الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مستقبل الصناعة الأمريكية
في شيرمان، تكساس، يفتح مصنع جديد آفاقاً لصناعة الذكاء الاصطناعي بفضل شراكة Nvidia وCoherent. هل سيخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة أم سيستبدل البشر؟ اكتشف كيف يعيد هذا التحوّل تشكيل مستقبل الصناعة الأمريكية.





في مدينة شيرمان بولاية تكساس، تقف مصنعٌ على أعتاب تحوّلٍ قد يُعيد رسم خريطة الصناعة الأمريكية. هذا المصنع ليس لصبّ الصلب أو تجميع السيارات بل لإنتاج مادةٍ تُصنَع منها ليزرات تنقل البيانات بين رقائق الحاسوب بسرعة الضوء. وخلف هذا المشهد يقف Jensen Huang، الرجل الذي حوّل شركته Nvidia إلى أكثر شركات العالم قيمةً، والذي يراهن الآن على أن الذكاء الاصطناعي قادرٌ على إحياء التصنيع الأمريكي لا على دفنه.
أعلنت Nvidia رسمياً يوم الثلاثاء عن خططٍ لترقيةٍ كبرى في بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار شراكةٍ بقيمة 2 مليار دولار مع شركة Coherent، مالكة المصنع في شيرمان. يُنتج المصنع المادةَ الأساسية لليزر الذي ينقل البيانات بين رقائق الحاسوب، مما يُتيح لتلك الرقائق العمل معاً كمنظومةٍ واحدة بقدرةٍ أعلى وسرعةٍ أكبر وكفاءةٍ أفضل، وفق ما أوضحه المسؤولون التنفيذيون قبيل الإعلان الرسمي.
قال Huang في بيانه: "مصانع الذكاء الاصطناعي هي البنية التحتية للثورة الصناعية الجديدة."
هل يخلق الذكاء الاصطناعي وظائف أم يُلغيها؟
يطرح هذا المصنع سؤالاً جوهرياً: هل سيكون الذكاء الاصطناعي مصدراً لخلق فرص العمل، أم تقنيةً تُحلّ محلّ البشر؟ يؤمن Huang بالاحتمال الأول، في وقتٍ بات فيه ممكناً كتابة البرمجيات وتحليل البيانات وإدارة خطوط الإنتاج بل وقيادة السيارات دون تدخّلٍ بشريٍّ يُذكر.
قاد Huang شركة Nvidia حتى بلغت قيمتها نحو 5 تريليونات دولار، لتتجاوز بذلك مرحلة تصنيع الرقائق نحو تطوير منظومات ذكاءٍ اصطناعي متكاملة. والشركات التي تعتمد على هذه المنظومات لتطوير نماذجها قد تنضمّ قريباً إلى النادي المحدود للشركات التي تتجاوز قيمتها تريليون دولار. وقد تحوّلت التساؤلات حول كيفية توزيع هذه الثروة وتداعيات هذه التقنية إلى نقاشٍ عميق حول بنية المجتمع الأمريكي ذاته.
يُغذّي الذكاء الاصطناعي اختراقاتٍ علمية ويُبشّر بنموٍّ اقتصادي متسارع. غير أن ثمة مخاوف حقيقية تشغل بال الناخبين: الاستهلاك المتصاعد للطاقة، واحتمالات فقدان الوظائف، والمخاطر الأمنية الوطنية المستجدّة.
تحوّلٌ في موقف إدارة Trump من الذكاء الاصطناعي
بدأت إدارة الرئيس Donald Trump، التي رأت في البداية أن الرقابة الخفيفة ضرورةٌ لتنشيط قطاع الذكاء الاصطناعي، تُراجع موقفها. فقد فرضت ضوابط تصدير على أحدث نماذج شركة Anthropic للذكاء الاصطناعي، مما دفع الشركة يوم الجمعة إلى إغلاق جميع نماذجها أمام العموم بسبب مخاوف أمنية.
وقّع Trump أمراً يقضي بخضوع نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة للمراجعة الحكومية الطوعية. كما أبدى تفكيره في امتلاك الحكومة حصصاً في شركات الذكاء الاصطناعي، لتستفيد الخزينة العامة من العوائد المتوقعة، وإن كان ذلك سيُضبّب الحدود بين القطاعين العام والخاص.
بيد أن Trump يظلّ رهيناً للازدهار الذي يُحقّقه الذكاء الاصطناعي لتحقيق النمو الاقتصادي ودفع عجلة التصنيع والبناء ورفع مؤشرات سوق الأسهم. وقد حرص على استصحاب Huang في جولاته الخارجية، إذ التقط طائرة Air Force One الرئيسَ التنفيذي المعروف بسترته الجلدية من ألاسكا في طريقها إلى الزيارة الرسمية للصين.
وصف Trump الرئيسَ التنفيذي لـ Nvidia بأنه "ذكيٌّ" و"صديق" و"رائع"، وأقرّ علناً بأنه فكّر ذات مرة في تفكيك الشركة بسبب هيمنتها على السوق، قبل أن يُدرك أنه يحتاج Huang حليفاً لا خصماً.
وقال Trump للمهاجر التايواني العام الماضي: "نحن فخورون بوجودك في بلدنا."
المصنع والوظائف
اعتمد مصنع Coherent في شيرمان الذي تُعدّ Nvidia من أبرز عملائه على دعمٍ حكومي من الحزبين. أقرّت إدارة Biden منحةً بقيمة 33 مليون دولار من قانون CHIPS and Science Act لتمويل توسعة المصنع، فيما أضافت إدارة Trump 17 مليون دولار إضافية لضمان تصنيع هذا المكوّن الحيوي من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على الأراضي الأمريكية.
تُقدّر Coherent أن المصنع سيُوجِد 1,000 وظيفة شاملةً عمال البناء، نحو 550 منها في التصنيع المتقدّم والهندسة والأدوار التقنية المتخصّصة.
سيُعزّز توسّع المصنع إنتاجَ مادة Indium Phosphide المستخدمة في صنع ليزرٍ تبلغ كثافته الضوئية كثافةَ سطح الشمس. في كلّ ثانية، ينبض الضوء مئات المليارات من المرات عبر خيطٍ زجاجيٍّ بعرض شعرة بشرية. هذا ما يُتيح لرقائق Nvidia تبادل المعلومات والعمل معاً كمنظومةٍ واحدة فيما يُسمّيه Huang "مصانع الذكاء الاصطناعي".
ستنخفض استهلاك الطاقة بنسبةٍ تصل إلى 50%، مما يُسرّع العمليات الحسابية ويُخفّض تكلفتها بشكلٍ جذري. وتراجع تكلفة الـ tokens المصطلح الصناعي للاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي سيُوسّع نطاق انتشاره وقدراته.
قال Jim Anderson، الرئيس التنفيذي لـ Coherent، في بيانه: "يُعزّز هذا الاستثمار قدرة أمريكا على تصنيع التقنيات الحيوية المُمكِّنة للذكاء الاصطناعي، ويخلق وظائف عالية القيمة، ويُرسّخ الريادة الأمريكية في التصنيع المتقدّم والبصريات والابتكار."
في ورقةٍ بحثية نُشرت هذا الشهر، رصد الاقتصاديان Jessica Wachter وJonathan Wachter أن الشركات التقنية الخمس الكبرى في الولايات المتحدة ضخّت 380 مليار دولار العام الماضي في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وقد يتضاعف هذا الرقم تقريباً خلال العام الجاري. واستناداً إلى هذا الاستثمار، يُقدّران احتمال نموٍّ اقتصادي متسارع مع تنامي حصة الذكاء الاصطناعي من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي؛ إذ يُمثّل الذكاء الاصطناعي حالياً نحو 3% من الاقتصاد، وهو رقمٌ قد يرتفع إلى ما بين 8% و39%.
أكّد أحد المسؤولين التنفيذيين في Nvidia الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للحديث عن الاستراتيجية الصناعية للشركة — أن Nvidia تنتقل من تصنيع الرقائق إلى توفير منظومات ذكاءٍ اصطناعي متكاملة، وأن ذلك يعني تمركز المزيد من الإنتاج داخل الولايات المتحدة، مع تركّز تصنيع الرقائق في أريزونا وعمليات التجميع في تكساس، لضمان سلسلة إمداد محلية موثوقة.
وأوضح المسؤول أن Nvidia تبيع لعملائها "عقلاً وجهازاً عصبياً"، بحيث يمكن توظيف الذكاء المُولَّد في أعمالهم لابتكار منتجاتٍ جديدة وتحديد مصادر توفيرٍ وخطوط أعمالٍ جديدة. وهذا ما قد يُمكّن الشركات المصنّعة التي تعتمد على موردين أجانب من إعادة إنتاجها إلى الأراضي الأمريكية، لتنتقل بالذكاء الاصطناعي الذي ظلّ حتى الآن في معظمه على شاشات الحواسيب المحمولة إلى أرضيات المصانع حيث يمكنه، بحسب تعبيرهم، "تحريك الذرّات".
لم تفت هذه الإمكانية على Trump الذي يرى في هذه الصناعة ركيزةً لعظمة أمريكا.
قال Trump للصحفيين الأسبوع الماضي: "إنها صناعةٌ مذهلة، أكبر من أي صناعةٍ رآها أحدٌ من قبل. نحن نتقدّم على الصين بفارقٍ كبير. ومن يقود هذه الصناعة سيقود العالم إلى حدٍّ بعيد — هذا هو حجمها."
أخبار ذات صلة

تجمّع قادة الذكاء الاصطناعي في قمّة G7 وأوروبا تسعى لكبح الهيمنة الأمريكية

شركة تجسّس إسرائيلية استهدفت مستخدمي واتس آب رغم أمر المحكمة الأمريكية

Apple تكشف عن ميزات ذكاء اصطناعي جديدة في مؤتمر المطورين برئاسة تيم كوك
