اكتشاف التشابك الكمّي في جسيمات افتراضية جديدة
اكتشاف جديد في مسرّعة الجسيمات LHC يكشف عن التشابك الكمّي بين بوزونَي Z من بوزون Higgs، بما يشير إلى وجود جسيم افتراضي يشارك في التشابك. خطوة مهمة نحو فهم أعمق للفيزياء الكمّية ومستقبل الحوسبة الكمّية في وورلد برس عربي.

في مسرّعة الجسيمات الكبيرة LHC التابعة لمنظمة CERN، حيث تتصادم الجسيمات بسرعاتٍ تقترب من سرعة الضوء، رصد علماء الفيزياء ظاهرةً تُعيد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الواقع الكمّي: دليلٌ قوي على وجود التشابك الكمّي بين زوجٍ من بوزونات Z الناتجة عن تحلّل بوزون Higgs. ما يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً ليس التشابك في حدّ ذاته، بل أنّ هذه الجسيمات تنتمي إلى فئةٍ لم يُقَس فيها التشابك من قبل، وأنّ أحدها على الأرجح جسيمٌ افتراضي لا يمكن رصده بشكلٍ مباشر.
ما الذي رصده العلماء بالضبط؟
بوزون Higgs جسيمٌ معروف بكتلته البالغة نحو 125 GeV وبعدم امتلاكه أي لفٍّ ذاتي (zero spin). حين يتحلّل، يُنتج أحياناً زوجاً من بوزونات Z، غير أنّ كتلة كلٍّ منهما تبلغ نحو 91 GeV، ما يعني أنّ مجموعهما يتجاوز كتلة الأمّ. هذا التناقض الظاهري يُحلّه الفيزيائيون بالقول إنّ أحد الزوجين على الأقل يجب أن يكون «افتراضياً» أي أنّه يظهر للحظةٍ عابرة خلال التفاعل دون أن يكون جسيماً حرّاً يمكن قياسه مباشرةً.
المشكلة الأخرى أنّ عمر بوزون Z قصيرٌ بشكلٍ مذهل: نحو 3 × 10^-25 ثانية فحسب، وهو ما يجعل قياس لفّه الذاتي مستحيلاً بصورةٍ مباشرة. لذا لجأ الباحثون إلى منهجٍ غير مباشر: كلّ بوزون Z يتحلّل بدوره إلى لبتونَين مشحونَين إلكترونَين أو ميوونَين فتُنتج كلّ حادثة أربعة لبتونات في المجموع. من خلال تحليل اتجاهات هذه اللبتونات الأربعة، يمكن استنتاج معلومات اللفّ الذاتي للبوزونَين الأصليَّين، ومن ثمّ البحث عن بصمة التشابك.
درس الفريق نحو 400 حادثة من هذا النوع Higgs بوزونَي Z إلى أربعة لبتونات جُمعت على مدار سنواتٍ من تشغيل المسرّع. بلغت أهمية الإشارة الإحصائية 4.7 سيغما، وهي قريبةٌ جداً من عتبة 5 سيغما التي يعتمدها الفيزيائيون تقليدياً معياراً للإعلان عن اكتشافٍ رسمي، وإن كانت تُصنَّف رسمياً في خانة «الدليل القوي». نُشرت النتائج في مجلة Physical Review Letters.
لماذا تُعدّ الـ qutrits خطوةً مختلفة؟
في فيزياء الكمّ، يُعبَّر عن الجسيمات ذات الحالتَين الممكنتَين للفّ الذاتي بمصطلح «كيوبت» (qubit)، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الحوسبة الكمّية الحديثة. أمّا بوزون Z فيمتلك ثلاث حالات للفٍّ ذاتي، ما يجعله «كيوتريت» (qutrit) نظاماً ثلاثي الحالات أكثر تعقيداً.
في عام 2024، أعلن تعاون ATLAS في LHC عن أوّل رصدٍ للتشابك الكمّي بين زوجٍ من الكواركات العلوية (top quarks)، وهي جسيماتٌ ذات حالتَين للفّ (كيوبتات). أمّا الدراسة الراهنة فتتجاوز ذلك إلى عالم الكيوتريتات، وهو ما يُثمّنه خوان أنطونيو أغيلار-سافيدرا، الفيزيائي في معهد الفيزياء النظرية بإسبانيا، إذ يقول: «لفّا بوزونَي Z متشابكان بشكلٍ بالغ، وبدرجةٍ أكبر بكثير مما كان عليه الحال مع الكوارك-نقيضه الذي قِيس سابقاً». ويُضيف: «وهذا يُشكّل فارقاً مهمّاً آخر، لأنّ هذه هي المرّة الأولى التي يُقاس فيها التشابك مع جسيماتٍ أوّلية هي كيوتريتات».
سؤالٌ فلسفي في قلب التجربة
يفتح هذا الرصد باباً لسؤالٍ أعمق: هل الجسيمات الافتراضية موجودةٌ فعلاً، أم أنّها مجرّد أداةٍ رياضية نستخدمها لتيسير الحسابات؟ الفيزياء التقليدية تعاملت معها دائماً باعتبارها «وسيطاً» في التفاعلات لا كياناتٍ مستقلة. لكنّ حقيقة أنّ جسيماً افتراضياً يبدو قادراً على المشاركة في التشابك الكمّي وهو ظاهرةٌ تربط خصائص جسيمَين بحيث لا يمكن وصف أيٍّ منهما باستقلالية تُعقّد هذه الصورة.
يُلخّص أغيلار-سافيدرا الإشكالية بصراحة: «يمكن للمرء أن يتساءل: هل الجسيمات الافتراضية موجودة، أم أنّها بناءٌ ذهني نستخدمه لحساب الأشياء؟» ثمّ يلجأ إلى تشبيهٍ طريف: «إذا كان يمشي كالبطّة ويصدر صوت البطّة، فما نراه لا بدّ أن يكون بطّة. في هذه الحالة، بطّةٌ افتراضية».
الإشارة إلى «الفعل المخيف عن بُعد» العبارة التي أطلقها أينشتاين على التشابك الكمّي ساخراً لا تزال تتردّد في كلّ مرّة يُثبت فيها العلم أنّ الظاهرة أوسع ممّا كنّا نظنّ. ما بدأ كاعتراضٍ فلسفي بات اليوم موضوع قياسٍ تجريبي في أضخم مسرّع جسيمات في العالم.
ما الذي يعنيه هذا لمستقبل الفيزياء الكمّية؟
الأهمية العملية لهذا الاكتشاف تتجاوز الجدل الفلسفي. قياس التشابك في أنظمة الكيوتريتات يفتح أفقاً جديداً في فيزياء الجسيمات، إذ إنّ الأنظمة الثلاثية الحالات تحمل قدراً أكبر من المعلومات مقارنةً بالكيوبتات الثنائية. كما أنّ التحقّق من أنّ الجسيمات الافتراضية تُشارك في التشابك إن تأكّد بمعايير الاكتشاف الكامل سيُلزم الفيزيائيين بإعادة النظر في الصورة المفاهيمية لهذه الجسيمات العابرة.
الخطوة التالية ستكون جمع بياناتٍ أكثر لرفع الأهمية الإحصائية فوق عتبة الـ 5 سيغما، وهو ما يحتاج إلى مزيدٍ من دورات التشغيل في LHC. حتى ذلك الحين، يقف العلم أمام «بطّةٍ افتراضية» تمشي بخطواتٍ واثقة نحو الاعتراف الرسمي.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
