كيف تغير العشوائية قواعد التعاون والخيانة
تغيّر العشوائية في المكافآت يعيد تشكيل نتائج ألعاب التعاون والخيانة الشهيرة مثل معضلة السجين ولعبة الجبان وحجر ورقة مقص ويكشف كيف تؤثر الظروف المتقلبة على قراراتنا في الحياة والاقتصاد والسياسة في وورلد برس عربي.

حين يختار شخصان بين التعاون والخيانة في موقفٍ واحد، تبدو المسألة بسيطة. لكنّ الحياة الحقيقية لا تُقدّم مكافآتٍ ثابتة ولا عقوباتٍ محسوبة مسبقاً فالظروف تتبدّل، والمخاطر تتفاوت، والعوامل الخارجية تتدخّل في كلّ لحظة. هذا بالضبط ما دفع باحثين إلى إعادة النظر في أحد أعرق نماذج نظرية الألعاب، بأداةٍ رياضية تُدخل العشوائية في قلب المعادلة.
نُشرت الدراسة في مجلة Physical Review Letters عام 2026، وتتناول ثلاثة ألعاب كلاسيكية معضلة السجين (Prisoner's Dilemma)، ولعبة الجبان (Chicken)، والحجر والورقة والمقص (Rock-Paper-Scissors) لكنّها تُعيد رسم قواعدها بإدخال تفاوتاتٍ عشوائية في المكافآت تأتي من خارج سلوك اللاعبين أنفسهم، لا من ردود أفعالهم المتبادلة.
معضلة السجين: هل يمكن للتعاون أن يصمد؟
معضلة السجين في صيغتها الكلاسيكية تصوّر لصَّين يُحقَّق معهما بمعزلٍ عن بعضهما، ويواجه كلٌّ منهما خياراً: التعاون مع الآخر أو الإدلاء باعترافٍ يُدينه. العقوبات تتفاوت بحسب ما يختاره كلٌّ منهما، والنتيجة الكلاسيكية التي تستقرّ عليها هذه اللعبة هي أن يختار الجميع الخيانة فيخسر الجميع في نهاية المطاف.
لكنّ النموذج الرياضي الجديد يُقلب هذه النتيجة حين يُدخل تفاوتاتٍ خارجية عشوائية في المكافآت. عند تفاوتٍ بسيط، تظهر نقطة استقرارٍ ثانية تُتيح للمتعاونين والمتخلّين عن التعاون أن يتعايشوا في وقتٍ واحد وهو سلوكٌ لم يكن ممكناً في النموذج الساكن. وحين يتصاعد التفاوت، يُزعزع الاستقرار موقف المتخلّين تماماً، فلا يبقى إلّا المتعاونون.
هذا التحوّل ليس تفصيلاً تقنياً. فالنماذج الاقتصادية التي تعتمد على نظرية الألعاب تفترض تقليدياً مكافآتٍ ثابتة، وهو افتراضٌ يُقلّص قدرتها على محاكاة القرارات الحقيقية التي تواجه عوامل خارجية لا يملك الأفراد السيطرة عليها.
لعبة الجبان والحرب الباردة: درسٌ لم يُستوعب بعد
لعبة الجبان تُمثّل سيناريو المواجهة: يتّجه سائقان نحو بعضهما، ومن يُحوّل المقود أوّلاً يُعدّ «جباناً»، ومن لا يُحوّل يُعدّ بطلاً إلّا إذا لم يُحوّل كلاهما، فتكون الكارثة. في غياب أيّ تفاوتٍ في المكافآت، يستقرّ النموذج على أن يتحاشى الجميع الاصطدام. لكنّ إدخال تفاوتٍ بسيط يجعل بعض اللاعبين يرفضون التحاشي، وزيادة التفاوت تُفضي إلى حالةٍ ثنائية الاستقرار (bistable) يتأرجح فيها النظام بين البقاء والاصطدام.
وقد أشير إلى أنّ هذه اللعبة كانت في جوهرها استراتيجية الحرب الباردة، معلّقاً بقوله: "نظراً لأنّ لعبة الجبان كانت في جوهرها استراتيجية الحرب الباردة، فأنا أزداد دهشةً أنّنا جميعاً نجونا لنواجه تحدّيَنا الوجودي التالي."
الحجر والورقة والمقص: دوراتٌ لا تنتهي... أو ربّما تنتهي
لعبة الحجر والورقة والمقص لا تمتلك في صيغتها الكلاسيكية أيّ نقطة استقرار؛ يتنقّل اللاعبون باستمرار بين الاستراتيجيات في دورةٍ لا تتوقّف. لكنّ إدخال تغيّراتٍ عشوائية في المكافآت يُولّد نقاط استقرارٍ جديدة ونقاط عدم استقرار لم تكن موجودة، وأحياناً يُنتج ما يُسمّى «دورات الحدّ» (limit cycles) التي تتطوّر فيها احتمالات الاستراتيجيات بصورةٍ متوقّعة. وتظهر هذه الدورات تحديداً حين تكون المكافآت غير متكافئة، كأن يكون الفوز بالحجر على المقص أعلى عائداً من الفوز بالورقة على الحجر.
ماذا تعني هذه النتائج؟
ما يُميّز هذه الدراسة عن سابقاتها هو طبيعة التفاوت الذي تُدخله. الأبحاث السابقة عدّلت المكافآت بناءً على سلوك اللاعبين في الجولات السابقة أي أنّ التغيير كان داخلياً ومرتبطاً بالتفاعل. أمّا هنا، فالتفاوت خارجيٌّ وعشوائيٌّ في كلّ جولة، وهو ما يُقرّب النموذج من طبيعة القرارات الفعلية في الاقتصاد والسياسة والسلوك الاجتماعي.
وقد لخّص المصدر الإشكالية بصراحة: "لطالما كنتُ متشكّكاً ربّما بشكلٍ مبالغ فيه في الاستنتاجات المستخلصة من هذه الألعاب، وأعتقد أنّ هذه الورقة البحثية توضّح صراحةً لماذا أفتقر الثقة في هذه النماذج." ثمّ أضاف: "لكنّ النتائج هنا تُشير أيضاً إلى مسارٍ للأمام، حيث تتكرّر في الألعاب البسيطة نسبياً الديناميكيات الأكثر ثراءً التي نلاحظها في الحياة الواقعية."
وربّما تبقى الفكرة الأعمق في عبارةٍ أخرى وردت في المصدر: "قد تكون الألعاب هي الحياة مع إزالة كلّ الأجزاء الصعبة، لكنّها توفّر وسيلةً لدراسة سبب اتّخاذ الناس للقرارات التي يتّخذونها."
السؤال الذي تتركه الدراسة مفتوحاً هو: إذا كانت نماذجٌ بسيطة نسبياً قادرةً على محاكاة ديناميكيات التعاون والمنافسة حين تُضاف إليها عشوائية المكافآت، فكم من النتائج التي بنى عليها الاقتصاديون وعلماء السياسة استنتاجاتهم كانت قائمةً على افتراضٍ ساكن لا يعكس العالم كما هو؟ يمكن الاطّلاع على الدراسة كاملةً عبر رابط DOI المنشور في Physical Review Letters.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
