كيف تشكل القمر في ساعات قليلة بعد الاصطدام العملاق
اكتشف كيف يمكن لاصطدام عملاق بين الأرض وجسم فضائي أن يشكل القمر في خمس ساعات فقط بناءً على حرارة الأجسام المتصادمة وهذا يغير فهمنا لتكوين القمر وأقمار الكواكب الخارجية مع وورلد برس عربي.

في غضون ساعاتٍ خمس لا أكثر، ربّما تشكل القمر الذي يضيء سماءنا كلّ ليلة هذا ما تقترحه محاكاةٌ حاسوبية جديدة نشرتها مجلة «The Astrophysical Journal Letters» في الأول من سبتمبر 2023، وهي تُعيد رسم صورةٍ كنّا نظنّها مستقرّة منذ عقود.
ضربةٌ واحدة غيّرت كل شيء
الفكرة الأساسية ليست جديدة تماماً: منذ مطلع الألفية الثالثة، تُهيمن على علم الكواكب نظريةٌ تُعرف بـ«الاصطدام العملاق» (Giant Impact Hypothesis)، مفادها أنّ جسماً بحجم المريخ يُسمّيه العلماء Theia اصطدم بالأرض الفتيّة قبل نحو 4.5 مليار سنة، وأن الحطام الناجم عن هذا التصادم التفّ حول الأرض وتجمّع تدريجياً ليُشكّل القمر. Robin Canup، عالمة الكواكب في معهد Southwest Research Institute، رسّخت هذه النظرية منذ عام 2001 من خلال سلسلة محاكاة رصدت كيف يمكن لـTheia أن تضرب الأرض بزاويةٍ مائلة فتُفرز حطاماً يدور في مدار.
لكنّ ما جاءت به الباحثة Adeene Denton وفريقها في المعهد ذاته يُضيف بُعداً لم تأخذه النماذج السابقة بالجدّية الكافية: درجة حرارة الجسمين المتصادمَين من الداخل.
الحرارة تصنع القمر أو تُؤخّره
تُوضح Denton أنّ النماذج تطوّرت لتشمل خصائص المواد الجيولوجية وصلابتها، وهو عاملٌ بالغ الأهمية عند دراسة التصادمات بين الأجسام الأصغر كالكويكبات. وتقول في هذا الصدد: «لم نكن متأكّدين ما إذا كان سيُحدث فارقاً في حالة القمر. وحين أجرينا المحاكاة، وجدنا أنّه يُحدث فارقاً كبيراً جداً».
والمنطق واضح: الكوكب الأدفأ أكثر ليونةً وأقلّ صلابةً، فيتشوّه بسهولة أكبر عند الاصطدام. وهذا يقود إلى سيناريوَين متمايزَين تبعاً لتوقيت الاصطدام:
السيناريو الأول إذا كان Theia بارداً نسبياً، أي أنّ الاصطدام وقع بعد 100 إلى 150 مليون سنة من تشكّل الكواكب، فإنّ الحطام الناتج يُكوّن حلقةً تدريجية يتجمّع منها القمر على مدى وقتٍ طويل.
السيناريو الثاني إذا كان Theia دافئاً، أي أنّ الاصطدام وقع قبل مرور 60 مليون سنة على تشكّل الكواكب، فإنّ Theia يُدمَّر كلياً، ومعظم نواته الحديدية يغوص إلى داخل الأرض، فيما يتشكّل القمر من عباءة Theia الصهارية مختلطةً بشيءٍ من عباءة الأرض وكلّ هذا في غضون خمس ساعات فحسب.
تصف Denton هذا الاكتشاف بقولها: «حين استخدمتُ المعاملات ذاتها التي استُخدمت في النماذج الأولى للاصطدام بما فيها التوزيع المتساوي لدرجات الحرارة الداخلية في كلا الجسمَين ظهر قمرٌ متماسك في غضون نحو خمس ساعات».
ماذا يعني هذا لتركيب القمر... ولأقمار الكواكب الخارجية؟
ثمّة لغزٌ قديم لم يحسمه العلماء حتى اليوم: القمر والأرض يتشاركان تركيبةً كيميائية متشابهة إلى حدٍّ لافت، لكنّهما يختلفان في بعض النظائر (Isotopes) بطريقةٍ لا تُفسّرها النماذج الحالية تفسيراً كاملاً. التشكّل السريع من مزيج عباءة Theia والأرض قد يُلقي ضوءاً جديداً على هذه المعضلة، وإن كانت الإجابة النهائية لا تزال بعيدة.
Robin Canup، التي أسّست النظرية الأصلية، ترى في هذه النتائج إمكانيةً لتحديد توقيت الحدث بدقّة أكبر، إذ تقول: «هذه النتائج المفاجئة والمثيرة تُلمح إلى وجود صلةٍ محتملة بين الخصائص الفيزيائية للقمر اليوم وربّما محتواه من المواد المتطايرة والحالة الحرارية للأرض وTheia لحظة الاصطدام العملاق. وهذا بدوره قد يساعد العلماء على تحديد متى وقع الحدث الذي أنشأ القمر».
أبعد من منظومتنا الشمسية، تترتّب على هذه النتائج تداعياتٌ تخصّ البحث عن أقمار حول الكواكب الخارجية (Exomoons). فإذا كان التشكّل السريع هو القاعدة لا الاستثناء، فإنّ أقراص الحطام المحيطة بالكواكب الصخرية الخارجية ستكون قصيرة العمر جداً بحيث يصعب رصدها. الأمر يختلف مع أقمار العمالقة الغازية، إذ تتشكّل تلك الأقمار من مواد متبقّية لا من اصطداماتٍ عنيفة، وهو مسارٌ مختلف كلياً.
ما يجعل هذه الدراسة مختلفة عن سابقاتها ليس فقط سرعة التشكّل المقترحة، بل المنهجية: إدراج خصائص المواد الجيولوجية والحرارة الداخلية في النماذج الحاسوبية يفتح باباً منهجياً لم يُوظَّف بالكامل من قبل في دراسة تكوّن الأجرام الكبرى. والسؤال المطروح الآن أمام الباحثين: هل يمكن أن تُخبرنا الخصائص الفيزيائية الراهنة للقمر كثافته، وتوزيع عناصره، ومستوى موادّه المتطايرة بما يكفي لترجيح أحد السيناريوَين على الآخر؟ الإجابة ستُعيد رسم الجدول الزمني لتاريخ الأرض المبكّر من جذوره.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
