العلم الفلسطيني في كأس العالم بين التضامن والمصادرة
العلم الفلسطيني في كأس العالم يواجه مصادرة من الأمن رغم لوائح FIFA التي تسمح به ويثير تضامن المشجعين العرب في المدرجات وسط جدل حول ازدواجية المعايير ومسؤولية الاتحاد الدولي في حماية حرية التعبير وحقوق المشجعين في الملاعب وورلد برس عربي

العلم الفلسطيني في كأس العالم: بين مصادرة الحراس وتضامن المدرّجات
بات العلم الفلسطيني من أبرز الرموز حضوراً ومن أكثرها استهدافاً في مباريات كأس العالم المُقامة على الأراضي الأمريكية. فقد أفاد عددٌ من المشجّعين الذين كانوا يحملونه داخل الملاعب بأنّ عناصر الأمن أوقفوهم عند مداخل الملاعب وطالبوهم بإزالته أو تحمّل مصادرته، على الرغم من أنّ لوائح FIFA تُجيز صراحةً رفع الأعلام الوطنية داخل الملاعب.
جرت هذه الوقائع في سياقٍ شهد موجةً واسعة من مظاهر التضامن مع فلسطين من جانب مشجّعي المنتخبات العربية، إذ ظهرت الأعلام الفلسطينية في أرجاء المدرّجات رغم أنّ فلسطين لا تشارك في هذه البطولة. وبالنسبة لكثير من الناشطين المتضامنين مع القضية الفلسطينية، تعكس هذه المواجهات ما يصفونه بتصاعد التدقيق في الهوية الفلسطينية داخل الفضاء العام، في الوقت الذي يتّسع فيه التعاطف الشعبي مع هذه القضية على نحوٍ لافت.
ومع اقتراب البطولة من نهائيها يوم الأحد، لا يزال غير واضحٍ ما إذا كانت السلطات ستسمح بعرض العلم الفلسطيني داخل ملعب MetLife في نيوجيرسي، كما يبقى مجهولاً ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu الصادر بحقّه مذكّرة اعتقال دولية بتهم جرائم حرب ارتُكبت في غزة سيحضر النهائي.
مَيسا مرّار: FIFA تتحمّل المسؤولية
قالت ميسا مرّار، الناشطة الفلسطينية الأمريكية من مدينة أوكلاند، إنّ FIFA تتحمّل المسؤولية المباشرة عن هذه المواجهات بين عناصر الأمن والمشجّعين. وأوضحت أنّ التضارب في الرسائل الصادرة عن الاتحاد قبيل البطولة بشأن السماح بالعلم الفلسطيني أوجد حالةً من الالتباس، وشجّع عناصر الأمن على التصدّي لمن يرفعه.
وقالت مرّار: "كنّا نقرأ تقارير تقول: 'FIFA تسمح بالعلم الفلسطيني داخل الملاعب'، وأوّل ما خطر ببالي: لماذا كان هذا سؤالاً أصلاً؟ الناس يأتون إلى كأس العالم بأعلامهم دائماً، فكان غريباً أن يُطرح سؤال: هل يُسمح لفلسطين برفع علمها أم لا؟"
عمر دريدي: "أنت من ضايقني"
لم تبقَ هذه المخاوف في دائرة التساؤل النظري؛ فقد تحوّلت إلى واقعٍ ملموس بالنسبة لبعض المشجّعين. عمر دريدي، الفلسطيني الأمريكي من جنوب كاليفورنيا، قال إنّ عنصر أمن اقترب منه خلال مباراةٍ في ملعب Levi's وأبلغه بأنّه "لا يمكنك عرض العلم الفلسطيني".
وأضاف دريدي في حديثه : "لحسن حظّي، كنت على صلةٍ بـ Fifa Masters ولديّ أصدقاء في FIFA وأعرف لوائحه جيداً. كما أعمل وكيلاً لاعبين في NBA، فأنا أعرف ما هو مسموحٌ به وما هو غير مسموح."
نشر دريدي مقطع فيديو على منصة X سرعان ما انتشر على نطاقٍ واسع، ظهر فيه يرتدي العلم الفلسطيني حول كتفيه وهو يروي تفاصيل المواجهة لحظةً بعد وقوعها. وسُمع يقول في الفيديو: "إذا كنتم ستطلبون منّي إزالة علمي الفلسطيني، فاطلبوا من ذلك الشخص خلع كوفيّته"، مشيراً إلى مشجّعٍ آخر تدخّل للدفاع عنه.
بعد جدالٍ مطوّل، استشار عنصر الأمن زملاءه عبر جهاز اللاسلكي، ثم عاد ليُبلّغ دريدي بأنّه يستطيع الإبقاء على علمه. يقول دريدي ساخراً: "حين أخبرني 'أنت حرٌّ في الاحتفاظ بعلمك'، قال لي أيضاً: 'يمكنك الاسترخاء الآن'، فقلت له: 'أنت مَن جاء وضايقني!'"
وأشار دريدي إلى أنّ الحادثة استقطبت اهتمام المشجّعين المحيطين به فوراً: "كان خلفي جزائريّان تدخّلا في الموقف، وسيّدةٌ من بضعة صفوف خلفي بدأت تُصوّر. الناس فعلوا شيئاً جميلاً، يُجسّد التضامن والكرامة والمحبة، وكنت ممتنّاً جداً لهذين الرجلَين."
بعد نشر الحادثة على الإنترنت، قال دريدي إنّه تلقّى رسائل عديدة من مشجّعين يصفون تجارب مماثلة: "وصلتني رسائل كثيرة من أشخاص كانوا في المباراة يقولون إنّ أعلامهم صودرت. شعرت بالأسف لأنّني كنت أتمنّى لو كانوا يعرفون حقوقهم."
ودعا دريدي المشجّعين إلى التعرّف على لوائح البطولة وتوثيق أيّ تعامل مع عناصر الأمن، مؤكّداً: "أريد للمشجّعين أن يعلموا أنّ بإمكانهم رفع العلم الفلسطيني وأنّ هذا حقٌّ مكفول لهم، ومَن يحتاج دعماً فليتواصل معي، فأنا على تواصل مع الفريق القانوني في FIFA."
رمزٌ للتضامن في مواجهة ازدواجية المعايير
جاءت هذه الوقائع في سياق بطولةٍ تعرّضت لانتقاداتٍ من زوايا متعدّدة. فبينما قدّمت FIFA كأس العالم بوصفه احتفالاً بكرة القدم والوحدة الدولية، وجّه ناشطون في مجال حقوق الإنسان اتّهاماتٍ للاتحاد بالتخلّي عن هذه المبادئ حين تواجهه قضايا الحرب والتعبير السياسي.
ويُشير المنتقدون إلى ما يصفونه بازدواجية المعايير في تعامل FIFA مع النزاعات الدولية؛ فقد جرى تعليق مشاركة روسيا في كرة القدم الدولية في غضون أيامٍ من غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022، في حين لم تُفضِ المطالبات المتكرّرة من اتحاد كرة القدم الفلسطيني ومنظمات حقوق الإنسان بتعليق مشاركة إسرائيل جرّاء حربها على غزة إلى أيّ إجراء مماثل.
كما تعرّض الاتحاد لتدقيقٍ متجدّد بسبب علاقته الوثيقة بالرئيس الأمريكي Donald Trump، الذي حضر عدداً من فعاليات البطولة، ممّا أثار قلق منظمات حقوق الإنسان إزاء استعداد FIFA للانحياز إلى قادة سياسيين يُتّهمون بتقويض القانون الدولي والحريات المدنية.
بالنسبة للمشجّعين الفلسطينيين، جعلت هذه الخلافات الأشمل من النزاعات حول الأعلام داخل الملاعب تبدو أقلّ من مجرّد حوادث فردية معزولة، وأكثر شبهاً بنمطٍ ممنهج.
غير أنّ دريدي يرى في البطولة أيضاً دليلاً على قدرة كرة القدم على توحيد المشجّعين عبر الحدود الوطنية والسياسية: "لدينا مشكلات كثيرة مع FIFA جائزة السلام لـ Trump، وطريقة السماح لإسرائيل باللعب لكن دعونا نضع ذلك جانباً للحظة. كأس العالم حدثٌ رياضيٌّ فريدٌ من نوعه لأنّه يجمع الناس. أرى الفخر والبهجة التي يمنحها للناس."
وحين سُئل عن الرسالة التي يأمل أن يحملها الناس من رؤية الأعلام الفلسطينية داخل الملاعب، أجاب دريدي: "أريد الجميع أن يعلموا أنّ العلم الفلسطيني، كأيّ علمٍ لأيّ دولة في العالم، مسموحٌ به داخل الملاعب، ومن حقّنا ارتداء قمصاننا ورفع علمنا عالياً باعتزاز. كنت أعرف ذلك منذ البداية."
"الناس واقفون مع فلسطين"
أمّا ميسا مرّار، فقد كان حضورها في البطولة يحمل أبعاداً تتجاوز كرة القدم: "شعرت بأنّ من المهم أن أكون هناك في هذه اللحظة التاريخية في ملعبٍ أمريكيٍّ كبير مكتظٍّ بالكوفيّات والأعلام الفلسطينية والأردنية والجزائرية. كان من المهم جداً أن أذهب وأرى هذا التآزر والتضامن، ليس فقط من أجل المباريات بل من أجلنا نحن الفلسطينيين."
وأشارت إلى أنّ مشجّعين من دولٍ مختلفة كانوا يتقدّمون إليها باستمرار للتعبير عن تضامنهم وطلب حمل العلم الفلسطيني والهتاف دعماً لفلسطين.
وختمت مرّار بالقول: "في كلّ مكانٍ ذهبنا إليه، كان الناس منفتحين جداً على العلم، وأعتقد أنّ جزءاً كبيراً من ذلك مرتبطٌ بالإبادة الجارية. الرسالة التي استقبلتها وشهدتها بنفسي هي أنّ الناس يقفون فعلاً مع فلسطين، وأنّ الأمر في نهاية المطاف يتعلّق دائماً بنضال الشعوب وتحرّرها."
أخبار ذات صلة

رخصة مدرسة داخلية في يوتاه تُلغى بعد اتهامات باريس هيلتون بالإساءة

مخاوف من تدهور صحة معتقل صحراوي في إضراب جوع لستة أسابيع بالمغرب

رئيس "بن أمريكا" يستقيل ويتهم المؤسسة الأدبية بمحو الفلسطينيين
