الذكاء الاصطناعي وحل لغز معادلات الرياضيات الكبرى
حين يحل الذكاء الاصطناعي لغزاً رياضياً معقداً عمره قرنان تثار أسئلة حول سرقة الأفكار وحقوق الباحثين. قصة صراع بين OpenAI وعلماء الرياضيات تكشف تحديات التعاون بين التكنولوجيا والمجتمع الأكاديمي في وورلد برس عربي.

حين يُعلن الذكاء الاصطناعي حلّ مسألةٍ رياضية عمرها قرنان، ويتساءل الرياضيون: هل سُرقت أفكارنا؟
لم تكن معادلات Navier-Stokes مجرّد تمرينٍ رياضي نظري حين صاغها العالمان Navier وStokes في مطلع القرن التاسع عشر. هذه المعادلات هي اللغة الرياضية التي تصف حركة الموائع من تدفّق الدم في الأوعية إلى اضطرابات الغلاف الجوّي وقد ظلّ سؤالٌ جوهري معلّقاً فيها منذ ذلك الحين: هل تُنتج هذه المعادلات دائماً قيماً منتهية، أم يمكن أن «تنفجر» وتبلغ ما لا نهاية؟ هذا السؤال بالذات هو أحد مسائل الألفية السبع التي رصدت لها مؤسسة Clay Mathematics Institute جائزةً قدرها مليون دولار لمن يحلّها. وفي الأسبوع الأول من سبتمبر 2025، أعلنت شركة OpenAI أنّ وكلاءها الذكيين توصّلوا إلى هذا الحلّ لكنّ الإعلان لم يُفضِ إلى احتفاءٍ علمي بقدر ما فتح جرحاً عميقاً في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمجتمع الرياضي الأكاديمي.
ما الذي فعلته OpenAI بالضبط؟
نشرت OpenAI بياناً يشرح فيه كيف وظّفت نحو 10,000 وكيل ذكاء اصطناعي عملت على مدى 88 ساعة متواصلة، مُرسِلةً في ما بينها 2.7 مليون رسالة ومستخدِمةً ما يقارب 130 مليار وحدة إخراج نصّي. المنهجية التي اتّبعتها تقوم على مرحلتين: البدء بمعادلات Euler وهي نسخةٌ مبسّطة من Navier-Stokes تتجاهل لزوجة السائل وإثبات حدوث «الانفجار» (Blowup) فيها أوّلاً، ثم الانتقال إلى معادلات Navier-Stokes الأكثر تعقيداً. استخدمت الشركة برنامج Lean للتحقّق من خطوات البرهان رياضياً خطوةً بخطوة.
الرقم الذي أطلقه الرئيس التنفيذي Sam Altman لافتٌ بحدّ ذاته؛ إذ قال إنّ جهداً مماثلاً لو أنجزه عميلٌ تجاري لكلّفه 15 مليون دولار. وفي تغريدةٍ على منصة X، علّق Altman بعبارةٍ خفيفة: «كنّا فضوليين إن كان نموذجنا قادراً على فعل ذلك». هذه الخفّة في التعبير هي ما أثار حفيظة الرياضيين أكثر من أيّ شيءٍ آخر.
الرياضيون الذين سبقوا وصمتوا في انتظار النشر
في 15 أغسطس 2025، كان الرياضي Tristan Buckmaster من جامعة NYU وزميله Levent Alpöge من Anthropic قد أنجزا بالفعل إثبات انفجار في معادلات Euler مع «الإكراه الأملس» (Smooth Forcing) وهي التقنية ذاتها التي طوّرها الرياضيان Diego Córdoba وLuis Martínez-Zoroa في مدريد. كانت الورقة البحثية في طريقها إلى النشر، والعمل يسير وفق الإيقاع الأكاديمي المعتاد.
في 1 سبتمبر أي بعد أسبوعين وأيام من إنجاز Buckmaster وAlpöge أطلقت OpenAI مشروعها، بعد أن سمعت، وفق ما أُفيد، بشائعات عن تقدّمٍ في مسائل الألفية. وفي 3 سبتمبر، علم Buckmaster أنّ OpenAI اعتمدت تقنية «الإكراه الأملس» ذاتها. يقول Buckmaster في بيانه العلني: «حين سمعت كلمة 'إكراه'، كانت بمثابة إشارة تحذير حمراء صارخة». ويُضيف: «الأفكار التي جعلت هذا الخطّ من الهجوم ممكناً تعود إلى Córdoba وMartínez-Zoroa».
ما يزيد الأمر تعقيداً أنّ Buckmaster كان قد استخدم Codex أداة البرمجة من OpenAI خلال أبحاثه، فسأل الشركة صراحةً عمّا إذا كانت جلساته قد استُخدمت في تدريب النماذج. يقول ببساطة: «لم أحصل على إجابة».
اجتماع السادس من سبتمبر: حين تحوّل النقاش العلمي إلى مواجهة
في 6 سبتمبر، التقى Buckmaster بموظّفي OpenAI. ما جرى في ذلك الاجتماع هو موضع خلافٍ حادّ. يدّعي Buckmaster أنّ Sébastien Bubeck، مسؤول أبحاث الرياضيات في OpenAI، حاول إقصاء Alpöge من قائمة المؤلّفين. ويروي أنّ Bubeck قال له: «إن لم تُرِد أن أكون لطيفاً، فلن أضطرّ إلى ذلك». وحين واجهه Buckmaster بسؤالٍ عن دوافع هذا الموقف، ردّ عليه: «لماذا ستدمّر مسيرتك المهنية؟».
ينفي Bubeck هذه الاتهامات جملةً وتفصيلاً، واصفاً إيّاها بأنّها «كاذبة وتحريضية». وقال Mark Chen، كبير مسؤولي الأبحاث في OpenAI: «خرجتُ من هذه الاتهامات بخيبة أملٍ بعض الشيء». في المقابل، أكّدت OpenAI أنّها عرضت النشر المشترك مع Buckmaster وAlpöge، ونفت أن يكون موظّفوها قد اطّلعوا على عمل الباحثَين قبل نشره، وإن أقرّت بأنّها لا تستطيع استبعاد استخدام بياناتٍ مُجهَّلة الهوية.
Buckmaster نفسه حريصٌ على الدقّة في صياغة موقفه: «لم أطّلع على برهان OpenAI. لا أعرف ما الذي فعله نموذجهم، ولا كيف. لا أعرف إن كانت بياناتنا قد استُخدمت. لا أتّهم أحداً بشيء». غير أنّ السؤال يبقى معلّقاً.
الصدمة في مدريد، والتحذير من لوس أنجلوس
Diego Córdoba، الرياضي الإسباني الذي طوّر تقنية الإكراه الأملس مع Martínez-Zoroa، لم يُخفِ دهشته حين علم بسرعة نتيجة OpenAI: «نحن في حالة صدمةٍ بعض الشيء». هذه الصدمة مفهومة؛ فالتقنية التي أمضى فيها الباحثان وقتاً وجهداً كبيرَين أُعيد توظيفها في 88 ساعة من العمل الآلي.
أمّا الصوت الأكثر ثقلاً في هذا النقاش فجاء من Terence Tao، أستاذ الرياضيات في UCLA والحائز على ميدالية Fields، الذي كتب في منشورٍ على Mastodon: «لقد رأينا الآن أنّ مجرّد إشاعة عن عمل شخصٍ ما على مسألةٍ كبرى يمكن أن تُطلق كمّاً هائلاً من الجهد المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتسويتها قبل أن يبلغ المشروع البحثي الأصلي كامل إمكاناته». التحذير واضح: حين يُصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على استشعار الشائعات الأكاديمية والتحرّك بهذه السرعة، فإنّ الفضاء الآمن للبحث العلمي التدريجي يضيق.
ما الذي لم يُحسم بعد؟
ثمّة نقطتان جوهريتان لا تزالان معلّقتَين. الأولى: مؤسسة Clay Mathematics Institute لم تؤكّد حتى الآن صحّة برهان OpenAI ولم تنفِه، وهذا التحقّق المستقلّ هو الفيصل العلمي الحقيقي. الثانية: حتى لو صحّ البرهان رياضياً، فإنّ السؤال الأخلاقي المتعلّق بالملكية الفكرية وأخلاقيات البحث العلمي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يُحلّ بشهادة Lean.
الجدل الدائر اليوم حول Navier-Stokes ليس في جوهره نقاشاً رياضياً فحسب إنّه نقاشٌ حول نموذج الإنتاج المعرفي برمّته. حين تستطيع شركةٌ تقنية أن تُعبّئ عشرة آلاف وكيل ذكاء اصطناعي في 88 ساعة، وتُعلن عن نتيجةٍ كانت في طريقها إلى باحثين أكاديميين عملوا عليها بصمت لأشهر، فإنّ السؤال الذي يطرحه Tao يصبح أكثر إلحاحاً: هل سيتوقّف الرياضيون عن تبادل الأفكار خشية أن تُسبقوا؟ وهل سيُعيد ذلك تشكيل ثقافة الانفتاح التي قامت عليها الرياضيات الحديثة؟ الإجابة لن تأتي من نموذجٍ لغوي، بل من قرارات المجتمع الأكاديمي نفسه في الأشهر القادمة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
