حاسوب الحمض النووي الجديد يغير قواعد الحوسبة الجزيئية
هل يمكن لجزيئات الحمض النووي أن تحسب؟ اكتشفوا كيف طور باحثون حاسوباً جزيئياً يعتمد على تفاعلات كيميائية حرارية يعمل ببطء لكنه قابل لإعادة الاستخدام ويقدم نتائج دقيقة في معالجة المعلومات على المستوى الجزيئي من وورلد برس عربي

هل يمكن لجزيئات الحمض النووي أن "تحسب" فعلاً، لا أن تُخزّن المعلومات فقط؟ هذا هو السؤال الذي حاول فريقٌ من جامعة Maynooth الأيرلندية الإجابة عنه، وتوصّلوا إلى جهاز أطلقوا عليه اسم "الحاسوب الحمضي النووي المُدعّم بالهيكل" (Scaffolded DNA Computer)، أو اختصاراً SDC. النتيجة، بحسب الدراسة المنشورة في 16 سبتمبر في مجلة Nature تحت عنوان "A thermodynamically favoured molecular computer" (المجلد 657، العدد 8132، الصفحات 646-652)، هي حاسوبٌ جزيئي يعمل فعلاً، ويمكن إعادة استخدامه، لكنّه بطيء إلى درجةٍ تجعل أيّ حاسوب سيليكوني تقليدي يبدو كأنّه من كوكبٍ آخر من حيث السرعة.
كيف يحسب جزيءٌ من دون معالج؟
الفكرة، ببساطة، لا تعتمد على دارات كهربائية بل على الكيمياء الحرارية. يضع الباحثون خيوطاً قصيرة من الحمض النووي في محلول ماء مالح، ثم يُسخّنون المزيج ويُبرّدونه. خلال هذه العملية، تتفاعل الخيوط القصيرة مع "هيكلٍ" أطول من الحمض النووي وفق قواعد ارتباطٍ مُبرمجة سلفاً تُحدّد أي خيطٍ يلتصق وأين يلتصق بالضبط.
هنا يكمن الجزء الذكي في التصميم: عملية الارتباط تنافسية بطبيعتها. يشرح داميان وودز (Damien Woods)، أستاذ علوم الحاسوب في Maynooth: "الجزء الذكي هو أنّ عملية الارتباط تنافسية: جزيئات الحمض النووي تتنافس فيما بينها لاختيار فائز، ينجح في الارتباط بالهيكل؛ وكل هذا الدفع والتنافس يعالج المعلومات وينفّذ عملية حسابية". وبفعل الديناميكا الحرارية، يكون الترتيب الجزيئي الصحيح هو الترتيب المُفضّل طاقياً، أي الأكثر استقراراً. يضيف وودز: "في النهاية، يستقرّ النظام في حالته المُفضّلة طاقياً، وهي الحالة التي تُشفّر إجابة العملية الحسابية". البنية الجزيئية النهائية هي الإجابة نفسها.
هذا يختلف جوهرياً عن الحواسيب البيولوجية التقليدية، التي تدمج خلايا حية مع عتادٍ إلكتروني تقليدي. أما SDC فلا يحتاج معالجاً ولا خلية حية، بل قطرة سائل. وتوضح عبير عشرة (Abeer Eshra)، الأستاذة المساعدة في علوم الحاسوب بالجامعة نفسها: "قطرة صغيرة من السائل تحتوي على مليارات، وأحياناً تريليونات، من خيوط الحمض النووي"، وتضيف: "هذه الخيوط تتفاعل مع بعضها البعض لإنتاج نتيجة".
سرعة السلحفاة، لكن بدون خطوات قسرية
لنكن واضحين منذ البداية: هذا الجهاز لن يُنافس هاتفك الذكي. اختبر الباحثون 10 برامج مختلفة، من بينها عمليات حسابية بلغت 100 بت، ونفّذوا أكثر من 700 عملية حسابية إجمالاً عبر تجاربهم. من بين البرامج المُختبرة: الجمع، الضرب في 3، القسمة على 2، وكشف التماثل (parity) لثماني بتات وهي طريقة شائعة في تصحيح الأخطاء الحاسوبية.
عملية جمع بسيطة مثل 10 + 3 استغرقت نحو 30 ثانية باستخدام SDC. الحسابات الصغيرة عموماً أُنجزت في أقل من دقيقة. لكن عندما كبر حجم المسألة، تباطأ النظام بشكلٍ كبير: عملية جمعٍ نتيجتها تتراوح بين نحو 11 مليوناً و34 مليوناً استغرقت ما يصل إلى 14 ساعة.
يعترف كونستانتين إيفانز (Constantine Evans)، الباحث الأول في Maynooth، بأنّ هذه ليست إنجازات مذهلة من حيث السرعة: "إنّها حسابات بسيطة يمكنك أنت شخصياً القيام بها بسرعةٍ أكبر، وحاسوب سيليكوني سينهيها في لحظة". لكنّ التحدي، برأيه، ليس في السرعة بل في الموثوقية على المستوى الجزيئي: "نظامنا يستخدم حفنة فقط من الجزيئات، من دون أن يتبع فعلياً سلسلة منظّمة من الخطوات، ومن دون اتخاذ خطواتٍ لا رجعة فيها، ومع ذلك ينتهي بالإجابة الصحيحة. عند التفكير في الحوسبة على المستوى الجزيئي، فإنّ تحقيق حتى هذه الحسابات البسيطة ظاهرياً بشكلٍ موثوق أمرٌ بالغ الصعوبة".
بالمقارنة مع حواسيب الحمض النووي الأخرى، فإنّ SDC ليس الأبطأ في الساحة؛ إذ تستغرق التفاعلات الكيميائية في أنظمة مماثلة وقتاً مساوياً أو أطول. يلخّص وودز وعشرة الأمر بقولهما: "هذا يُثبت أنّ النظام قابلٌ للبرمجة، وقابلٌ لإعادة الاستخدام، وبالرغم من بطئه مقارنةً بالسيليكون، فهو سريعٌ مقارنةً بحواسيب الحمض النووي الأخرى".
الميزة الحقيقية: يمكن استخدامه أكثر من مرة
هنا يكمن الفرق الفعلي عن كثيرٍ من التجارب السابقة في هذا المجال. تصف عشرة الأنظمة السابقة بقولها: "كثيرٌ من الحواسيب الجزيئية حتى الآن اعتمدت على مكوّناتٍ مُعدّة خصيصاً، أو وقود جزيئي لدفع النظام إلى الأمام، أو تفاعلاتٍ مضبوطة التوقيت"، مضيفة: "حاسوبنا من الحمض النووي، بالمقابل، يعمل عبر جمع الجزيئات معاً وتركها تسترخي نحو حالة التوازن".
هذا التصميم يعني أنّ الحاسوب لا يعتمد على تسلسلٍ مُجبَر من خطوات المعالجة، ولا خطوات حسابية لا رجعة فيها وهو ما يفتح الباب أمام إعادة الاستخدام. فعلاً، أعاد الباحثون تشغيل ثلاثة برامج حتى 24 مرة، بل إنّ إحدى التجارب أُعيدت بعد سنة ونصف من تشغيلها الأصلي. والأكثر إثارةً للاهتمام: عندما جفّت بعض عيّنات SDC جزئياً، تمكّن الفريق من "إحيائها" مجدداً بإضافة الماء واستئناف الحساب.
من الناحية العملية، فإنّ برمجة حسابٍ مختلف، أو تغيير المُدخلات، لا يتطلّب إعادة تصميم النظام بأكمله. كما يشرح وودز وعشرة: "كل برنامج يقابله مجموعة من خيوط الحمض النووي: لبرمجة حسابٍ مختلف، أو إعطاء مُدخلٍ مختلف، نكتفي باختيار خيوط حمض نووي مختلفة من الثلاجة". حرفياً الثلاجة، لا خادم سحابي ولا تحديث برمجي.
استخدامات محتملة، لكن لنتوقّف عند كلمة "محتملة"
الآن، وقبل أن يتحمّس أحد ويتخيّل حواسيب حمض نووي تعمل داخل الجسم البشري غداً، من الضروري التوقّف عند حدود هذه التقنية. الباحثون أنفسهم يصفون التطبيقات المحتملة بأنّها لا تزال تكهّنية. تقول عشرة: "الحواسيب الجزيئية من هذا النوع لا تحاول أن تحلّ محلّ الحواسيب الإلكترونية، لكن يمكن استخدامها في البيئات البيولوجية، والمواد الذكية، وتخزين البيانات الأرشيفية على الحمض النووي".
من بين الاستخدامات المطروحة، يبرز تخزين البيانات الجزيئي بكفاءة طاقية عالية، وأجهزة قد تعمل داخل الخلايا الحية مستقبلاً وإن ظلّ هذا الاستخدام تحديداً تكهّنياً بامتياز حالياً. أما بخصوص تخزين البيانات، فتُقدّم عشرة زاويةً مثيرة: "عملنا هذا يمثّل اتجاهاً جديداً لتخزين بيانات الحمض النووي، إذ إنّ أيّ بيانات تُخزَّن في نظامٍ كهذا ستمتلك خصائص تصحيح أخطاء مدمجة بشكلٍ طبيعي". بمعنى آخر: الخطأ في القراءة قد يُصحَّح ذاتياً بفعل نفس آليات الاستقرار الطاقي التي تُنتج الإجابة الصحيحة أصلاً.
لكن الفجوة بين "يمكن استخدامها" و"تُستخدم فعلاً" لا تزال واسعة. عشرة نفسها تُقرّ بذلك بصراحة: "لا يزال هناك الكثير من العمل النظري لإنجازه!". وتوضّح الخطوات القادمة: "تصميم هياكل أفضل ملاءمةً للحوسبة، وتحسين آلية قراءة نتائج النظام، والبحث في التطبيقات المحتملة في تخزين بيانات الحمض النووي. نحن نعمل بالفعل على بعض هذه الأسئلة".
بعبارةٍ أخرى، ما نراه اليوم إثباتٌ للمبدأ، لا منتجاً جاهزاً. حاسوبٌ يُبرمَج من الثلاجة، ويُصلَح بقطرة ماء، وينام سنةً ونصف ثم يستيقظ ليُكمل حسابه من حيث توقّف هذا مثيرٌ فعلاً من الناحية العلمية. لكن قبل أن يجد طريقه إلى أي تطبيقٍ يلمسه المستخدم العادي، يبدو أنّ الطريق لا يزال طويلاً، وربما بطيئاً بقدر بطء العملية الحسابية نفسها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
