شهب الثوريدات الجنوبية كرات نارية في سماء الخريف
استعدوا لموسم زخّة شهب الثوريدات الجنوبية مع أفضل فرص لرصد كرات نارية ساطعة في سماء خالية من ضوء القمر. تعرفوا على مواعيد الذروة وأسرار هذه الظاهرة الفلكية التي تضيء ليالي الخريف على وورلد برس عربي.

منذ مساء الأحد 20 سبتمبر، بدأت السماء تستعدّ لواحدةٍ من أطول ظواهرها الفلكية موسمياً: زخّة شهب الثوريدات الجنوبية (Southern Taurids)، التي تمتدّ حتى 20 نوفمبر. لا تُعدّ هذه الزخّة من أغزر زخّات الشهب من حيث العدد، لكنّها تحمل خاصيةً تجعلها محطّ اهتمام هواة الرصد في نصفَي الكرة الأرضية: قدرتها على إنتاج كرات نارية (fireballs) استثنائية السطوع، وهي ومضات ضوئية قوية تنتج عن احتراق أجسامٍ أكبر من الشهب العادية خلال دخولها الغلاف الجوي.
متى تبلغ الزخّة ذروتها، وهل سيعكّر القمر الرؤية؟
تُصنَّف الثوريدات الجنوبية بين أطول زخّات الشهب نشاطاً خلال السنة، إذ تبقى فعّالة لشهرين كاملين تقريباً، لكنّ نشاطها ليس متساوياً طوال هذه الفترة. تشهد الزخّة ذروتين رئيسيتين: الأولى بين 13 و14 أكتوبر، والثانية بين 4 و5 نوفمبر. وتشير التقديرات إلى معدّل نشاطٍ عند الذروة يتراوح بين 5 و10 شهب في الساعة، وهو معدّل متواضع مقارنةً بزخّات أخرى أكثر غزارة، وفق تقويم زخّات الشهب الذي تنشره الجمعية الأمريكية للشهب (American Meteor Society).
الجانب اللافت هذا العام يتعلّق بظروف الرصد المرتبطة بالقمر. في ليلتَي 13 و14 أكتوبر، تُتوقَّع سماء خالية من ضوء القمر تماماً، ما يمنح الراصدين ظروفاً مثالية لملاحظة أيّ ارتفاعٍ في معدّلات الشهب الاعتيادية، والتي يُرجَّح أن تكون أقوى قليلاً من المعتاد هذا العام. أما الذروة الثانية والأهمّ، في 4 و5 نوفمبر، فهي التي تُعرف بأنها الذروة الرئيسية لظهور الكرات النارية. وفي 5 نوفمبر تحديداً، سيكون القمر في مرحلة هلال متضائل بنسبة إضاءة 18%، يشرق في ساعات الفجر الأولى، ما يعني أنّ الجزء الأكبر من الليل سيبقى شبه خالٍ من التلوّث الضوئي القمري.
لماذا تبدو شهب الثوريدات "أبطأ وأكثر توهّجاً"؟
من الناحية الفيزيائية، تدخل شهب الثوريدات الجنوبية الغلاف الجوي بسرعة تُقدَّر بنحو 17 ميلاً في الثانية (نحو 27 كيلومتراً في الثانية)، وهي سرعة أقل نسبياً مقارنةً بزخّات شهب أخرى. هذه البطء النسبي له نتيجة مباشرة على المشهد البصري: فالشهب تبقى مرئيةً لفترةٍ أطول، وتترك خلفها مساراتٍ متوهّجة أوضح من تلك التي تنتجها الشهب السريعة، وهو ما يفسّر جزئياً شهرة هذه الزخّة بالكرات النارية الساطعة التي توصف أحياناً بأنها "شهب ساقطة" تلفت الأنظار حتى لدى غير المتابعين للفلك.
مصدر هذا الحطام الفضائي هو المذنّب 2P/Encke، الذي يدور في النظام الشمسي الداخلي ويُخلّف وراءه سحابةً من الجزيئات تعبرها الأرض على مدى فترةٍ زمنية طويلة نسبياً، بحسب صفحة وكالة ناسا (NASA) المخصّصة للمذنّب 2P/Encke. والثوريدات الجنوبية ليست وحدها في هذا الحطام؛ فهي تُشكّل نصف ما يُعرف بمجمّع شهب الثوريدات الأوسع، الذي يضمّ أيضاً زخّة شقيقة تُعرف بالثوريدات الشمالية (Northern Taurids)، وتنشط في وقتٍ لاحق من الخريف. بمعنى آخر، مرور الأرض عبر هذا الحطام ليس حدثاً لحظياً، بل عبوراً ممتداً يفسّر طول موسم النشاط الذي يستمرّ شهرين تقريباً.
كيف تُرصَد الزخّة، ومن أين؟
عند الحديث عن أدوات الرصد، تنصح الخبرة الفلكية المعتادة بشيءٍ واحد بسيط: لا حاجة إلى مناظير رصد فلكي (binoculars) ولا إلى التلسكوبات. هذه الأدوات، وإن كانت مفيدة في مناسبات رصدٍ أخرى خلال فصل الخريف، لا تساعد على الإطلاق في تتبّع الشهب، التي تحتاج بدلاً من ذلك إلى مجال رؤية واسعٍ ومفتوح للسماء، بعيداً عن الحواجز والمباني.
يقع "نقطة الانبعاث" الظاهرية لشهب الثوريدات الجنوبية قرب كوكبة الثور (Taurus)، التي ترتفع تدريجياً في السماء كلما تقدّم الليل، وتقع بدورها قريباً من مسار الشمس الظاهري المعروف بدائرة البروج (ecliptic). لكنّ هذا لا يعني أنّ على الراصد تثبيت نظره في اتجاه واحد؛ فالشهب يمكن أن تظهر في أي مكانٍ من قبة السماء، وليس بالضرورة قرب نقطة الانبعاث نفسها.
الشرط الوحيد الذي لا مجال للتفاوض حوله هو صفاء السماء؛ فمن دون سماء خالية من الغيوم، تتعطّل إمكانية رصد الشهب أو الكرات النارية كلياً، بصرف النظر عن دقّة التوقيت أو موقع القمر. ويمكن رصد الزخّة من نصفَي الكرة الأرضية، الشمالي والجنوبي على حدٍّ سواء، لكنّ ظروف الرصد تكون عموماً أكثر ملاءمة في النصف الشمالي.
يبقى الواقع الرقمي واضحاً: معدّل 5 إلى 10 شهب في الساعة لا يجعل من الثوريدات الجنوبية عرضاً بصرياً كثيفاً يستحقّ رحلة مخصّصة إلى مواقع السماء المعتمة لدى كثيرين من سكّان المدن، كما هو الحال مع بعض الزخّات الأكثر غزارة في السنة. ومع ذلك، فإنّ احتمال ظهور كرة ناريةٍ ساطعة تخترق السماء فجأة يبقى قائماً في أي ليلةٍ من ليالي الخريف الممتدة حتى 20 نوفمبر، وهو ما يجعل من الصبر، أكثر من العدد، الشرط الحقيقي لمن يريد أن يشهد لحظة الومضة تلك.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
