احتراق الأقمار الصناعية وتأثيره الخفي على الغلاف الجوي
علماء يطاردون قمرين صناعيين محترقين في الغلاف الجوي لرصد تحللها وتأثير أكسيد الألومنيوم على طبقة الأوزون. البحث يكشف مخاطر بيئية محتملة مع تزايد إطلاق الأقمار الصناعية ويدعو لدراسة دقيقة لحماية الغلاف الجوي وورلد برس عربي.

في مشهدٍ يجمع بين الإثارة العلمية والقلق البيئي، طاردت مجموعة من الباحثين قمرَين صناعيَّين أثناء اندفاعهما نحو الغلاف الجوي للأرض، على متن طائرةٍ تجارية صغيرة، بهدف رصد ما يحدث حين تتفتّت الأقمار الصناعية وتحترق وما تتركه وراءها من مواد كيميائية في طبقات الغلاف الجوي.
القمران الصناعيان هما Tango وSamba، وكلاهما جزءٌ من كوكبة Cluster التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، التي ضمّت أربعة أقمار أُطلقت لدراسة تفاعل المجال المغناطيسي للأرض مع الرياح الشمسية. بعد خمسةٍ وعشرين عاماً من الخدمة، أعادت الوكالة توجيه هذين القمرين نحو الغلاف الجوي بشكلٍ خاضع للسيطرة؛ فدخل Samba في 31 أغسطس 2024، وتبعه Tango في الأول من سبتمبر، وكلاهما فوق جنوب المحيط الهادئ قرب أرخبيل Tonga.
ثلاثون كاميرا في الجو لرصد لحظة الاحتراق
لم يكن المشهد من الأرض؛ فقد استقلّ ثمانية علماء طائرةً تجارية صغيرة مزوّدة بـ30 كاميرا ومطياف (spectrometer)، وأداروا أجهزتهم عبر ستّ نوافذ في جسم الطائرة. اقتربوا من القمرين حتى مسافة نحو 120 كيلومتراً، ورصدوا لحظة الدخول وهي تجري بسرعة تبلغ نحو 36,000 كيلومتر في الساعة.
يقول Jiří Šilha، الرئيس التنفيذي لشركة Astros Solutions السلوفاكية التي أجرت هذا البحث: "نريد أن نفهم ما الذي يحدث لهذه الأجسام حين تخترق الغلاف الجوي، مما يُسبّب احتكاكاً وحرارةً شديدة للغاية." وأضاف أن الرصد بدأ حين كان القمر على ارتفاع نحو 90 كيلومتراً، وانتهت الرؤية عند 65 إلى 70 كيلومتراً.
ما لفت انتباه الفريق هو المدّة الزمنية لهذه الظاهرة مقارنةً بالنيازك. يوضح Šilha: "الكُرات النارية والنيازك لا تدوم سوى ثوانٍ قليلة أو أقل. لكنّ الأقمار الصناعية أبطأ؛ فهي تدخل الغلاف الجوي بزاويةٍ أكثر انبساطاً، والغلاف يُبطّئها أكثر." وصف Šilha اللحظة الحاسمة قائلاً: "كنّا نطير نحو الجسم، وبدا في البداية كمصدرٍ مضغوط للضوء مع تبخّر المادة. ثم في لحظةٍ ما، حدث انفجارٌ مفاجئ حين تفتّت القمر الصناعي." وتابع: "لنحو ثلاثين إلى أربعين ثانيةً بعد الانفجار، يمكنك مشاهدة بنيةٍ مثيرة للاهتمام وهي جميع تلك الشظايا المختلفة تتبخّر في الغلاف الجوي. ثم تحترق جميعها أو تتباطأ."
الألومنيوم في الغلاف الجوي: سؤالٌ بيئي مفتوح
لكنّ الأثر الأعمق لهذا البحث لا يكمن في صور الاحتراق المذهلة، بل فيما تكشفه التحليلات الكيميائية. رصد الفريق سبعة مركّبات كيميائية أثناء تفتّت القمرين، من بينها التيتانيوم والصوديوم والبوتاسيوم والألومنيوم. هذا الأخير هو مكوّنٌ رئيسي في بنية الأقمار الصناعية، ويُشتبه في أنه يتحوّل إلى أكسيد الألومنيوم (aluminum oxide) خلال عملية الاحتراق.
المشكلة أن أكسيد الألومنيوم في الغلاف الجوي قد يُسهم في استنزاف طبقة الأوزون الاستراتوسفيرية وهو تأثيرٌ لا يزال علماء الغلاف الجوي يحاولون تقدير حجمه بدقّة. يقول Šilha: "حاولنا قياس الألومنيوم على ارتفاعاتٍ مختلفة، باستخدام مرشّحاتٍ متخصّصة، لمعرفة متى يتفاعل هذا الألومنيوم مع الغلاف الجوي." ثم يُضيف بصراحةٍ علمية لافتة: "هنا يتشكّل أكسيد الألومنيوم على الأرجح، وهذا شيءٌ لم يُرصد من قبل. لا نعرف بالضبط كيف ولا بأيّ كمياتٍ يتشكّل أكسيد الألومنيوم."
حين تصبح كوكبات الأقمار تهديداً بيئياً محتملاً
ما يمنح هذا البحث أهميةً متصاعدة هو السياق الصناعي المتسارع. تخطّط شركة SpaceX لإطلاق 100,000 قمرٍ صناعي من طراز Starlink V3 خلال العقد المقبل. إذا كان كلّ قمرٍ صناعي يُطلق كمياتٍ من أكسيد الألومنيوم عند نهاية عمره، فإنّ الأثر التراكمي على الغلاف الجوي يستحقّ دراسةً منهجية جادّة قبل أن تتحوّل الكوكبات الضخمة إلى حقيقةٍ راسخة.
تجدر الإشارة إلى أن الفريق ذاته كان قد رصد في وقتٍ سابق من سبتمبر 2024 دخول القمر Salsa القمر الثالث في كوكبة Cluster في إطار الجهود البحثية نفسها. وقد وفّرت وكالة الفضاء الأوروبية بيانات مفصّلة عن تصميم الأقمار وتركيبها، مما أتاح للباحثين مقارنة ما رصدوه بما كان متوقّعاً نظرياً. يختصر Šilha الهدف النهائي بقوله: "ستساعدنا البيانات على التحقّق من مدى توافق النماذج مع الواقع."
ما بين معادلات الفيزياء الجوية ومشاهد الاحتراق المبهرة، تبقى ثمّة فجوةٌ لم تُسدَّ بعد: كم من المواد الكيميائية تُضخّها الأقمار الصناعية المحترقة في الغلاف الجوي كلّ عام؟ وهل تتجاوز هذه الكميات حدّاً يستدعي تنظيماً دولياً؟ الإجابة لن تأتي من صورٍ مذهلة لكرةٍ نارية فوق المحيط الهادئ، بل من تحليلٍ دقيق للبيانات التي جمعها هؤلاء الباحثون الثمانية خلف نوافذ طائرةٍ تجارية صغيرة وما سيُبنى عليها من نماذج قد تُعيد تشكيل معايير صناعة الفضاء بأسرها.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
