زهرة الشيطان الغامضة تكشف أسرار غابات تايلاند
اكتشاف نبتة جديدة في غابات تايلاند الغربية تعيش بلا كلوروفيل وتعتمد على الفطريات للبقاء زهرة شيطانية غامضة مهددة بالانقراض في مساحة صغيرة داخل محمية طبيعية تحدد حدود فهمنا للتنوع البيولوجي وضرورة حماية الموائل الحساسة وورلد برس عربي

في أعماق غابات تايلاند الغربية، حيث تتراكم أوراق الشجر على التربة الرطبة وتحجب الضوء عن كل شيء تقريباً، يختبئ نباتٌ لا يحتاج إلى الشمس أصلاً. اكتشف علماء النبات في مايو 2025 نوعاً نباتياً جديداً كلياً داخل حديقة Thong Pha Phum الوطنية في غرب تايلاند، أطلقوا عليه اسم Thismia daemona، أو ما بات يُعرف شعبياً بـ"زهرة الشيطان". ما يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً ليس غرابة شكله وحسب، بل طريقة بقائه على قيد الحياة في غياب تام للكلوروفيل وهو ما يُعيد رسم حدود فهمنا لمملكة النبات.
نبات يعيش على حساب الفطريات
تعتمد الغالبية العظمى من النباتات على عملية التمثيل الضوئي لتحويل ضوء الشمس إلى غذاء، غير أن Thismia daemona يسلك مساراً مختلفاً تماماً. يفتقر هذا النبات إلى الكلوروفيل كلياً، ما يجعل التمثيل الضوئي مستحيلاً بيولوجياً. بدلاً من ذلك، يعتمد على آلية تُسمى الطفيلية الفطرية،إذ يستخرج المواد الغذائية التي يحتاجها من شبكات الفطريات الموجودة في التربة، متطفّلاً عليها بشكل فعّال لضمان بقائه.
يقضي النبات معظم دورة حياته مختبئاً تحت طبقة أوراق الشجر المتراكمة، ولا يظهر على السطح إلا لفترة وجيزة حين يحين موعد الإزهار وإنتاج البذور. يبلغ ارتفاعه بما في ذلك أزهاره نحو 12.5 سم فحسب، وهو ما يجعل اكتشافه في الميدان أمراً يستلزم عيناً مدرّبة وحظاً وافراً. عُثر عليه على ارتفاع يتراوح بين 930 و970 متراً فوق مستوى سطح البحر، في منطقة تعادل نحو 3,000 قدم.
أما شكله، فلا يقلّ غرابةً عن أسلوب حياته: زهرة شبه سوداء تتخللها بقع برتقالية-حمراء، وأسدية شفافة ذات لون أزرق، وثلاثة زوائد تشبه القرون، فضلاً عن جذور شاحبة اللون تشبه المرجان وتكسوها شعيرات دقيقة. هذا المظهر الاستثنائي هو ما ألهم الباحثين في تسميته، إذ يقول عالم النبات Sahut Chantanaorrapint من جامعة Prince of Songkla إن الاسم يعكس "أسلوب حياة النبات الخفي تحت الأرض والغامض، فضلاً عن جوهره الشيطاني".
اكتشاف يُوسّع خريطة التنوع البيولوجي
لا ينتمي Thismia daemona إلى مجموعة Thismia العامة فحسب وهي مجموعة تضم نحو 120 نوعاً معروفاً حول العالم تُعرف بـ"فوانيس الجنيات" بل ينتمي تحديداً إلى المجموعة الفرعية Geomitra، التي كانت حتى هذا الاكتشاف محصورة جغرافياً في شبه جزيرة ماليزيا وجزيرة بورنيو وسومطرة. وجوده في غرب تايلاند يعني أن نطاق هذه المجموعة الفرعية يمتد شمالاً أبعد مما كان يُعتقد، مما يُشير إلى أن هذه الأنواع تتمتع بقدرة تكيّف بيئي أوسع مما أظهرته السجلات العلمية السابقة.
أقرب أقاربه المعروفين هو Thismia betung-kerihunensis الموجود في بورنيو. أما على الصعيد المحلي، فقد رفع هذا الاكتشاف عدد أنواع Thismia الموثّقة في تايلاند من 15 إلى 16 نوعاً. ويصف Chantanaorrapint لحظة العثور عليه بقوله: "كان اكتشاف Thismia daemona مفاجأةً كبيرة حقاً." نُشرت الدراسة التي توثّق هذا الاكتشاف في سبتمبر 2026 في مجلة PhytoKeys المتخصصة في علم النبات، وأعدّها باحثون من جامعتَي Prince of Songkla وChulalongkorn.
خطر الانقراض يُلقي بظلاله على الاكتشاف
لا يكفي الاكتشاف العلمي وحده للاحتفاء، إذ يواجه هذا النوع الجديد خطراً وجودياً حقيقياً. لا تُعرف له سوى مجموعة واحدة في العالم، تضم أقل من 50 نبتة، تتمركز في مساحة لا تتجاوز 0.05 كيلومتر مربع. وقد قيّم الباحثون وضعه مبدئياً وفق معايير الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) بوصفه "مهدَّداً بالانقراض الحرج" وهي أعلى درجات الخطر في سلّم التصنيف الدولي.
المفارقة أن الموقع يقع داخل حديقة وطنية محمية، لكن هذه الحماية القانونية لا تعني بالضرورة حماية فعلية، إذ يرتادها السياح بانتظام. التدهور المحتمل للموئل الدقيق الذي يعيش فيه النبات سواء بالوطء العشوائي أو الاضطراب البيئي قد يكون كافياً للقضاء على هذه المجموعة الصغيرة أصلاً.
في هذا السياق، يرى Chantanaorrapint أن الحل لا يكمن في إغلاق المنطقة أمام الزوار، بل في توجيه وعيهم: "إن إلهام السكان المحليين للفخر بتراثهم الطبيعي لا يحمي الموئل الدقيق فحسب، بل يدعم أيضاً السياحة البيئية المستدامة بقيادة المجتمع."
يطرح هذا الاكتشاف سؤالاً أعمق يتجاوز تايلاند: كم من الأنواع النادرة لا تزال مختبئة تحت أوراق الشجر في غابات استوائية لم تطأها أقدام الباحثين بعد؟ وكم منها قد يختفي قبل أن يُمنح فرصة الاكتشاف؟ في حالة Thismia daemona، الوقت بين الاكتشاف والانقراض قد يكون أقصر مما يبدو.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
