كيف النيوترينوات تغير مصير النجوم العملاقة
هل فشل النجوم في الانفجار مرتبط بتذبذب النيوترينوات؟ دراسة جديدة تكشف كيف تؤثر هذه الجسيمات الصغيرة على مصير النجوم الضخمة وتفسر الفجوة الكتلية للثقوب السوداء وأسرار المستعرات الكبرى في الكون مع وورلد برس عربي.

حين تفشل النجوم في الانفجار: هل تُعيد فيزياء النيوترينو رسم خريطة الموت النجمي؟
ثمّة فجوةٌ مزعجة تسكن قلب علم الفيزياء الفلكية منذ سنوات: النجوم الضخمة تموت بأعداد أقلّ ممّا تتنبّأ به النماذج النظرية. الانفجارات النجمية العظيمة المعروفة بـ"المستعرات الكبرى" (Supernovae) التي تُنهي حياة النجوم العملاقة تبدو أقلّ تواتراً مما يُفترض، وعدد العمالقة الحمراء التي يُرصد انهيارها دون أن تنفجر يفوق ما تستوعبه الحسابات القائمة. الآن، تقترح دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Physical Review D عام 2026 أنّ مفتاح هذا اللغز ربّما يكمن في جسيماتٍ دون ذرية بالغة الصغر، كثيراً ما أُهملت في النماذج الحاسوبية: النيوترينوات.
ما الذي تُخفيه النيوترينوات داخل النجم المحتضر؟
تبدأ القصة حين ينفد وقود النجم الضخم، فينهار نواته تحت ثقل جاذبيته الهائلة، مُطلقاً في اللحظات الأولى كمّياتٍ هائلة من النيوترينوات. هذه الجسيمات ليست مجرّد نواتج عرضية للانهيار؛ بل هي الوسيط الذي يحمل الطاقة إلى موجة الصدمة المتشكّلة داخل النجم، وبحسب مقدار ما تنقله من طاقة يُحدَّد مصير النجم: هل ينفجر مُستعراً عظيماً، أم ينهار صامتاً مُكوِّناً نجماً نيوترونياً أو ثقباً أسود؟
غير أنّ النيوترينوات تحمل خاصيةً كمّيةً نادراً ما تأخذها النماذج بعين الاعتبار: إنّها تتأرجح بين ثلاثة "نكهات" (Flavors) مختلفة نيوترينو الإلكترون، ونيوترينو الميون، ونيوترينو التاو في ظاهرة تُعرف بـ"التذبذب النكهي" (Flavor Oscillations). معظم النماذج الحاسوبية الراهنة تتعامل مع النيوترينوات كنوعٍ واحد، متجاهلةً هذا التحوّل المستمر في هويّتها.
200 نجم تحت المجهر الحاسوبي
لاستيعاب الأثر الحقيقي لهذه الظاهرة، نمذجت الباحثتان Mariam Gogilashvili و Irene Tamborra من جامعة University of Copenhagen ما يقارب 200 نجم سلف، تتراوح كتلتها بين 9 و120 ضعف كتلة الشمس، مُدرجتَين تأثير التذبذب النكهي في حسابات موجة الصدمة.
ما كشفته النتائج لافتٌ: التذبذب النكهي يُعيد توزيع طاقة النيوترينوات بين أنواعها المختلفة، فيُقلّص الطاقة المنقولة إلى موجة الصدمة. وكما تصف الباحثتان في ورقتهما المنشورة بـPhysical Review D: "من خلال تعديل الطيف النسبي لنيوترينوات الإلكترون ومضادّات نيوترينو الإلكترون ونيوترينوات اللبتون الثقيل، يؤثّر التذبذب النكهي في التسخين والتبريد عبر التيارات المشحونة في المنطقة الواقعة خلف موجة الصدمة."
والنتيجة العملية: النجوم التي تتراوح كتلتها بين 15 و30 ضعف كتلة الشمس تُصبح الأكثر عرضةً للفشل في الانفجار حين يُؤخذ التذبذب النكهي بالحسبان. بل إنّ النموذج يُظهر أنّ معدّل المستعرات الكبرى الفاشلة يتضاعف تقريباً عند رفع قيمة حدّ كثافة موجة الصدمة في النموذج، وفي ظروف كثافة عالية قد يصل الفشل إلى ما يقارب 90% من النجوم المدروسة.
الثقوب السوداء الأثقل والفجوة الكتلية الغامضة
لهذه النتائج امتداداتٌ تتجاوز إحصاءات الانفجارات النجمية. حين يفشل النجم في الانفجار، لا تتبدّد كتلته في الفضاء، بل تتراكم على البقايا النجمية، مُنتجةً ثقوباً سوداء أضخم ممّا تُفرزه الانفجارات الناجحة. وهذا قد يُفسّر ظاهرةً رصدتها بيانات موجات الجاذبية: ما يُعرف بـ"الفجوة الكتلية" (Mass Gap) في توزيع الثقوب السوداء تلك المنطقة من الكتل التي يبدو فيها تكوّن الثقوب السوداء أقلّ ممّا تتوقّعه النظرية، وهي ظاهرة لم تجد تفسيراً نظرياً مُقنعاً حتى الآن.
يُضاف إلى ذلك تفسيرٌ محتمل لتناقضٍ آخر: لماذا يُرصد عددٌ أقلّ من العمالقة الحمراء كأسلاف مباشرة للمستعرات الكبرى؟ إذا كان عددٌ كبيرٌ منها ينهار دون انفجار مرئي، فإنّ غيابها عن سجلّات الأسلاف النجمية يُصبح أمراً متوقّعاً لا مُحيّراً.
حدود النموذج: ما لم يُحسب بعد
الأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى أنّ الدراسة تعتمد تبسيطاتٍ منهجية لا يمكن إغفالها. النموذج المُستخدَم يُبسّط آليات التذبذب النكهي، ولا يأخذ في الحسبان تأثير الحمل الحراري (Convection) داخل النجم النيوتروني. هذه التبسيطات لا تُلغي قيمة النتائج، لكنّها تُقيّد مدى تعميمها، وتفتح الباب أمام نماذج أكثر تفصيلاً في المستقبل.
ما يمنح هذه الدراسة ثقلها ليس ادّعاءها تقديم إجاباتٍ نهائية، بل قدرتها على ربط ثلاثة تناقضات رصدية معدّلات المستعرات الكبرى، وغياب أسلاف العمالقة الحمراء، والفجوة الكتلية للثقوب السوداء بآليةٍ فيزيائية واحدة يمكن اختبارها ومراجعتها. في علم الفيزياء الفلكية، حين يُفسّر نموذجٌ واحد تناقضاتٍ متعددة في آنٍ واحد، فذلك وحده يستحقّ الانتباه. السؤال المفتوح الآن: هل ستُؤكّد رصدات موجات الجاذبية القادمة، وتلسكوبات الجيل التالي، أنّ النيوترينوات فعلاً تُقرّر مصير النجوم بهذا القدر من الصمت؟
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
