المجاعة في غزة بين الواقع والسياسة المظلمة
تُصوّر غزة كحالة طوارئ إنسانية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. المجاعة والتدمير نتيجة سياسات إسرائيلية ممنهجة، لا مجرد ظروف مؤسفة. اكتشف كيف يُستخدم التأطير الإنساني لتجاهل المسؤولية السياسية عن معاناة الفلسطينيين.

غزة: أزمة إنسانية أم إبادة جماعية؟
بعد عامين من الإبادة الجماعية، أعاد العالم صياغة غزة بالكامل تقريبًا باعتبارها حالة طوارئ إنسانية. وتهيمن صور الأطفال الجائعين، والخيام التي ترفرف في مهب الريح، وطوابير الحصول على المياه، وشاحنات المساعدات المتوقفة على المعابر على التغطية الإعلامية.
هذه الصور حقيقية. والمعاناة حقيقية. لكن التأطير مضلل إلى حد كبير.
فغزة ليست منطقة كوارث طبيعية. إنها ليست أرضًا منكوبة بالجفاف تنتظر المطر، ولا مدينة سوّى بها زلزال ضربها دون سابق إنذار أو مسؤولية.
شاهد ايضاً: 8000 جثة في غزة لا تزال تحت الأنقاض
إن ما يحدث في غزة هو نتيجة متعمدة لقرارات سياسية واستراتيجيات عسكرية ونظام هيمنة طويل الأمد. إن التعامل معها كأزمة إنسانية في المقام الأول ليس فقط غير دقيق، بل هو شكل من أشكال المحو.
هذا التأطير ليس عرضيًا ولا بريئًا. فهو يحجب المسؤولية، ويتجاهل التاريخ، ويحمي إسرائيل من المساءلة بتحويل الجريمة السياسية إلى مشكلة تقنية تتعلق بالإغاثة والخدمات اللوجستية.
يجري تدمير غزة من خلال حملة إسرائيلية ممنهجة من العنف العسكري والحصار والعقاب الجماعي التي تنفذها إسرائيل مع علمها التام بعواقبها. إن التعامل مع هذا الواقع كمسألة إنسانية وليس كجريمة سياسية يشوه السبب والحل على حد سواء.
فاللغة الإنسانية، عندما تنفصل عن المساءلة السياسية، تصبح أداة لنزع الطابع السياسي. فهو يحول الانتباه من الجناة إلى الأعراض، ومن الأسباب إلى العواقب، ومن العدالة إلى الخدمات اللوجستية.
المجاعة المدبرة في غزة
تحل الطرود الغذائية محل الحقوق. وتحل الخيام محل المنازل. وتحل قوافل المساعدات محل الحرية. في هذا التأطير، يتم اختزال الفلسطينيين إلى متلقين سلبيين للصدقة، بدلًا من أن يكونوا موضوعًا لنضال سياسي امتد لأكثر من قرن.
تصبح هذه اللغة الإنسانية خطيرة عندما تحل محل الحقيقة السياسية. عندما يتم تأطير غزة كموقع "للحاجة"، بدلًا من أن تكون موقعًا للقمع، تختفي إسرائيل من القصة. يصبح الجوع حالة مؤسفة بدلًا من أن يكون سلاحًا. ويصبح الدمار "دمارًا للبنية التحتية" بدلًا من الاستهداف المتعمد. يتحول الفلسطينيون من شعب يقاوم الاستعمار إلى شعب ينتظر المساعدة.
كيف يتم تأطير المجاعة في غزة؟
غالبًا ما يتم تأطير المجاعة في غزة على أنها نتيجة الندرة أو الظروف المؤسفة. ولكن الجوع في غزة هو أمرٌ مُدبّر. إن وصف ذلك بأنه حالة طوارئ إنسانية دون تسميته كسلاح هو مشاركة في كذبة خطيرة.
فقد فرضت إسرائيل حصارًا شاملًا، وقيدت دخول المواد الغذائية، ودمرت الأراضي الزراعية، واستهدفت المخابز، وحدّت من الوقود، وفككت سلاسل الإمدادات الغذائية. وحذرت المنظمات الدولية مرارًا وتكرارًا من المجاعة، ومع ذلك تواصل إسرائيل تنظيم السعرات الحرارية والمعابر ووصول المساعدات كأدوات للسيطرة.
إن تسمية هذه الأزمة بالأزمة الإنسانية دون تسمية إسرائيل كمرتكبها هو إخفاء للنية. المجاعة في غزة ليست مجرد فشل في إيصال المساعدات؛ بل هي سياسة تفرضها إسرائيل.
وينطبق الأمر نفسه على التدمير. لقد تم محو أحياء بأكملها ليس عن طريق الصدفة، بل عن طريق القصف الإسرائيلي المستمر. وقد تم استهداف المستشفيات والجامعات وآبار المياه وشبكات الصرف الصحي والمرافق البلدية بشكل منهجي.
التدمير المنهجي للبنية التحتية
وقد تبنت العقيدة العسكرية الإسرائيلية علانية تدمير البنية التحتية المدنية كوسيلة للضغط. إن وصف هذا الأمر بـ "الانهيار العمراني" أو "أضرار ما بعد الحرب" يجرد العنف من فاعليته. فالبنية التحتية لا تنهار من تلقاء نفسها. بل يتم تدميرها.
كما أن التأطير الإنساني يخلق أيضًا إحساسًا زائفًا بالوقتية. فهو يوحي بأن معاناة غزة هي لحظة استثنائية يمكن أن تستقر إلى حين استئناف الحياة الطبيعية. ولكن إسرائيل ضمنت أنه لن يكون هناك "ما بعد".
إستراتيجية الحصار والإبادة
فالحصار يسبق هذه الإبادة الجماعية، وقد أوضحت إسرائيل عزمها على منع إعادة الإعمار أو الحكم الذاتي السياسي أو التعافي. فالمساعدات في ظل هذه الظروف لا تحل أزمة، بل تدير حالة دائمة من الدمار.
ولهذا السبب فإن الدعوات لمزيد من المساعدات، رغم أنها مفهومة أخلاقياً، إلا أنها غير كافية سياسياً. يمكن للمساعدات أن تُبقي الناس على قيد الحياة؛ ولكن لا يمكنها أن تمنحهم حياة تستحق العيش. ولا يمكنها استعادة الكرامة أو السيادة أو الأمان. ولا يمكنها إعادة بناء مجتمع تحت حصار دائم.
تشويه الحقائق والأخلاق
والأسوأ من ذلك أنه عندما تحل المساعدات محل العمل السياسي، فإنها يمكن أن تجعل الظلم أمرًا طبيعيًا من خلال جعله قابلاً للعيش. وعندما تصبح المساعدات الإنسانية هي الاستجابة الدولية الرئيسية، فإنها تسمح لإسرائيل وحلفائها بتقديم أنفسهم كجهات فاعلة معنية بدلًا من أن يكونوا جناة وعناصر تمكينية.
هناك تشويه أخلاقي عميق في العمل. إذ يُتوقع من الفلسطينيين أن يكونوا ممتنين للمساعدات التي تقدم لهم تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما تواصل إسرائيل قصفهم وتجويعهم وتشريدهم. تتم إعادة صياغة مقاومتهم على أنها نكران للجميل أو تطرف. ويتحول السؤال من "لماذا تفعل إسرائيل ذلك" إلى "لماذا لا يستطيع الفلسطينيون البقاء على قيد الحياة؟ هذا التحول ليس محايدًا، بل هو سياسي.
كيف يتم تصوير الفلسطينيين؟
ويصل هذا التشويه إلى مستوى يكاد يكون عبثيًا عندما يتم تصوير المطالب الفلسطينية بشكل كاريكاتوري على أنها مادية بحتة كما لو أن أهل غزة تحملوا التشريد والنفي والقصف والمحو لأجيال لمجرد تأمين ثلاث وجبات في اليوم وخيمة ذات نوعية أفضل. هذا التأطير يجرد النضال الفلسطيني من جوهره الأخلاقي.
كما أن هناك عنفًا معرفيًا في السرديات الإنسانية فقط، مما يضيّق نطاق ما يعتبر "معرفة ذات صلة". يتم إزاحة الأطر القانونية والمسؤولية التاريخية والاستمرارية الاستعمارية وعدم تكافؤ القوى لصالح المقاييس: توصيل السعرات الحرارية، والسماح للشاحنات بالدخول، وإقامة الملاجئ.
هذه المقاييس مهمة، لكنها ليست محايدة. فهي تشكل السياسة والتمويل والخيال العام بطرق تحمي الوضع الراهن في نهاية المطاف. هذه الأرقام مهمة، لكنها لا يمكن أن تفسر لماذا تعاني غزة من الجوع. وحدها السياسة تستطيع والسياسة هي التي تقود مباشرة إلى إسرائيل.
ولكن المساءلة غائبة بشكل واضح. لا تحدث الإبادة الجماعية في الفراغ. فهي تتطلب أسلحة وغطاءً دبلوماسيًا وحق النقض والصمت والتواطؤ. ويسمح التأطير الإنساني للمسؤولين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بالظهور بمظهر المحسنين وليس المتواطئين. وهكذا يمكن للدول نفسها التي تسلح إسرائيل وتحميها أن تعيد تقديم نفسها كجهات مانحة ووسيطة. وتصبح المعونة شكلًا من أشكال الغسيل الأخلاقي، تخفي التواطؤ بدلًا من مواجهته.
المسؤولية الدولية والتواطؤ
ما تطالب به غزة ليس صدقة، بل العدالة. وهذا يعني إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وتفكيك أنظمة الفصل العنصري، والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومحاسبة الجناة بموجب القانون الدولي. فبدون هذه الخطوات، فإن الجهود الإنسانية، مهما كانت النوايا حسنة، ستكون مثل الضمادات التي توضع على الجرح بينما الجرح ينزف.
العدالة بدلاً من الصدقة
وهذا لا يعني رفض المساعدات الإنسانية. فالناس في غزة بحاجة إلى الغذاء والماء والمأوى والرعاية الطبية الآن. ولكن يجب أن تُفهم المساعدات كحد أدنى أخلاقي وليس كحل. ويجب أن تقترن بالعمل السياسي والمساءلة القانونية والتغيير الهيكلي. وإلا فإنها ستصبح آلية لإدامة العنف الإسرائيلي بدلاً من وقفه.
دعوة للعمل: نحو مستقبل أفضل لغزة
بعد أكثر من عامين من الإبادة الجماعية، أصبحت غزة مرآةً أمام العالم لا تعكس وحشية الجرائم الإسرائيلية فحسب، بل تعكس أيضًا عدم كفاية الاستجابات العالمية. غزة لا تطلب من العالم أن يشفق عليها. إنها تطلب من العالم أن يسمي أفعال إسرائيل على حقيقتها، وأن يتصرف وفقًا لذلك.
أخبار ذات صلة

استشهاد مسعف فلسطيني من غزة في الاعتقال الإسرائيلي

المملكة المتحدة: المحكمة العليا تجد أن حظر حركة فلسطين غير قانوني ويجب إلغاؤه

ترامب سيعلن عن قوة إعادة الإعمار والاستقرار في غزة بقيمة "عدة مليارات" في 19 فبراير: تقرير
