اكتشاف قطّة نمر برّية جديدة تكشف أسرار الغابات
اكتشاف نوع جديد من قطط النمر الصغيرة في غابات بوليفيا السحابية يفتح آفاقاً جديدة لفهم التنوع البيولوجي ويعزز جهود الحماية. تعرف على القصة الكاملة لهذا الكائن الفريد وأهميته في عالم الحياة البرية مع وورلد برس عربي.

قبل أن يُغلق القرن العشرون الباب على جدلٍ علمي امتدّ لعقود، كانت قطط النمر الصغيرة في أمريكا الجنوبية تُصنَّف بشكلٍ مبسَّط تحت مسمّى واحد، كأنّ التنوّع الهائل في غاباتها المدارية يمكن اختزاله في خانةٍ واحدة. اليوم، وبعد أكثر من قرنٍ على آخر اكتشافٍ لنوعٍ جديد من القطط الحيّة، يُعلن الباحثون عن نوعٍ جديد كليّاً: Leopardus tilcayo، قطّةٌ برّية صغيرة تختبئ في غابات اليونغاس السحابية في بوليفيا، وقد ظلّت مجهولة الهوية لما يقارب مليوناً وأربعمئة ألف سنة من التطوّر المستقلّ.
نُشرت الدراسة في مجلة Current Biology في 17 سبتمبر 2026، وهي دراسةٌ جينومية شاملة رصدت 38 عيّنةً من قطط أمريكا الجنوبية والوسطى، من بينها 8 عيّنات محفوظة في متاحف علمية. شملت العيّنات حيواناتٍ من كوستاريكا وكولومبيا وبيرو وبوليفيا والبرازيل وسورينام وغيانا وفنزويلا خريطةٌ جغرافية واسعة تعكس الجهد المبذول لفهم هذه المجموعة الحيوانية المراوغة.
قطّةٌ أصغر من القطط المنزلية
وصفت باولا نوغاليس-أسكارونز، عالمة الأحياء والمشاركة في تأليف الدراسة من ملجأ Senda Verde في بوليفيا، الكائن الجديد بعبارةٍ لافتة: "إنّها أصغر من القطّة المنزلية". وهذا ليس مجازاً؛ إذ يتراوح وزن Leopardus tilcayo بين 1.5 و2 كيلوغرام، ولا يتجاوز طول جسمها 50 سنتيمتراً، مع ذيلٍ يبلغ نحو 25 سنتيمتراً. ولم يُوصَف من هذا النوع حتى الآن سوى فردَين: أحدهما اصطِيد برّياً، والآخر ذكرٌ في الأسر يحمل اسم Tigrino.
ما أثار دهشة الباحثين أنّ الأمر لم يبدأ بتوقّع اكتشافٍ ضخم. تقول نوغاليس-أسكارونز: "لم تكن تبدو كسائر القطط، لكنّنا لم نكن نتوقّع أن يكون نوعاً جديداً بحدّ ذاته". هذا التحفّظ العلمي يعكس طبيعة هذه القطط التي تتشابه في مظهرها الخارجي تشابهاً كبيراً، ولا يمكن التمييز بينها في الغالب إلا عبر التحليل الجيني والفوارق الدقيقة في التحبيب والتلوين.
إلى جانب النوع الجديد، حدّدت الدراسة ذاتها نوعاً فرعياً جديداً هو Leopardus tigrinus antisuyo، عُثر عليه في بيرو.
شجرةٌ عائلية طال الخلاف حولها
لفهم أهمّية هذا الاكتشاف، لا بدّ من استيعاب مسار التصنيف المتشعّب لقطط النمر على مدى قرنين ونصف. وُصفت هذه القطط لأوّل مرة عام 1775 في غيانا الفرنسية، ثم جرى دمجها في القرن العشرين تحت نوعٍ واحد هو L. tigrinus. غير أنّ الأدوات الجينية الحديثة فتحت الباب أمام مراجعاتٍ متتالية: في عام 2013 انقسم النوع إلى شماليٍّ (L. tigrinus) وجنوبيٍّ (L. guttulus)، ثم اقتُرح عام 2017 نوعٌ شرقي مستقلّ (L. emiliae)، وفي عام 2024 انفصل نوعٌ آخر هو القطّة النمرية الملبّدة (L. pardinoides). واليوم، مع إضافة L. tilcayo، باتت قطط النمر تضمّ خمسة أنواع متمايزة.
يُلخّص فابيو أوليفيرا دو ناسيمينتو، عالم التصنيف في متحف علم الحيوان بجامعة São Paulo، المشهدَ بقوله: "بدأ فهمنا للتاريخ الطبيعي والتطوّر وتصنيف هذه المجموعة يتّضح تدريجياً، إذ نحلّ تساؤلاتٍ قديمة بينما تطرح أمامنا تساؤلاتٍ جديدة". وهذا بالضبط ما تعنيه العلوم حين تنضج: ليس إغلاق الملفّات، بل فتحها بدقّةٍ أكبر.
والجدير بالذكر أنّ L. tilcayo انفصلت عن سائر أنواع Leopardus منذ 1.4 مليون سنة، وأنّ آخر نوعٍ جديد من القطط الحيّة وُصف كان قطّة البامباس الأوروغوايية عام 1923 أي أنّ هذا الاكتشاف يكسر صمتاً علمياً امتدّ أكثر من مئة عام.
ما يعنيه هذا للحفاظ على الأنواع
الاكتشاف ليس مجرّد إضافةٍ لقائمة الأنواع المعروفة؛ له تداعياتٌ مباشرة على السياسات الحمائية. حالياً، تُصنَّف قطط النمر الشمالية والجنوبية على قائمة الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) ضمن فئة "الأنواع المعرّضة للخطر" (Vulnerable) مع تراجعٍ مستمرّ في أعدادها. لكنّ التصنيف الجديد قد يُغيّر هذه المعادلة.
يقول يوناس ليسكروار، عالم الأحياء التطوّرية في جامعة Antwerp: "الأنواع التي تُعتبر حالياً 'معرّضة للخطر' تحت المسمّى الواحد 'قطّة النمر الشمالية' قد ترتفع إلى مرتبة 'مهدَّدة بالانقراض' حين تُقيَّم كلٌّ منها بشكلٍ مستقلّ". وهذا ليس تفصيلاً أكاديمياً؛ فالتصنيف الأعلى خطورةً يعني أولويةً أكبر في التمويل والحماية القانونية والبرامج الدولية.
أمّا التهديدات التي تواجه هذه القطط فهي متشعّبة: إزالة الغابات، والاتجار بالحياة البرّية، وانتقال الأمراض من الكلاب الأهلية وهو تهديدٌ يُغفله كثيرون حين يفكّرون في حماية الأنواع البرّية.
يختم ليسكروار بجملةٍ تحمل قدراً من الأمل والحذر معاً: "هذا الاكتشاف من المؤكّد أنّه سيزيد الاهتمام بالحفاظ على هذه الأنواع أو على الأقلّ نأمل ذلك". هذا التحفّظ مفهوم: فالاكتشافات العلمية لا تُترجَم تلقائياً إلى سياساتٍ حمائية، خاصةً في مناطق تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وضعف في الحوكمة البيئية. السؤال المفتوح الآن هو: هل ستُعيد دول المنطقة — بوليفيا وبيرو وسواهما النظر في تصنيفاتها الوطنية لهذه الأنواع في ضوء ما كشفه الجينوم؟
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
