الجاذبية تلتقي بالكم تجربة تغير فهم الكون
تجربة جديدة تثبت أن الجاذبية تؤثر فعلياً على الجسيمات الكمّية وتدعم مبدأ التكافؤ لأينشتاين في عالم الكمّ، خطوة مهمة نحو توحيد النسبية العامة وميكانيكا الكم في فهم أعمق للكون مع وورلد برس عربي.

منذ أن صاغ Albert Einstein نظريته في النسبية العامة مطلع القرن العشرين، وعلماء الفيزياء يصطدمون بجدارٍ صلب: كيف يمكن أن تتعايش هذه النظرية مع ميكانيكا الكم في إطارٍ نظري واحد؟ الجدار لا يزال قائماً، لكنّ تجربةً نُشرت في 2 سبتمبر 2020 بمجلة Science Advances فتحت فيه شقّاً لافتاً للمرة الأولى، رصد الباحثون أثرَ الجاذبية على جسيمٍ كمّي بطريقةٍ تُثبت أنّ مبدأ التكافؤ الأينشتايني ينطبق على العالم الكمّي.
ما الذي جرى بالضبط في المختبر؟
أجرى التجربة فريقٌ بقيادة Ron Folman من جامعة Ben-Gurion University of the Negev. الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنّ تنفيذها بالغ الدقة: أخذ الباحثون ذرّات الروبيديوم وبرّدوها حتى اقتربت من الصفر المطلق، ثم وضعوها في حالة التراكب الكمّي وهي الخاصية التي تتيح للجسيم أن يكون في حالتين أو مكانين في آنٍ واحد. انقسمت الموجة الكمّية لكلّ ذرّة إلى مسارين: أُبقي أحدهما ثابتاً بفعل مجالاتٍ مغناطيسية، بينما تُرك الآخر يسقط بحرية تحت تأثير الجاذبية.
حين أُعيد توحيد المسارين، قاس الباحثون التداخل بين الموجتين وهو ما يُعرف في الفيزياء بالتداخل الكمّي . هذا التداخل حمل بصمة الجاذبية على الطور الكمّي للذرّة، ما يعني أنّ الجاذبية بتسارعها المعروف البالغ 9.8 متر في الثانية المربّعة على سطح الأرض، تُحدث أثراً قابلاً للقياس في سلوك جسيمٍ كمّي. الجهاز المستخدم في هذه التجربة يُعرف بمقياس التداخل الكمّي الغاليلي.
لماذا يهمّ هذا الإنجاز؟
النسبية العامة تصف الجاذبية على المقاييس الكبرى: الكواكب والنجوم والمجرّات. أمّا ميكانيكا الكم فتصف سلوك المادة على المستوى الذرّي ودون الذرّي. المشكلة أنّ القواعد الرياضية التي تحكم كلاً منهما تبدو متنافرتين حين تُجمعان في معادلةٍ واحدة وهذا التنافر هو أحد أعمق الألغاز في الفيزياء الحديثة.
ما أثبتته هذه التجربة هو أنّ مبدأ التكافؤ الفكرة الجوهرية عند Einstein والتي تقول إنّ الجاذبية والتسارع لا يمكن تمييزهما في السقوط الحرّ يسري على الجسيمات الكمّية أيضاً. وصف Folman هذا الإنجاز بقوله: «هذه ورقةٌ بحثية فريدة من نوعها، بمعنى أنّها تجمع بين تجربةٍ عسيرة التنفيذ وتفسيرٍ نظري بعيد الأثر، حول إحدى أعمق الأسئلة في الفيزياء: كيف يمكن توحيد الجاذبية التي تصفها نظرية Einstein في النسبية، وميكانيكا الكم، في فهمٍ واحد للكون؟»
وأضاف في السياق ذاته: «هذان الركيزتان من الفيزياء الحديثة أفلتتا حتى الآن من كل محاولاتٍ للتوحيد في إطارٍ نظري واحد، لكنّ هذه التجربة المعقّدة تمنحنا مزيداً من الإشارات حول كيفية تحقيق هذا التوحيد.»
أمّا عضو الفريق Vlatko Vedral، فأشار إلى أنّ الفيزياء الكمّية لم تُثبت حتى الآن أيّ إخفاق في تنبّؤاتها، إذ قال: «لا نملك نظريةً متسقة تخبرنا لماذا ينبغي أن تفشل فيزياء الكم»، مضيفاً أنّ «هذه التجربة تدفع بميكانيكا الكم نحو إحدى أكثر حدودها إثارةً للاهتمام الجاذبية وتُثبت أنّ تنبّؤاتها تصمد مرّةً أخرى.»
إلى أين يتّجه البحث؟
التحدّي الذي يواجهه الفيزيائيون ليس في غياب الأدلّة التجريبية فحسب، بل في صياغة إطارٍ رياضي متماسك يُوفّق بين النظريتين. ما قدّمته هذه التجربة هو دليلٌ تجريبي منشور على أنّ الجاذبية لا تُعطّل الخصائص الكمّية للمادة، وهو ما يُضيق دائرة الاحتمالات أمام من يبحثون عن نظريةٍ موحّدة. لكنّ المسافة بين «الجاذبية تؤثّر في الجسيمات الكمّية وفق ما توقّعناه» وبين «لدينا نظريةٌ موحّدة للكون» لا تزال شاسعة وهذا ما يجعل كلّ خطوةٍ من هذا القبيل ثمينةً بالقدر ذاته.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
