الأوركسين سر اليقظة وعلاج اضطرابات النوم
اكتشاف مادة الأوركسين في الدماغ غيّر فهم اضطرابات النوم وفتح الباب لأدوية جديدة لعلاج النوم القهري بفعالية وأمان أكبر. تعرف على قصة البحث العلمي الذي بدأ مع كلاب نعسانة ووصل إلى علاجات معتمدة تغير حياة المرضى في وورلد برس عربي.

في عام 1999، كشف عالمان مستقلّان عن مادّةٍ كيميائية في الدماغ لم يكن أحدٌ يعرف بوجودها، فأعادا بذلك رسم خريطة فهمنا لاضطرابات النوم من أساسها. تلك المادّة هي الأوركسين (Orexin)، وقصّة اكتشافها تبدأ بكلابٍ نعسانة في مختبر Stanford، وتنتهي بأدويةٍ حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) لعلاج النوم القهري.
من كلاب Stanford إلى جين الاكتشاف
لم يكن الدكتور Emmanuel Mignot، مدير مركز النوم القهري في Stanford، يبحث عن ثورةٍ علمية حين بدأ عام 1987 دراسة كلابٍ مصابة بالنوم القهري. كان يبحث عن إجابة. استغرق الأمر عشر سنوات كاملة قبل أن يعثر على الجين المسؤول. وقد رصد الباحثون هذا الاضطراب في سلالاتٍ بعينها: البودل (Poodle)، والدوبرمان (Doberman)، واللابرادور (Labrador).
يقول Mignot عن سبب اختياره لهذا الاضطراب النادر: "كانت هناك ثلاثة أشياء جذبتني إلى النوم القهري: أوّلها أنّه مشكلةٌ إنسانية حقيقية... شخصٌ واحد من كلّ 3,000، أي 0.03% وهذا معدّلٌ معقول الانتشار."
النوم القهري اضطرابٌ عصبي يُخلّ بنظام نوم حركة العين السريعة (REM)، وقد وُثّق وجوده الجيني في الكلاب منذ عام 1977. وفي عام 1983، ربط الباحث الياباني Yutaka Honda بين النوم القهري والمتغيّر الجيني HLA-DR2 في البشر، وهو ارتباطٌ يتعلّق بجهاز المناعة لا بالنوم مباشرةً، ممّا أضاف طبقةً من التعقيد لم تُحلّ إلّا لاحقاً.
وحين جاء الاكتشاف، كان مزدوجاً: في العام نفسه 1999، توصّل الدكتور Masashi Yanagisawa، عالم الأحياء الجزيئية والطبيب في جامعة Tsukuba اليابانية، إلى الأوركسين بصورةٍ مستقلّة تماماً عن Mignot. كان Yanagisawa يدرس مستقبلاتٍ مقترنة بالبروتين G وهي مستقبلاتٌ تُعدّ هدفاً دوائياً شائعاً فوجد في الأوركسين مادّةً تُعزّز اليقظة. أمّا Mignot، فقد وصل إلى المادّة ذاتها من بوّابة الجينات والكلاب النعسانة. نتيجتان متطابقتان، ومساران مختلفان تماماً.
الجينات والتنوّع البشري: قصّة لم تُروَ بعد
ما يُميّز مسيرة Mignot البحثية ليس الاكتشاف وحده، بل المنهجية التي اتّبعها في تضييق نطاق العوامل الجينية. يقول بفخرٍ واضح: "أنا فخورٌ جداً بتلك الدراسة لأنّني أعتقد أنّها المرّة الأولى التي استخدم فيها الناس التنوّع البشري لتحديد عاملٍ جيني بدقّةٍ أكبر."
تلك الدراسة ربطت النوم القهري بالمتغيّر الجيني DQB1*06:02، وهو متغيّرٌ ينتمي إلى منظومة HLA التي تنظّم الاستجابات المناعية. والربط بين اضطراب نوم وجهاز المناعة لا يزال يطرح تساؤلاتٍ لم تُجَب عنها بالكامل في الأدبيات الطبية.
الأوركسين: مفتاح اليقظة ومفتاح الدواء
ما هو الأوركسين بالضبط؟ هو مادّةٌ كيميائية يُنتجها الدماغ لتعزيز اليقظة، في مقابل الميلاتونين الذي يُعزّز النوم. وما يجعله هدفاً دوائياً مثالياً أنّه مستقبلٌ مقترن بالبروتين G، وهو نوعٌ من المستقبلات يعرف الكيميائيون الدوائيون كيف يتعاملون معه.
الفكرة العلاجية بسيطة في مبدئها: مستويات الأوركسين تنخفض بشكلٍ طبيعي أثناء النوم. فإذا أمكن حجب هذا المستقبل دوائياً، فإنّ الدماغ يُعيد تمثيل تلك الحالة الطبيعية. يؤكّد Mignot هذا المنطق بقوله: "نحن نعلم أنّ الأوركسين ينخفض بالفعل أثناء النوم، لذا فإنّ حجبه هو بالتأكيد طريقةٌ لإعادة تمثيل هذا الانخفاض؛ هذا صحيح."
وقد أفضى هذا الفهم إلى تطوير أدويةٍ تحجب الأوركسين، وهي أكثر أماناً من البنزوديازيبينات (Benzodiazepines) التقليدية التي طالما استُخدمت لعلاج الأرق. وفي السنوات الأخيرة، وافقت FDA على أدويةٍ تستهدف الأوركسين لعلاج النوم القهري من النوع الأوّل، الذي يشمل أعراض الخزل العاطفي (Cataplexy) أي فقدان مفاجئ للتوتّر العضلي يُثيره الانفعال.
يصف Mignot الأثر الذي يراه على مرضاه بعبارةٍ لا تخلو من دهشة: "أرى مرضاي يتحوّلون تحوّلاً كاملاً بفضل هذا الدواء. إنّه أمرٌ مذهل حقاً."
ما وراء النوم: آفاقٌ لم تُفتح بعد
لا يقف تأثير أبحاث الأوركسين عند حدود النوم القهري والأرق. الأدوية التي تُنشّط الأوركسين في مقابل تلك التي تحجبه تُظهر إمكاناتٍ أوسع. يقول Mignot: "هذه الأدوية المنشّطة للأوركسين يبدو أنّ لها تأثيراتٍ تتجاوز مجرّد إيقاظ الناس. يبدو أنّها تزيد من الدافعية."
هذا يفتح أبواباً محتملة أمام اضطراباتٍ أخرى: اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، والاكتئاب المصحوب بنعاسٍ مفرط، وإشكاليات الدافعية المرتبطة بالفصام (Schizophrenia). وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه التطبيقات لا تزال في طور البحث والاستكشاف، ولم تصل بعد إلى مرحلة الموافقات التنظيمية الكاملة.
ثمّة جانبٌ آخر يستحقّ الانتباه: النوم القهري عند الأطفال يترافق في الغالب مع زيادةٍ مفاجئة وملحوظة في الوزن، وهو عَرَضٌ قد يُضلّل الأطباء ويُؤخّر التشخيص الصحيح. وقد سبق هذا المسار الحديث كلّه إرثٌ مؤسّسي؛ ففي عام 1970، أسّس الدكتور William Dement أوّل عيادةٍ للنوم القهري في Stanford، قبل أن تُعرف كلمة "أوركسين" في أيّ قاموسٍ طبّي.
اليوم، بعد أكثر من عقدين على الاكتشاف، لا تزال التساؤلات الأساسية قائمة: لماذا يُهاجم الجهاز المناعي الخلايا المنتجة للأوركسين في بعض الحالات؟ وهل يمكن لأدوية الأوركسين أن تُعيد رسم بروتوكولات علاج الاكتئاب والفصام في المستقبل؟ الإجابات لم تكتمل بعد، لكنّ المختبرات لا تنام.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
