مدن الإمبراطورية الرومانية تتفوق على روما بشبكة الطرق البرية
دراسة تكشف أن مدن مثل أنطاكية والقسطنطينية كانت أكثر ارتباطاً بشبكة الطرق الرومانية من روما نفسها مما يعيد رسم خريطة التنقل والتواصل في الإمبراطورية ويبرز أهمية الموانئ البحرية في مركزية روما وورلد برس عربي.

تُرسّخ الثقافة الغربية منذ قرون مقولةً واحدة لا تكاد تُناقَش: "كلّ الطرق تؤدّي إلى روما". لكنّ دراسةً علمية نُشرت في 15 سبتمبر 2026 في مجلة Nature Communications تُقدّم ما يشبه الردّ التاريخي على هذه المقولة، وتكشف أنّ عدداً من مدن الإمبراطورية الرومانية كانت أفضل اتصالاً بشبكة الطرق البرية من العاصمة الشهيرة نفسها ومن بينها مدن تقع اليوم في قلب العالم العربي وامتداده الجغرافي.
خريطة لم تُرسَم من قبل
لفهم هذه النتائج، لا بدّ من استيعاب حجم المشروع الذي أفضى إليها. أنشأ الباحثون أطلساً رقمياً أسموه Itiner-e، وثّقوا فيه ما يقارب 186,000 ميل (300,000 كيلومتر) من الطرق الرومانية وهو ما يمثّل أشمل رسمٍ خرائطي حديث لهذه الشبكة. وقد استندوا في تحليلهم إلى الإمبراطورية في ذروتها عام 117 ميلادي، حين كانت تمتدّ على مساحة نحو 2.1 مليون ميل مربع (5.5 مليون كيلومتر مربع)، لتشمل أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأدنى.
النتيجة المفاجئة أنّ مدناً من قبيل أنطاكية (في سوريا الرومانية)، وأنقرة (أنقيرة في العهد الروماني)، والقسطنطينية (بيزنطة)، وكورنثوس، كانت جميعها أكثر ارتباطاً بشبكة الطرق البرية من روما ذاتها. وهو ما يعني أنّ من أراد التنقّل براً عبر الإمبراطورية كان يمرّ في الغالب بهذه المدن، لا بالعاصمة.
"شبه جزيرة إيطاليا ملحقٌ بالشبكة"
يقدّم توم بروغمانس، أستاذ الآثار الكلاسيكية في جامعة Aarhus الدنماركية، صورةً بالغة الوضوح حين يصف موقع روما من منظور الطرق البرية: "شبه الجزيرة الإيطالية ملحقٌ بشبكة طرق الإمبراطورية، وروما تقع في منتصف هذا الملحق."
هذه الصياغة ليست مجازاً بلاغياً، بل وصفٌ جغرافي دقيق. فالطريق البري الأكثر مركزيةً في الإمبراطورية أي الذي يمرّ بأكبر عدد من المدن ويربطها بأقصر المسالك لم يكن يمرّ بروما أصلاً. يقول بروغمانس: "حين درسنا كلّ حركة التنقّل داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأسرها، صُدمنا حين اكتشفنا أنّ الطريق الأكثر مركزيةً يتّبع في الواقع الساحل الأدرياتيكي المقابل، متجاوزاً روما كلياً."
أمّا أهمّ طريق بريٍّ وسيط على مستوى الإمبراطورية كلّها، فيصفه بروغمانس بدقّة: "يتّبع الساحل الأفريقي الشمالي والساحل الشامي مروراً بأنطاكية وقرب أنقرة، ثم يعبر إلى أوروبا عند القسطنطينية، وينتقل عبر وادي البو وميلانو إلى فرنسا." إنّه مسارٌ يربط ما نسمّيه اليوم بلاد الشام وتركيا وأوروبا في خطٍّ واحد، دون أن تكون روما محطّةً إلزامية فيه.
طرق مستقيمة، لكن ليست بمستقيمة اليوم
من الزوايا التي تلفت إليها الدراسة أيضاً طبيعة الطرق الرومانية ذاتها مقارنةً بالطرق الحديثة. فالطرق الرومانية كانت تميل إلى الاستقامة، غير أنّها لم تبلغ درجة استقامة الطرق المعاصرة، وذلك بسبب التضاريس وأساليب البناء المتاحة آنذاك. يوضّح فريق الدراسة: "بناء الطرق الحديثة يتجنّب المنعطفات الحادّة ويسعى إلى أقصى درجات الاستقامة عبر تعديل التضاريس تعديلاً جذرياً لتسهيل السير بالسيارات بسرعةٍ أكبر، وهو ما تتيحه أساليب المسح والبناء الحديثة." الرومان، في المقابل، كانوا يتعاملون مع الأرض كما هي بدرجةٍ أكبر، مما أضفى على طرقهم انحناءاتٍ تمليها الطبيعة لا الاختيار.
روما والبحر: حيث تكمن المركزية الحقيقية
لا تنفي الدراسة مكانة روما، بل تُعيد تحديد مصدرها. فالعاصمة الرومانية لم تكن قلب الشبكة البرية، لكنّها كانت على الأرجح عقدةً محوريةً في شبكة الملاحة البحرية. يقول بروغمانس: "المكانة المركزية لروما لا تعود إلى طرقها البرية، بل إلى موقعها الجغرافي في وسط البحر الأبيض المتوسط، على مفترق خطوط الشحن البحري الكبرى."
الدراسة لم تتناول الممرات المائية بالتحليل الكمّي، وهو ما يُشير إليه الباحثون صراحةً كأحد حدودها. ويوصون بإجراء أبحاث مستقبلية تدمج بيانات الطرق البرية مع بيانات الأنهار والمسالك البحرية، للحصول على صورة شاملة لكيفية تنقّل الناس والبضائع والجيوش عبر الإمبراطورية.
وهنا يكمن السؤال الذي تفتحه الدراسة أكثر مما تُغلقه: إذا كانت مدن مثل أنطاكية والقسطنطينية تحتلّ هذه المكانة في الشبكة البرية، فكيف كانت تبدو الصورة حين نضيف إليها حركة الموانئ والأنهار؟ الإجابة قد تُعيد رسم خريطة السلطة والتجارة والتواصل في العالم القديم من جديد.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
