعل الخلوي وكيفية تأثير الأدوية. تابع القراءة لتعرف المزيد!
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية