مقاومة الفلسطينيين بين البقاء والاستسلام
تستمر معاناة الفلسطينيين في غزة، حيث يواجهون خيارًا قاسيًا بين المقاومة أو الموت البطيء. المقال يستعرض كيف تُستخدم أزمة غزة كأداة للضغط، ويكشف عن المخاطر الحقيقية وراء نزع سلاح المقاومة.

الوضع الراهن للفلسطينيين في غزة
-بعد مرور أربعة أشهر على آخر وقف لإطلاق النار في غزة، لا يزال الفلسطينيون يموتون نتيجة العدوان الإسرائيلي.
إن لم يكن بالرصاص والغارات الجوية، فبسبب الشتاء البرد والمطر وسوء التغذية. ومع فشل إسرائيل في استخدام مبدأ جباليا بشكل فعال، وارتكابها الإبادة الجماعية لإجبارهم على الاستسلام، فقد تحولت الآن إلى الأزمة الإنسانية كأداة رئيسية للإخضاع.
والخيار المطروح على الفلسطينيين قاسٍ: إما أن تتنازلوا عن حقكم في المقاومة المسلحة أو الموت البطيء والصامت.
خلال ذروة الحرب، استخدمت إسرائيل قضية الأسرى كسلاح لتبرير التطهير العرقي في غزة. واليوم، تستخدم إسرائيل سلاح المقاومة كذريعة للإبقاء على معاناة الفلسطينيين، مما يؤدي إلى استسلامهم الجسدي والروحي.
فالولايات المتحدة وإسرائيل كلتاهما تطالبان صراحةً بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية كشرط أساسي لإعادة إعمار غزة، وتضعان المقاومة في الزاوية وتخيّرها بين البقاء البيولوجي للمجتمع الفلسطيني وبقاء القضية الفلسطينية.
وفي حين تُقدَّم مطالب نزع السلاح كثمن معقول للتخفيف من الأوضاع المريعة في غزة، إلا أنها في الواقع تهدف إلى إنهاء مهمة التطهير العرقي.
فالهدف ليس فقط إزالة كلفة الاحتلال الإسرائيلي، بل أيضًا تصعيد عملية الاستعمار الاستيطاني للقضاء على السكان الأصليين على جميع المستويات.
وبالنسبة للفلسطينيين، فإن الموافقة على نزع السلاح يعني انتحارًا وطنيًا.
تأثير نزع السلاح على المقاومة الفلسطينية
على مدار عامين من الحرب الطاحنة، استخدمت إسرائيل أحداث 7 أكتوبر والأسرى الإسرائيليين كسلاح لتبرير القتل الجماعي للمدنيين والتدمير المنهجي للمجتمع المدني، بما في ذلك قصف المستشفيات والمدارس والكنائس والمساجد والمباني السكنية.
كانت نقطة الحديث التي تلجأ إليها إسرائيل بعد كل جريمة هي استهداف أنفاق حماس كعمل من أعمال الدفاع عن النفس وتحرير الأسرى الإسرائيليين.
ومع إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين، تستمر إسرائيل في إبادة غزة من خلال تحويل الهدف إلى سلاح المقاومة.
وبما أن العدد المحدود من الأسرى جلب لإسرائيل عامين من الحرب، فإن سلاح المقاومة يمكن أن يشتري وقتاً غير محدود. فطالما بقيت بندقية أو حتى سكين مطبخ في غزة، يمكن لإسرائيل أن تواصل الإبادة الجماعية تحت ذريعة نزع السلاح.
هذا التشديد على نزع السلاح عند الحديث عن "اليوم التالي" هو جزء لا يتجزأ من المشروع الصهيوني لسحق روح المقاومة الفلسطينية.
فقد نظّر مؤسسو الصهيونية، استنادًا إلى الإرث الاستعماري الأوروبي، إلى أن التدمير والتهجير شرطان أساسيان لبناء دولة إسرائيل. وعلى خطى المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأوروبية في الولايات المتحدة وأستراليا، فإن الصهيونية هي مشروعٌ صفري من الناحية الهيكلية: هناك مساحة لشعبٍ واحد ودولة واحدة فقط.
وبما أن الاستعمار الاستيطاني يقوم أساسًا على سرقة الأرض وإحلال المستوطنيين محل السكان الأصليين، فقد أسس الصهاينة دولة إسرائيل عام 1948 بقتل آلاف الفلسطينيين وتدمير أكثر من 500 بلدة، مما أدى إلى تهجير ما لا يقل عن 80% من سكان تلك الأرض لإفساح المجال للمستوطنين الأوروبيين الجدد.
بالإضافة إلى التصفية الجسدية للسكان الأصليين من خلال التطهير العرقي، يتطلب الاستعمار الاستيطاني قطع أي صلة بين السكان الأصليين والأرض. فإسرائيل ملتزمة بمحو تاريخ وثقافة وهوية السكان الأصليين.
عملية التهجير والتطهير العرقي
ويتجلى ذلك بوضوح في مشروع إسرائيل المستمر لتهويد القدس، وهي عملية إزالة الطابع الإسلامي والمسيحي للمدينة واستبداله بطابع يهودي.
بدءًا بالهندسة الديموغرافية، والاستيلاء على منازل الفلسطينيين ومحالهم التجارية، والتوسع الاستيطاني، وإعادة تسمية الشوارع من العربية إلى العبرية، أصبحت القدس غير مألوفة لدى المواطن الأصلي.
وعلى الرغم من هذه الجهود الرامية إلى التعجيل بالتهجير، يحافظ الفلسطينيون بنشاط على روابطهم التاريخية والثقافية والروحية بالتراب.
وقد أدى صمود الفلسطينيين في غزة في مواجهة هذه الأهوال إلى تحويل المستعمر استراتيجيته نحو "التهجير" المعنوي والنفسي. وهنا يوظف المستعمر تكتيكات مكافحة التمرد المتمحورة حول السكان، بما في ذلك الإبادة الجماعية، للقضاء على البنية التحتية الشعبية للمقاومة المسلحة.
ولهذا السبب اعتُبر السابع من أكتوبر تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، إذ أثبت أن أكثر من 75 عامًا من التطهير العرقي المنهجي قد فشل في قتل إرادة "السكان الأصليين" وخيالهم وقدرتهم على المقاومة ورفض المحو.
ونتيجةً لذلك، واجه المشروع الصهيوني إدراكًا صارخًا بأن الفلسطينيين في غزة لم ينكسروا رغم مرور 17 عامًا من الحصار، مصحوبًا بسجنٍ مفتوحٍ عالي التقنية وحميةٍ غذائيةٍ محسوبة السعرات الحرارية. لقد حطمت غزة أسطورة المواطن الأصلي المهزوم، وأثبتت أن الفلسطينيين فاعلون سياسيون صامدون قادرون على النضال من أجل حريتهم وتحريرهم.
ومن أجل استعادة صورتها "التي لا تُقهر"، شرعت إسرائيل في عملية إبادة جماعية تهدف إلى تدمير ليس فقط البنية التحتية للمقاومة بل الروح التي تحركها.
لقد كانت أهوال الإبادة الجماعية في غزة مقصودة، وكان الهدف منها جعل ثمن المقاومة باهظًا بشكل لا يمكن تصوره لدرجة أن يعتقد السكان الأصليون أن حمل السلاح، أو حتى إيواء روح التحدي، هو السبب المباشر في تدميرهم المادي.
وعلى الرغم من أن المقاومة المسلحة في غزة لم تستطع إيقاف آلة الإبادة الصهيونية، إلا أنها جعلتها مكلفة مادياً ومعنوياً.
تحلم إسرائيل باستعمار بلا تكلفة حيث يمكنها أن تدير السكان الأصليين كرعايا بيولوجيين بدلًا من رعايا سياسيين، وتدير موتهم بوسائل غير مكلفة مثل الحد من السعرات الحرارية بدلًا من إلقاء القنابل.
تهدف حملة التجريد من السلاح في جوهرها إلى تجريد الفلسطينيين من الإرادة والأدوات اللازمة لمقاومة استعبادهم، مما يجعلهم كائنات بيولوجية بلا حقوق أو تطلعات سياسية.
التحولات في الهوية الفلسطينية
لقد تشبث الفلسطينيون بحقهم في المقاومة منذ ما قبل وعد بلفور لأنها تبقى وسيلتهم الوحيدة لوقف استعمارهم هيكليًا ورفض دورهم المنوط بهم كضحايا سلبيين. وفي مواجهة هيكلية الإقصاء الدائم، تصبح المقاومة المسلحة ضرورة هيكلية للبقاء على قيد الحياة، جسديًا ومعنويًا.
المقاومة كضرورة للبقاء
وفي مواجهة الفظائع الصهيونية في ظل الإفلات من العقاب السياسي والقانوني الدولي، إلى جانب الدعم الغربي غير المشروط، لا يبقى أمام الفلسطينيين خيار سوى الاعتماد على المقاومة لحماية أنفسهم.
عندما يتم تجريدهم من إنسانيتهم من خلال خطاب التجريد من الإنسانية والعنف الجسدي، يرد الفلسطينيون، مثلهم مثل جميع السكان الأصليين المستعمرين، باستعادة إنسانيتهم وتأكيد وكالتهم السياسية من خلال المقاومة. المقاومة ضرورة جسدية ونفسية للبقاء على قيد الحياة.
على الرغم من أن الفلسطينيين يواجهون خيارًا وحشيًا بين الحصول على الاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الماء النظيف والطعام والمنزل، أو الاحتفاظ بأسلحتهم، إلا أن الواقع هو أن كلا الخيارين يؤديان إلى القهر أو الموت.
إن نزع السلاح ليس مجرد قرار بالتوقف عن المقاومة. بل هو محو لمطالبة السكان الأصليين بالأرض، ومنح إسرائيل الشرعية والسلطة الكاملة على الأرض وحياة السكان الأصليين.
خيارات الفلسطينيين في ظل الاحتلال
وفي نهاية المطاف، فإن التخلي عن الحق في حمل السلاح في مواجهة عملية إقصاء عنيفة ودائمة هو استسلام كامل للمصير الذي رسمه الاستعمار الاستيطاني.
التداعيات القانونية والسياسية لنزع السلاح
شاهد ايضاً: ترامب سيعلن عن قوة إعادة الإعمار والاستقرار في غزة بقيمة "عدة مليارات" في 19 فبراير: تقرير
على غرار قصة اللاجئين الفلسطينيين في رواية غسان كنفاني رجال في الشمس الذين اختنقوا بصمت في شاحنة صهريج لأنهم كانوا خائفين جدًا من الطرق على جدران الخزان، يواجه الفلسطينيون اليوم واقعًا مشابهًا: إما أن يستمروا في الطرق على الجدران حتى تحقيق التحرير، أو يموتوا بصمت.
أخبار ذات صلة

قادة الاتحاد الأوروبي يدينون "مجلس السلام" الذي اقترحه ترامب في مؤتمر ميونيخ

8000 جثة في غزة لا تزال تحت الأنقاض
