تزايد الأقمار الصناعية يهدد سلامة الفضاء حول الأرض
تزايد الأقمار الصناعية في مدار الأرض المنخفض يهدد بزيادة تصادمات الحطام الفضائي مما قد يجعل المدار غير صالح للاستخدام ويعرض حياة البشر للخطر. تعرف على تحذيرات العلماء وتحديات الفضاء في تقرير وورلد برس عربي الجديد.

حين عُرض فيلم "Gravity" عام 2013 بأداء Sandra Bullock وGeorge Clooney، بدا مشهد تدمير روسيا لأحد أقمارها الصناعية المتوقفة عن العمل وما تلاه من سحابة حطامٍ تُصيب كل ما تصادفه، ضرباً من الخيال العلمي المُبالَغ فيه. بعد أكثر من عقدٍ من الزمن، تشير بيانات وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) إلى أنّ هذا السيناريو لم يعد بعيداً عن النقاش العلمي الجاد، وإن ظلّ غير وشيك. المسألة لم تعد خيالاً سينمائياً بقدر ما أصبحت سؤال سياسات: هل يتحمّل مدار الأرض المنخفض هذا الكمّ المتصاعد من الأقمار الصناعية؟
من الشاشة إلى الفضاء الحقيقي: كيف تضخّم عدد الأقمار الصناعية
الفكرة التي بُني عليها الفيلم ليست جديدة؛ فقد طرحها العالمان Donald Kessler و Burton Cour-Palais منذ ما يقارب نصف قرن، تحت مسمّى "متلازمة كسلر" (Kessler Syndrome)، وتصف سلسلة تصادماتٍ متتالية تجعل مداراتٍ بأكملها غير صالحة للاستخدام. وقت صدور الفيلم عام 2013، كان عدد الأقمار الصناعية النشطة نحو 1,000 قمر فقط. أمّا اليوم، فبحسب موقع CelesTrak المتخصّص في رصد الأجسام المدارية، فقد ارتفع الرقم إلى ما يقارب 17,000 قمر نشط، أي زيادة بأكثر من سبعة عشر ضعفاً في أقل من عقدين.
الجزء الأكبر من هذا النمو يعود إلى شبكة Starlink التابعة لشركة SpaceX، التي تضمّ حالياً نحو 11,000 قمر صناعي في المدار، مع خططٍ لإطلاق آلاف أخرى. لكنّ SpaceX ليست وحدها في هذا السباق: أطلقت Amazon بالفعل مئات الأقمار وتخطّط لآلاف إضافية، فيما لا تزال عدّة شبكات إنترنت صينية قيد التطوير. والأخطر، بحسب التوقعات، أنّ مشاريع "مراكز البيانات المدارية" قد تُضيف مستقبلاً مئات الآلاف من الأقمار الصناعية — وهو رقمٌ لم تُدرجه وكالة الفضاء الأوروبية بعد في نماذجها الحسابية لأنّ هذه المشاريع "لا تزال قيد التحضير" للإطلاق، على حدّ تعبير الوكالة.
ما الذي يقوله تقرير الوكالة الأوروبية للفضاء لعام 2026؟
قبل أسبوعٍ واحد فقط، نشرت وكالة الفضاء الأوروبية تقرير بيئة الفضاء لعام 2026، وهو الإصدار الأحدث ضمن سلسلة تقارير سنوية تُصدرها الوكالة منذ عقدٍ من الزمن لتقييم استدامة الأنشطة الفضائية عالمياً. اللافت في هذا الإصدار أنّ الوكالة رفعت توقعاتها المستقبلية للأعلى بسبب النمو المتسارع في المنظومات الكبيرة (large constellations)، وأوضحت في بيانها: "الزيادة الملحوظة في المؤشر هذا العام مدفوعةٌ أساساً بالتعداد المستقبلي الأكبر بكثير الناتج عن سيناريو الاستقراء الحالي".
النموذج الذي اعتمدته الوكالة يفترض استمرار الأنشطة الفضائية بالوتيرة الحالية، مع التزام المنظومات الكبيرة بالحدّ الأدنى المرغوب من معدلات التخلّص الآمن من الأقمار بعد انتهاء مهمتها، واستمرار معدلات التخلّص الحالية المقدَّرة لبقية الأجسام المدارية. النتيجة، بحسب نصّ التقرير: "الاستقراء من سلوكنا الحالي... يؤدي إلى بيئة غير مستقرة مع معدلات تصادم تتزايد أسّياً". وتشير محاكاة الوكالة إلى أنّ التصادمات في المدار الأرضي المنخفض ستزداد حدّةً بشكلٍ كبير بحلول منتصف القرن.
كما نبّهت الوكالة إلى محدودية أدوات التخفيف التقليدية أمام هذا الحجم غير المسبوق من الحركة المدارية: "التأثير المتنامي للمنظومات الكبيرة يكشف حدود مقاربات التخفيف التقليدية عند تطبيقها على حركة المرور المستقبلية بحجمٍ غير مسبوق. وفي الوقت ذاته، تتأثر النتائج بمحدودية توفّر معلوماتٍ تفصيلية وقابلة للتحقّق حول خطط النشر المستقبلية، والممارسات التشغيلية، واستراتيجيات نهاية الخدمة لهذه المنظومات". بعبارة أخرى، القياس نفسه يعاني من نقصٍ في الشفافية من جانب مشغّلي الأقمار.
بين تحذير الباحثين وتطمين مشغّلي الفضاء
الباحث موريبا جاه (Moriba Jah)، أستاذ في University of Texas at Austin ومتخصّص في الحطام المداري، لا يخفي قلقه من التبعات العملية لهذا الازدحام. يقول جاه: "أعتقد أننا سنفقد القدرة على استخدام مدارات معيّنة لأنّ سعتها الاستيعابية ستُشبَع بالأجسام والحطام". ويذهب جاه أبعد من ذلك في تقديره الزمني، متوقعاً خسائر بشرية محتملة خلال العقد المقبل: "أتوقّع أيضاً أن نشهد فقداناً لأرواح بشرية، إمّا بسبب أجسامٍ بحجم حافلة مدرسية تدخل الغلاف الجوي وتنجو من الاحتراق لتصطدم بمنطقةٍ مأهولة، أو بسبب أشخاصٍ يركبون مركبات فضائية مدنية أو تجارية تصطدم بقطعة حطامٍ غير متوقَّعة. أتوقّع حدوث كلا الأمرين خلال العقد المقبل".
في المقابل، يرى Elon Musk، مؤسس SpaceX، أنّ المخاوف مبالغٌ فيها. قال خلال هذا الصيف في مصنع Starlink في Bastrop بولاية تكساس: "الفضاء كبيرٌ حقاً. ليس الأمر وكأنّ الفضاء سيصبح مزدحماً. الفضاء شاسعٌ للغاية. إذا نظرت إليه فعلياً بالنسبة إلى حجم الأرض، فالأقمار الصناعية صغيرة جداً لدرجة أنّك لا تستطيع رؤيتها". هذا التباين بين تقدير الباحث الأكاديمي وتصريح المشغّل التجاري يلخّص طبيعة النقاش الحالي: لا إجماع علمي على موعد الأزمة، لكن أيضاً لا أحد من الخبراء الموثوقين يتحدث عن انهيارٍ مداري وشيك على طريقة "متلازمة كسلر" الكلاسيكية.
مناورات تفادي التصادم: المؤشر الميداني الأكثر واقعية
بعيداً عن النماذج الحسابية والتصريحات، توفّر بيانات المناورات الفعلية لشركة SpaceX مؤشراً ملموساً على وتيرة الازدحام. بحسب تقارير قدّمتها الشركة إلى Federal Communications Commission، كانت شبكة Starlink تُجري نحو 500 مناورة تفادي تصادم شهرياً قبل خمس سنوات. أمّا حتى مايو 2026، فقد ارتفع الرقم إلى ما يقارب 35,000 مناورة شهرياً أي ما يعادل مناورةً واحدة كل 75 ثانية. علماً بأنّ هذه المناورات، بحسب المقال، لا تُصنَّف فردياً على أنّها "حالات اقتراب خطر" (near miss) وفق مصطلحات SpaceX نفسها.
الجدير بالذكر أنّ SpaceX تتّبع عتبةً أكثر تحفّظاً من المعيار المعمول به لدى NASA. فبينما تعتمد الوكالة الفضائية الأمريكية عتبة مناورة عند احتمالية تصادمٍ تبلغ 1 من كل 10,000 (بحسب معيار NASA المنشور)، بدأت SpaceX باستخدام عتبة 1 من كل 100,000، ثم اعتمدت لاحقاً عتبة أكثر تشدداً تبلغ 3 من كل 10 ملايين، وفق رسالة قدّمتها الشركة إلى FCC عام 2025. هذا التشدّد يعني أنّ الشركة تُطلق مناورات احترازية بمعدلٍ أعلى بكثير ممّا تفرضه المعايير الرسمية، وهو ما يُفسّر جزئياً القفزة الهائلة في عدد المناورات الشهرية.
الحطام القديم لا يزال المشكلة الأصعب
النقاش لا يقتصر على الأقمار النشطة الجديدة. فالمراحل الصاروخية العلوية المتروكة بعد الإطلاق (spent upper stages) لا تزال تُشكّل مصدر قلقٍ مستمر، خصوصاً أنّ بعض عمليات الإطلاق الحالية لا تحمل وقوداً كافياً لإنزال المرحلتين الثانية والثالثة من المدار بشكلٍ آمن. المراحل الصاروخية بحجم حافلة مدرسية تُعدّ مُشكِلةً بوجهٍ خاص عند ارتفاعي 840 و975 كيلومتراً، حيث يزداد بقاء الحطام في المدار من عقودٍ إلى قرون كلّما ارتفع الارتفاع.
النطاقات المدارية الأكثر إثارةً للقلق تمتدّ من 520 إلى 1,000 كيلومتر فوق سطح الأرض. وقد حدّد الباحثان Hugh Lewis وDonald Kessler، في دراسةٍ نُشرت عام 2025، عتباتٍ لما يُسمّى "الانفلات التصادمي" (collisional runaway) داخل بعض هذه النطاقات، حيث يمكن أن تُنتج التصادمات الجسيمة حطاماً بمعدلٍ أسرع من قدرة الجاذبية الأرضية على إزالته طبيعياً. وتضيف بعض التحليلات، كذلك ما ورد في تقرير Scientific American حول حطام المراحل الصاروخية، أنّ هذه المشكلة كانت أكثر شيوعاً في العقود الأولى من عصر الفضاء مقارنةً بممارسات الإطلاق الحالية.
وثمّة عاملٌ آخر لا يمكن إغفاله: الهجمات المتعمدة على الأقمار الصناعية على غرار ما صوّره الفيلم يمكن أن تُنتج حقول حطامٍ فورية وأضراراً مالية جسيمة، وهو سيناريو يزيد بشكلٍ كبير من احتمالية الوصول إلى حالةٍ شبيهة بمتلازمة كسلر. في السياق ذاته، تجدر الإشارة إلى أنّ إيران أصبحت مؤخراً الدولة التاسعة التي تُطلق قمراً صناعياً مُصنَّعاً محلياً، ما يعكس اتساع دائرة الفاعلين في الفضاء المداري إلى ما هو أبعد من الدول الكبرى التقليدية.
أين تقف احتمالية "متلازمة كسلر" اليوم؟
لا يتوقّع أيّ خبيرٍ موثوق حدوث انهيارٍ مداري مفاجئ على طريقة متلازمة كسلر في المدى القريب. الأنشطة الفضائية لن تصبح، على الأرجح، غير قابلة للاستخدام في الأمد القصير. لكنّ التقديرات تشير إلى أنّ الظروف الشبيهة بمتلازمة كسلر قد تصبح واردةً بشكلٍ متزايد خلال 15 عاماً من الآن على أبعد تقدير، مع كون هذا السيناريو أكثر ترجيحاً على مدى زمنيٍّ أطول يمتدّ نحو منتصف القرن، بحسب محاكاة وكالة الفضاء الأوروبية.
ما يبدو مؤكداً أكثر هو الأثر الاقتصادي التدريجي: تكنولوجيا تفادي التصادم، والكوادر البشرية اللازمة لإدارتها، والوقود الدفعي الإضافي للمناورات، ستزيد من كلفة تشغيل الأقمار الصناعية، كما ستُصعّب عملية اختيار نوافذ الإطلاق المناسبة. وتبقى الفجوة الأكبر في هذا النقاش هي غياب اليقين حول مشاريع مراكز البيانات المدارية التي لم تُدرَج بعد في حسابات وكالة الفضاء الأوروبية وهو ما يعني أنّ التوقعات الحالية، رغم تشاؤمها النسبي، قد لا تكون كافية لالتقاط الصورة الكاملة لما ينتظر مدار الأرض المنخفض في العقود المقبلة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
