جهاز جديد يكشف أسرار المجرات فائقة الانتشار
جهاز NEXUS@SHARP المقترح للتلسكوب الأوروبي العملاق قد يحل لغز المجرات فائقة الانتشار عبر دراسة العناقيد الكروية المحيطة بها، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم المادة المظلمة وتطور الكون ضمن نموذج الانفجار العظيم في وورلد برس عربي.

قد يتيح جهاز مقترح للتلسكوب الأوروبي العملاق (ELT) الفصل بين تفسيرين متنافسين لنشأة فئة غامضة من المجرات، وقد يضيف اختباراً جديداً لنموذج لامدا للمادة المظلمة الباردة (Lambda-CDM أو ΛCDM)، وهو النموذج الذي يوصف بأنه في جوهره نموذج الانفجار العظيم في علم الكونيات. الجهاز اسمه NEXUS@SHARP، وهو ما يزال مفهوماً مقترحاً لم يُبنَ بعد، وتعرض ورقة بحثية منشورة في مجلة New Astronomy حجج بنائه.
يقود الورقة الباحث ماركو ميرابيلي (Marco Mirabile)، طالب الدكتوراه المنتسب إلى المرصد الفلكي في أبروتسو (INAF-OAAb) ومعهد غران ساسو للعلوم (GSSI) في إيطاليا. والورقة دراسة جدوى، أي أنها تبيّن ما يمكن أن يحققه الجهاز لو وُجد، ولا تعرض نتائج رصد فعلية.
ما المجرات فائقة الانتشار، ولماذا تُحرج النماذج؟
المجرات فائقة الانتشار (UDGs) بحجم درب التبانة تقريباً، لكنها قد تحتوي نجوماً أقل منه بآلاف المرات. نجومها موزعة على مساحة واسعة، ولذلك تبدو خافتة يصعب رصدها.
وتضع هذه المجرات نماذج تشكّل المجرات في إطار ΛCDM أمام مشكلة. يقول مؤلفو الورقة: «تتحدّى المجرات فائقة الانتشار (UDGs) نماذج تشكّل المجرات الحالية ضمن إطار ΛCDM، ولا سيما فيما يتعلق بمحتواها من المادة المظلمة وتاريخ تشكّلها».
وتكمن المشكلة في أن حجم المجرة يتحدد بهالة المادة المظلمة التي تحيط بها. وهالات المادة المظلمة توصف بأنها وحدات البناء الأساسية في الكون. وتبدو أحجام هالات هذه المجرات غير متطابقة مع أحجام المجرات نفسها.
كيف تكشف العناقيد الكروية ما تخفيه الهالة؟
تقترح الورقة دراسة العناقيد الكروية (GCs) المحيطة بهذه المجرات. والعناقيد الكروية تجمعات نجمية كثيفة تملكها كل المجرات، ومنها درب التبانة. وهي أكثر سطوعاً من المجرات المضيفة لها وتمتد إلى مسافات أبعد، فيسهل رصدها حيث يصعب رصد المجرة. يقول المؤلفون: «تُعدّ العناقيد الكروية (GCs) أدوات ممتازة لسبر هالات هذه المنظومات الخافتة، غير أن المرافق الطيفية الحالية تعجز عن بلوغ العمق اللازم لتوصيف أعداد العناقيد الكروية توصيفاً كاملاً خارج الجوار المحلي».
وتفيد هذه العناقيد من أكثر من وجه:
الكتلة: يرتفع عددها تقريباً بصورة خطية مع كتلة الهالة، ولذلك يساعد رصدها على قياس هالات المادة المظلمة وتقييد كتلها.
العمر والتركيب: تكشف أطيافها (أي الضوء المحلَّل إلى ألوانه) أعمار العناقيد وفلزّيتها (metallicity)، أي محتواها من العناصر الأثقل من الهيدروجين والهيليوم، وهو ما يدل على سرعة تشكّل نجومها.
نوع المجرة: تساعد الأطياف أيضاً في تحديد نوع المجرة فائقة الانتشار قيد الرصد.
وتشير الورقة إلى أن حفنة من العناقيد حول عدد قليل من هذه المجرات لا تكفي لتوصيف أي من الفئتين، أي العناقيد والمجرات المضيفة لها.
ماذا يضيف NEXUS@SHARP؟
الجهاز المقترح يجمع بين SHARP، أي مطياف الفيزياء عالية الدقة الزاوية (Spectrograph for High Angular Resolution Physics)، وNEXUS، وهو مطياف متعدد الأجسام صُمّم للعمل معه. ويصفه المؤلفون بأنه مطياف متعدد الشقوق يعمل بالأشعة تحت الحمراء القريبة على التلسكوب العملاق المرتقب. يقولون: «نعرض في هذا العمل الإمكانات العلمية للجهاز NEXUS@SHARP، وهو مطياف متعدد الشقوق يعمل في الأشعة تحت الحمراء القريبة ومقترح للتلسكوب الأوروبي العملاق (ELT) المرتقب. ونبيّن أن NEXUS في موقع فريد يتيح له تجاوز القيود الرصدية الحالية بفضل جمعه بين دقة مكانية عالية وتعدد فعّال في القنوات الرصدية».
والمقصود بتعدد القنوات (multiplexing) أن المطياف متعدد الأجسام يرصد عناقيد كثيرة في وقت واحد ويجمع بياناتها معاً بدل رصدها واحداً بعد آخر. ومثل هذه المطيافات موجودة أصلاً في مرصد Keck وتلسكوب VLT ومرصد Gemini وتلسكوب JWST الفضائي. أما الجديد هنا فهو المرآة المجزأة لـالتلسكوب الأوروبي العملاق التي يبلغ قطرها 39.3 متراً.
وبحسب الباحثين، يمكن لـNEXUS دراسة أعداد العناقيد الكروية في هذه المجرات ضمن بيئات متنوعة حتى مسافة 60 إلى 70 ميغابارسك (Mpc)، والميغابارسك وحدة لقياس المسافات الكونية. ويقولون: «نُظهر أن NEXUS يستطيع المساعدة بكفاءة في توصيف أعداد العناقيد الكروية في المجرات فائقة الانتشار عبر بيئات متنوعة، حتى مسافة 60 إلى 70 ميغابارسك، وذلك بزمن رصد لا يتجاوز بضع ساعات من وقت التلسكوب الأوروبي العملاق». ويضيفون أن هذه القدرات «ستتيح قياسات دقيقة للسرعات الشعاعية والمجموعات النجمية، بما يمكّن من تقديرات متينة للكتلة الديناميكية ومن التمييز بين سيناريوهات تشكّل المجرات فائقة الانتشار المتنافسة».
ما السيناريوهان المتنافسان؟
تعرض الورقة تفسيرين لنشأة هذه المجرات. في الأول، «المجرة الضخمة الفاشلة»، توقف تشكّل النجوم فيها مبكراً، فبقيت كتلتها النجمية بحجم كتلة المجرات القزمة، بينما تقيم في هالات أضخم بكثير. ويقول المؤلفون عن هذا السيناريو: «ومن ثمّ ستبدو هذه المجرات حمراء قديمة فقيرة بالفلزات تهيمن عليها المادة المظلمة، وتستضيف أعداداً غنية على نحو غير معتاد من العناقيد الكروية».
أما التفسير الثاني، «القزم المنتفخ»، فيفترض أن المجرات منخفضة الكتلة فعلاً، لكنها توسّعت لسبب لم تحدده الورقة. ويقول المؤلفون: «قياساً بالسيناريو السابق، يُتوقع أن تكون هذه الأجرام أكثر زرقة، وأن تمتد فيها تواريخ تشكّل النجوم زمناً أطول، وأن يشبه محتواها من المادة المظلمة وأعداد عناقيدها الكروية ما هو موجود في المجرات القزمة النموذجية».
وللحسم بين التفسيرين يرى المؤلفون أن الأمر يتطلب عينة كبيرة. يقولون: «لإلقاء الضوء على طبيعة المجرات فائقة الانتشار، لا بد من رصد طيفي عميق لعينة كبيرة منها، إذ إن الجمع بين تحليل وفرة العناقيد الكروية والخصائص الحركية والتطورية لنجوم الحقل يوفّر أداة تشخيص قوية للتمييز بين قنوات التشكّل المختلفة».
كيف تُقاس الكتلة مرتين؟
يمكن للجهاز، باستخدام عناقيد كثيرة، أن يعطي لكل مجرة قياسين مستقلين للكتلة:
- الكتلة الديناميكية: تُستخلص من تشتّت سرعات العناقيد، أي من الكتلة اللازمة لإبقائها في مداراتها.
- كتلة العدّ: تعتمد على الارتفاع الخطي التقريبي لعدد العناقيد مع كتلة هالة المادة المظلمة.
وتتحدد دلالة النتيجة بمدى توافق القياسين:
- إذا جاء القياسان مرتفعين ومتوافقين، فهذا يدعم سيناريو المجرة الضخمة الفاشلة.
- إذا جاءا منخفضين ومتوافقين، فهذا يدعم سيناريو القزم المنتفخ.
- إذا انخفضت الكتلة الديناميكية وارتفعت كتلة العدّ معاً، فقد يعني ذلك أن تشكّل العناقيد كان قليل الكفاءة على نحو غير معتاد لأسباب بيئية.
وعن هذه القدرة على المسح المنهجي يقول المؤلفون: «بإتاحة مسح طيفي منهجي للعناقيد الكروية في المنظومات منخفضة السطوع السطحي، سيكون NEXUS@SHARP أداة حاسمة لتقييد قنوات تشكّل أكثر فئات المجرات استعصاءً على الفهم في الكون المحلي».
وما علاقة ذلك بنموذج لامدا؟
يظل ΛCDM أفضل نموذج يطابق قدراً كبيراً من بيانات المادة المظلمة والطاقة المظلمة، لكنه لا يفسّر كل شيء. ومن الأسئلة التي ما زالت بلا جواب هوية المادة المظلمة نفسها، ويشكك بعضهم أصلاً في وجودها. ويبحث علماء الفلك في النموذج بمرافق ومقاربات مختلفة، والورقة تضيف إليها مسلكاً يمر عبر العناقيد الكروية في المجرات الخافتة. ويرى مؤلفوها أن الجهاز لو بُني قد يؤكد النموذج أو ينقضه.
أما الموعد المرتقب فهو الضوء الأول للتلسكوب الأوروبي العملاق، المقرر في مارس 2029. وسيبقى مصير NEXUS@SHARP معلقاً بقرار بنائه، فالورقة مرافعة علمية من أجله وليست قراراً بتنفيذه.
أخبار ذات صلة

يمكنك رؤية مجرة أندروميدا (المرأة المسلسلة) بالعين المجردة.. إليك طريقة العثور عليها

مسبارا ناسا التوأم ينفذان مناورات جاذبية مدفوعة في طريقهما إلى المريخ

جاذبية الأرض ربما أبقت باطن القمر نشطاً بركانياً قبل ملياري سنة
