وورلد برس عربي logo

احتراق الأقمار الصناعية وتأثيره الخفي على الغلاف الجوي

علماء يطاردون قمرين صناعيين محترقين في الغلاف الجوي لرصد تحللها وتأثير أكسيد الألومنيوم على طبقة الأوزون. البحث يكشف مخاطر بيئية محتملة مع تزايد إطلاق الأقمار الصناعية ويدعو لدراسة دقيقة لحماية الغلاف الجوي وورلد برس عربي.

شظايا مضيئة متفتتة لأقمار صناعية Tango وSamba تحترق في الغلاف الجوي فوق المحيط الهادئ ضمن دراسة بيئية لوكالة الفضاء الأوروبية.
تفكك القمر الصناعي تانغو التابع لوكالة الفضاء الأوروبية فوق المحيط الهادئ في الأول من سبتمبر 2026، وذلك برصد فريق من الباحثين من على متن طائرة خاصة.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في مشهدٍ يجمع بين الإثارة العلمية والقلق البيئي، طاردت مجموعة من الباحثين قمرَين صناعيَّين أثناء اندفاعهما نحو الغلاف الجوي للأرض، على متن طائرةٍ تجارية صغيرة، بهدف رصد ما يحدث حين تتفتّت الأقمار الصناعية وتحترق وما تتركه وراءها من مواد كيميائية في طبقات الغلاف الجوي.

القمران الصناعيان هما Tango وSamba، وكلاهما جزءٌ من كوكبة Cluster التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي ضمّت أربعة أقمار أُطلقت لدراسة تفاعل المجال المغناطيسي للأرض مع الرياح الشمسية. بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من الخدمة، أعادت الوكالة توجيه هذين القمرين نحو الغلاف الجوي بشكلٍ خاضع للسيطرة؛ فدخل Samba في 31 أغسطس 2024، وتبعه Tango في الأول من سبتمبر، وكلاهما فوق جنوب المحيط الهادئ قرب أرخبيل Tonga.

ثلاثون كاميرا في الجو لرصد لحظة الاحتراق

لم يكن المشهد من الأرض؛ فقد استقلّ ثمانية علماء طائرةً تجارية صغيرة مزوّدة بـ30 كاميرا ومطياف (spectrometer)، وأداروا أجهزتهم عبر ستّ نوافذ في جسم الطائرة. اقتربوا من القمرين حتى مسافة نحو 120 كيلومتراً، ورصدوا لحظة الدخول وهي تجري بسرعة تبلغ نحو 36,000 كيلومتر في الساعة.

يقول Jiří Šilha، الرئيس التنفيذي لشركة Astros Solutions السلوفاكية التي أجرت هذا البحث: "نريد أن نفهم ما الذي يحدث لهذه الأجسام حين تخترق الغلاف الجوي، مما يُسبّب احتكاكاً وحرارةً شديدة للغاية." وأضاف أن الرصد بدأ حين كان القمر على ارتفاع نحو 90 كيلومتراً، وانتهت الرؤية عند 65 إلى 70 كيلومتراً.

ما لفت انتباه الفريق هو المدّة الزمنية لهذه الظاهرة مقارنةً بالنيازك. يوضح Šilha: "الكُرات النارية والنيازك لا تدوم سوى ثوانٍ قليلة أو أقل. لكنّ الأقمار الصناعية أبطأ؛ فهي تدخل الغلاف الجوي بزاويةٍ أكثر انبساطاً، والغلاف يُبطّئها أكثر." وصف Šilha اللحظة الحاسمة قائلاً: "كنّا نطير نحو الجسم، وبدا في البداية كمصدرٍ مضغوط للضوء مع تبخّر المادة. ثم في لحظةٍ ما، حدث انفجارٌ مفاجئ حين تفتّت القمر الصناعي." وتابع: "لنحو ثلاثين إلى أربعين ثانيةً بعد الانفجار، يمكنك مشاهدة بنيةٍ مثيرة للاهتمام وهي جميع تلك الشظايا المختلفة تتبخّر في الغلاف الجوي. ثم تحترق جميعها أو تتباطأ."

علماء يجرون رصدًا للأقمار الصناعية المحترقة من داخل طائرة مجهزة بكاميرات وأجهزة تحليل كيميائي لدراسة تأثير الاحتراق في الغلاف الجوي.
Loading image...
باحثون داخل طائرة خاصة خلال حملة لمراقبة إعادة دخول القمر الصناعي "كلاستر تانغو" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في الأول من سبتمبر 2026. (حقوق الصورة: ييري شيلها)

الألومنيوم في الغلاف الجوي: سؤالٌ بيئي مفتوح

لكنّ الأثر الأعمق لهذا البحث لا يكمن في صور الاحتراق المذهلة، بل فيما تكشفه التحليلات الكيميائية. رصد الفريق سبعة مركّبات كيميائية أثناء تفتّت القمرين، من بينها التيتانيوم والصوديوم والبوتاسيوم والألومنيوم. هذا الأخير هو مكوّنٌ رئيسي في بنية الأقمار الصناعية، ويُشتبه في أنه يتحوّل إلى أكسيد الألومنيوم (aluminum oxide) خلال عملية الاحتراق.

المشكلة أن أكسيد الألومنيوم في الغلاف الجوي قد يُسهم في استنزاف طبقة الأوزون الاستراتوسفيرية وهو تأثيرٌ لا يزال علماء الغلاف الجوي يحاولون تقدير حجمه بدقّة. يقول Šilha: "حاولنا قياس الألومنيوم على ارتفاعاتٍ مختلفة، باستخدام مرشّحاتٍ متخصّصة، لمعرفة متى يتفاعل هذا الألومنيوم مع الغلاف الجوي." ثم يُضيف بصراحةٍ علمية لافتة: "هنا يتشكّل أكسيد الألومنيوم على الأرجح، وهذا شيءٌ لم يُرصد من قبل. لا نعرف بالضبط كيف ولا بأيّ كمياتٍ يتشكّل أكسيد الألومنيوم."

حين تصبح كوكبات الأقمار تهديداً بيئياً محتملاً

ما يمنح هذا البحث أهميةً متصاعدة هو السياق الصناعي المتسارع. تخطّط شركة SpaceX لإطلاق 100,000 قمرٍ صناعي من طراز Starlink V3 خلال العقد المقبل. إذا كان كلّ قمرٍ صناعي يُطلق كمياتٍ من أكسيد الألومنيوم عند نهاية عمره، فإنّ الأثر التراكمي على الغلاف الجوي يستحقّ دراسةً منهجية جادّة قبل أن تتحوّل الكوكبات الضخمة إلى حقيقةٍ راسخة.

تجدر الإشارة إلى أن الفريق ذاته كان قد رصد في وقتٍ سابق من سبتمبر 2024 دخول القمر Salsa القمر الثالث في كوكبة Cluster في إطار الجهود البحثية نفسها. وقد وفّرت وكالة الفضاء الأوروبية بيانات مفصّلة عن تصميم الأقمار وتركيبها، مما أتاح للباحثين مقارنة ما رصدوه بما كان متوقّعاً نظرياً. يختصر Šilha الهدف النهائي بقوله: "ستساعدنا البيانات على التحقّق من مدى توافق النماذج مع الواقع."

ما بين معادلات الفيزياء الجوية ومشاهد الاحتراق المبهرة، تبقى ثمّة فجوةٌ لم تُسدَّ بعد: كم من المواد الكيميائية تُضخّها الأقمار الصناعية المحترقة في الغلاف الجوي كلّ عام؟ وهل تتجاوز هذه الكميات حدّاً يستدعي تنظيماً دولياً؟ الإجابة لن تأتي من صورٍ مذهلة لكرةٍ نارية فوق المحيط الهادئ، بل من تحليلٍ دقيق للبيانات التي جمعها هؤلاء الباحثون الثمانية خلف نوافذ طائرةٍ تجارية صغيرة وما سيُبنى عليها من نماذج قد تُعيد تشكيل معايير صناعة الفضاء بأسرها.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية