قوقعة الحلزون تكشف أسرار الأعاصير القديمة
قوقعة حلزون بري تحمل أرشيفاً مناخياً يكشف عن أنماط أعاصير وهطولات مطرية متطرفة قبل وجود محطات الرصد. اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم تاريخ المناخ من خلال كائنات صغيرة في الطبيعة على وورلد برس عربي.

تحمل قوقعة حلزون بريّ بسيط، لا يتجاوز طوله بضعة سنتيمترات، أرشيفاً مناخياً قد يمتد لعقود، بل ربما لعصور تسبق وجود أي محطة رصد جوي. هذا ما توصّل إليه فريق بحثي من جامعة University of Queensland الأسترالية، في دراسة نُشرت في مجلة The Holocene، تفتح باباً جديداً أمام العلماء لإعادة بناء أنماط الأعاصير والهطولات المطرية المتطرّفة في أزمنة سابقة على عصر السجلات الأرصادية الحديثة. والسؤال الذي يطرحه هذا الاكتشاف على القارئ العربي تحديداً ليس فلكلورياً: كيف يمكن لكائن بهذا الصغر أن يوفّر ما تعجز عنه أحياناً محطات الرصد نفسها؟
كيف تتحوّل قوقعة إلى سجلّ مناخي؟
يبدأ حلزون البرّ حياته بقوقعة صغيرة منذ فقسه، تحميه لكنها في الوقت نفسه تُقيّد نموّه الداخلي؛ فالحلزون لا يستطيع توسيع الأنبوب الملتفّ لقوقعته من الداخل، لذا يمتدّ النمو من المركز اللولبي نحو الخارج عبر فتحة القوقعة. عند هذه الفتحة، تُفرز الطبقة الخارجية لجسم الحلزون (الوشاح) كربونات الكالسيوم، التي تتصلّب عند تعرّضها للهواء إلى بلّورات صلبة. وبما أنّ هذا النمو يتبع تمدّد جسم الحلزون نفسه، فإنّ الحلقات الناتجة تحفظ تفاصيل دقيقة عن الظروف التي عاشها الكائن في كل مرحلة، تماماً كما تحفظ حلقات جذوع الأشجار تاريخ فصولها.
هذه الفكرة النظرية اختُبرت عملياً على عيّنة من نوع حلزون Biggenden Banded Snail، المعروف علمياً باسم Figuladra bayensis، جُمعت من متنزّه Coalstoun Lakes الوطني. واستخدم الباحث نيكولاس باتون (Nicholas Patton)، الجيولوجي والباحث البيئي، تقنية تأريخ بالكربون المشع عالية الدقة لتحديد عمر حلقات النمو في القوقعة. يقول باتون: "استخدمنا تقنية تأريخ بالكربون المشع عالية الدقة لتحديد عمر حلقات النمو في القوقعة". وقد كشفت النتائج عن مفاجأة: احتوت القوقعة على مستويات مرتفعة من الكربون المشع، مصدرها التجارب النووية الأسترالية في ستينيات القرن الماضي، ما مكّن الفريق من تأريخ حلقات النمو بدقة. يضيف باتون: "احتوت على مستويات مرتفعة من الكربون المشع من التجارب النووية في أستراليا في الستينيات، ما يعني أننا استطعنا تأريخ حلقات النمو وكشفنا أنّ الحلزون عاش نحو 4.5 سنوات".
ما الذي تكشفه الحلقات عن أعاصير لم تُسجَّل؟
لا تقتصر القيمة العلمية للقوقعة على تحديد العمر فحسب؛ فمادّتها المعدنية تحفظ نظائر الكربون والأكسجين، وهي مؤشرات تكشف الظروف المناخية والبيئية، وحتى نوعية الغذاء الذي تناوله الحلزون خلال حياته. ولاحظ الفريق أنّ النمو لم يكن مستمراً بل متقطّعاً، إذ تخلّلته فترات نموّ سريع تفصل بينها فترات نمو بطيء أو شبه معدوم. يصف باتون هذه الظاهرة بقوله: "ما رأيناه هو أنّ القوقعة لم تنمُ باستمرار خلال حياة الحلزون؛ كانت هناك فترات نمو سريع تفصلها فترات نمو قليل أو معدوم".
الأرقام هنا لافتة: ففي بعض السنوات لم يتجاوز النمو السنوي 23.7 ملم، بينما بلغ في سنوات أخرى 144.3 ملم فارق يقترب من الضعف السداسي. وعند مطابقة هذه القفزات بسجلّات الطقس الفعلية، تبيّن أنها لا ترتبط بمعدّل الرطوبة السنوي العام، بل بأحداث هطول مطري متطرّفة مرتبطة بأعاصير محدّدة، أبرزها إعصار Marcia الاستوائي الشديد الذي ضرب المنطقة عام 2015، وإعصار Debbie الاستوائي عام 2017، وكلاهما تسبّب في هطولات غزيرة استثنائية في متنزّه Coalstoun Lakes. وهنا يوضّح الباحث البيئي جيمي شولمايستر (Jamie Schulmeister): "لكن النتائج أظهرت أنّ الحلزون كان يستجيب لأحداث هطول مطري متطرّفة لا لرطوبة سنوية عامة".
أرشيف بيولوجي يمتدّ إلى ما قبل عصر الرصد الجوي
انطلاقاً من هذه النتائج، اقترح شولمايستر استخدام القواقع كأداة لرسم خرائط الأحداث المناخية المتطرّفة في الماضي، مستنداً إلى أنّ القوقعة المعدنية تبقى في البيئة مدةً أطول بكثير من عمر الحلزون نفسه. وهذا يفتح إمكانية جمع سجلّات متعددة من قواقع مأخوذة من طبقات رسوبية مختلفة، ودمجها لتكوين سجل مناخي أطول زمنياً. يقول باتون: "إذا استطعنا العثور على قواقع ضمن طبقات مختلفة من الرواسب، يمكننا دمج سجلّات القواقع الفردية معاً لتمديد هذه المعلومات إلى الوراء أكثر". أما شولمايستر فيلخّص دلالة الاكتشاف بقوله: "كان مفاجئاً ومثيراً حقاً أنّ هذا الحلزون البسيط يمكن أن يكون أداة لإعادة بناء مسارات الأعاصير الماضية حتى في العصور التي تسبق التاريخ المكتوب".
تكمن أهمية هذا النوع من الأدلة البيولوجية في أنها تسدّ فجوة معرفية حقيقية: فمعظم السجلات الأرصادية الآلية حول العالم، بما فيها كثير من مناطقنا العربية المعرّضة لموجات هطول مفاجئة وسيول موسمية، لا تمتد لأكثر من قرن أو أقل، بينما تحتاج علوم المناخ والوبائيات البيئية إلى مقاييس أطول لفهم دورية الأحداث المتطرّفة وتقييم مخاطرها الحقيقية. اعتماد أرشيفات بديلة كالحلقات النباتية والحيوانية أو الرسوبيات ليس ترفاً علمياً، بل ضرورة منهجية كلما غابت السجلات الآلية أو قصُر عمرها الزمني.
يبقى السؤال المفتوح الآن هو مدى قابلية هذا النهج للتطبيق على أنواع أخرى من الحلزونات في بيئات مختلفة، وما إذا كان بالإمكان بناء سلاسل زمنية متصلة تمتد لقرون أو آلاف السنين عبر دمج عيّنات من طبقات رسوبية متعاقبة وهو ما يفتح الباب أمام فهمٍ أعمق لتاريخ الأعاصير والهطولات المتطرّفة في مناطق ما تزال سجلّاتها المناخية المكتوبة قصيرة العمر نسبياً. لمزيد من التفاصيل، يمكن الاطلاع على الإعلان البحثي لجامعة كوينزلاند، والصفحة التعريفية للباحث جيمي شولمايستر، وكذلك الورقة البحثية الكاملة المنشورة في مجلة The Holocene.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
