كيف أبقت جاذبية الأرض القمر نشطاً جيولوجياً لفترة طويلة
نموذج جديد يقترح أن جاذبية الأرض أبقت القمر دافئاً لفترة طويلة عبر التسخين المدّي مما أدى إلى نشاط بركاني أحدث من المتوقع ووجود مجال مغناطيسي مستمر. اكتشف كيف يفسر هذا النموذج عينات البازلت الغامضة في القمر عبر وورلد برس عربي.

قد تكون جاذبية الأرض هي التي أبقت أجزاء من وشاح القمر دافئة بما يكفي لتنتج حمماً بركانية قبل نحو ملياري سنة، رغم أن القمر كان يُفترض أن يكون قد برد وسكن جيولوجياً منذ زمن طويل. هذا ما يقترحه نموذج نظري وضعه الباحث Miao Chen من جامعة تشنغدو للتكنولوجيا (Chengdu University of Technology) وزملاؤه، ونشروه في مجلة Planet. ويقدّم الفريق عمله بوصفه نظرية لا دليلاً حاسماً.
ما المشكلة التي يحاول النموذج حلّها؟
عادت مركبة Chang'e-5 من «محيط العواصف» (Oceanus Procellarum) على سطح القمر بعيّنات من البازلت، وهو صخر بركاني يتكوّن عادة في براكين نشطة أو في بيئات شديدة الضغط والحرارة. وقد أعطى التأريخ المخبري لهذه العيّنات عمراً يقارب ملياري سنة. هنا تبدأ المفارقة: فالقمر، بحسب الفرضية الأرجح، تشكّل قبل نحو 4.5 مليار سنة حين اصطدم بالأرض الفتيّة جرمٌ أولي يُسمّى Theia، فتجمّع الحطام الناتج عن التصادم وكوّن القمر. وكان هذا الحطام يعادل ربع حجم الأرض تقريباً، ولذلك توقّع العلماء أن يفقد حرارته سريعاً ويخمد.
والمصادر المعروفة للحرارة لا تفسّر البازلت الأحدث عمراً. فتحلّل عنصرَي البوتاسيوم واليورانيوم يولّد حرارة داخل القمر، لكن ما بقي من المواد المشعّة لم يكن كافياً لإنتاج الحرارة اللازمة قبل نحو ملياري سنة. وارتطام الكويكبات قد يسبّب ارتفاعات موضعية في الحرارة، غير أن القصف الكثيف الذي شكّل معظم فوهات القمر انتهى قبل تكوّن هذه البازلتات بزمن طويل.
كيف يمكن للمدّ والجزر أن يسخّن صخراً؟
يلجأ الباحثون إلى ما يسمى التسخين المدّي (Tidal Heating). يحدث هذا حين تضغط الجاذبية جرماً يدور في مدار بيضوي حول جرم أكبر ثم تمدّه، فتتولّد حرارة في باطنه. ومثاله القمر Io التابع للمشتري (Jupiter)، الذي لا تتوقف براكينه عن الثوران بفعل قوى المدّ خلال دورانه.
ويرى الفريق أن القمر عاش وضعاً مشابهاً. فقبل نحو ملياري سنة كان يدور حول الأرض كل 16 يوماً، مقابل 27 يوماً في مداره الحالي، وكان مداره أكثر استطالة (أي أكثر «انحرافاً مركزياً»). وفي ظروف كهذه كانت جاذبية الأرض تمارس قوى مدّية إيقاعية على باطن القمر.
ماذا أظهرت المحاكاة داخل القمر؟
لم تعامل النماذج السابقة للتسخين المدّي القمر إلا كأنه كرة متجانسة في معظمها. أما نموذج Chen وزميليه D. Wang وY. Liu فاعتمد نموذجاً ثلاثي الأبعاد للوشاح، وهو الطبقة الصخرية بين اللب والقشرة، ويأخذ في الحساب منطقة شديدة الانخفاض في اللزوجة تقع بين اللب والوشاح. وفي محاكاة للحمل الحراري (حركة المادة الساخنة صعوداً والباردة نزولاً) تركّزت الطاقة في منطقتين متماثلتين عند حدّ اللب والوشاح. وسمّى الباحثون هاتين المنطقتين «مناطق شذوذ التسخين المدّي» (THAZs).
وبحسب النموذج، شغلت هذه المناطق قبل نحو 3.2 مليار سنة ما نسبته 2.5% من حجم الوشاح الكلي، وسلّم الإجهاد المدّي إليها 150 غيغاواط. وتجاوز هذا التسخين أربعة أضعاف الطاقة الناتجة عن التحلّل الإشعاعي.
ويرى الفريق أن للأمر أثراً آخر، إذ ساعد التسخين المدّي في إبقاء لبّ القمر دافئاً وفي استمرار مجاله المغناطيسي مدة أطول مما تتوقعه النماذج السابقة. ويتسق ذلك مع ما بدا في عيّنات بعثات Apollo، التي يبدو أنها تشكّلت في مجال مغناطيسي قوي.
وفي ما يخصّ البازلت، يقترح النموذج أن التسخين المدّي دفع أعمدة من مادة الوشاح (Mantle Plumes) نحو القشرة القمرية. وبقيت جيوب من هذه المادة عالقة، ثم ذابت لاحقاً وأنتجت البازلتات التي عثر عليها في عيّنات Chang'e-5.
ما حدود هذا الطرح؟
لا يقدّم هذا العمل برهاناً مباشراً. فالباحثون عرضوا نموذجهم نظريةً، وهو تفسير يتسق مع عيّنات Chang'e-5 وعيّنات Apollo، لكنه ما زال ينتظر اختباراً بقياسات مباشرة من باطن القمر. ويمكن الاطلاع على إعلان البحث عبر EurekAlert وعلى نص الورقة البحثية في مجلة Planet.
وقد يأتي الاختبار من البعثات القمرية المخطط لها خلال العقد المقبل، إذ يُرجّح أن توفّر بيانات أكثر حسماً تبيّن هل كانت جاذبية الأرض هي التي أبقت القمر نشطاً بعد أن كان يُظن أنه خمد.
أخبار ذات صلة

جهاز مقترح لتلسكوب ELT قد يكشف ألغاز المادة المظلمة في المجرّات فائقة الانتشار

يمكنك رؤية مجرة أندروميدا (المرأة المسلسلة) بالعين المجردة.. إليك طريقة العثور عليها

مسبارا ناسا التوأم ينفذان مناورات جاذبية مدفوعة في طريقهما إلى المريخ
