وورلد برس عربي logo

كيف النيوترينوات تغير مصير النجوم العملاقة

هل فشل النجوم في الانفجار مرتبط بتذبذب النيوترينوات؟ دراسة جديدة تكشف كيف تؤثر هذه الجسيمات الصغيرة على مصير النجوم الضخمة وتفسر الفجوة الكتلية للثقوب السوداء وأسرار المستعرات الكبرى في الكون مع وورلد برس عربي.

انهيار نجم ضخم يظهر موجة صدمة وغيمة غازية حول النواة، يوضح تأثير النيوترينوات على فشل الانفجار النجمي في المستعرات الكبرى.
صورة تم إنشاؤها بواسطة برنامج نمذجة السوبرنوفا. الحقوق محفوظة لكين تشن، معهد علم الفلك والفيزياء الفلكية بأكاديمية سينكا
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين تفشل النجوم في الانفجار: هل تُعيد فيزياء النيوترينو رسم خريطة الموت النجمي؟

ثمّة فجوةٌ مزعجة تسكن قلب علم الفيزياء الفلكية منذ سنوات: النجوم الضخمة تموت بأعداد أقلّ ممّا تتنبّأ به النماذج النظرية. الانفجارات النجمية العظيمة المعروفة بـ"المستعرات الكبرى" (Supernovae) التي تُنهي حياة النجوم العملاقة تبدو أقلّ تواتراً مما يُفترض، وعدد العمالقة الحمراء التي يُرصد انهيارها دون أن تنفجر يفوق ما تستوعبه الحسابات القائمة. الآن، تقترح دراسةٌ جديدة نُشرت في مجلة Physical Review D عام 2026 أنّ مفتاح هذا اللغز ربّما يكمن في جسيماتٍ دون ذرية بالغة الصغر، كثيراً ما أُهملت في النماذج الحاسوبية: النيوترينوات.

ما الذي تُخفيه النيوترينوات داخل النجم المحتضر؟

تبدأ القصة حين ينفد وقود النجم الضخم، فينهار نواته تحت ثقل جاذبيته الهائلة، مُطلقاً في اللحظات الأولى كمّياتٍ هائلة من النيوترينوات. هذه الجسيمات ليست مجرّد نواتج عرضية للانهيار؛ بل هي الوسيط الذي يحمل الطاقة إلى موجة الصدمة المتشكّلة داخل النجم، وبحسب مقدار ما تنقله من طاقة يُحدَّد مصير النجم: هل ينفجر مُستعراً عظيماً، أم ينهار صامتاً مُكوِّناً نجماً نيوترونياً أو ثقباً أسود؟

غير أنّ النيوترينوات تحمل خاصيةً كمّيةً نادراً ما تأخذها النماذج بعين الاعتبار: إنّها تتأرجح بين ثلاثة "نكهات" (Flavors) مختلفة نيوترينو الإلكترون، ونيوترينو الميون، ونيوترينو التاو في ظاهرة تُعرف بـ"التذبذب النكهي" (Flavor Oscillations). معظم النماذج الحاسوبية الراهنة تتعامل مع النيوترينوات كنوعٍ واحد، متجاهلةً هذا التحوّل المستمر في هويّتها.

200 نجم تحت المجهر الحاسوبي

لاستيعاب الأثر الحقيقي لهذه الظاهرة، نمذجت الباحثتان Mariam Gogilashvili و Irene Tamborra من جامعة University of Copenhagen ما يقارب 200 نجم سلف، تتراوح كتلتها بين 9 و120 ضعف كتلة الشمس، مُدرجتَين تأثير التذبذب النكهي في حسابات موجة الصدمة.

ما كشفته النتائج لافتٌ: التذبذب النكهي يُعيد توزيع طاقة النيوترينوات بين أنواعها المختلفة، فيُقلّص الطاقة المنقولة إلى موجة الصدمة. وكما تصف الباحثتان في ورقتهما المنشورة بـPhysical Review D: "من خلال تعديل الطيف النسبي لنيوترينوات الإلكترون ومضادّات نيوترينو الإلكترون ونيوترينوات اللبتون الثقيل، يؤثّر التذبذب النكهي في التسخين والتبريد عبر التيارات المشحونة في المنطقة الواقعة خلف موجة الصدمة."

والنتيجة العملية: النجوم التي تتراوح كتلتها بين 15 و30 ضعف كتلة الشمس تُصبح الأكثر عرضةً للفشل في الانفجار حين يُؤخذ التذبذب النكهي بالحسبان. بل إنّ النموذج يُظهر أنّ معدّل المستعرات الكبرى الفاشلة يتضاعف تقريباً عند رفع قيمة حدّ كثافة موجة الصدمة في النموذج، وفي ظروف كثافة عالية قد يصل الفشل إلى ما يقارب 90% من النجوم المدروسة.

الثقوب السوداء الأثقل والفجوة الكتلية الغامضة

لهذه النتائج امتداداتٌ تتجاوز إحصاءات الانفجارات النجمية. حين يفشل النجم في الانفجار، لا تتبدّد كتلته في الفضاء، بل تتراكم على البقايا النجمية، مُنتجةً ثقوباً سوداء أضخم ممّا تُفرزه الانفجارات الناجحة. وهذا قد يُفسّر ظاهرةً رصدتها بيانات موجات الجاذبية: ما يُعرف بـ"الفجوة الكتلية" (Mass Gap) في توزيع الثقوب السوداء تلك المنطقة من الكتل التي يبدو فيها تكوّن الثقوب السوداء أقلّ ممّا تتوقّعه النظرية، وهي ظاهرة لم تجد تفسيراً نظرياً مُقنعاً حتى الآن.

يُضاف إلى ذلك تفسيرٌ محتمل لتناقضٍ آخر: لماذا يُرصد عددٌ أقلّ من العمالقة الحمراء كأسلاف مباشرة للمستعرات الكبرى؟ إذا كان عددٌ كبيرٌ منها ينهار دون انفجار مرئي، فإنّ غيابها عن سجلّات الأسلاف النجمية يُصبح أمراً متوقّعاً لا مُحيّراً.

حدود النموذج: ما لم يُحسب بعد

الأمانة العلمية تقتضي الإشارة إلى أنّ الدراسة تعتمد تبسيطاتٍ منهجية لا يمكن إغفالها. النموذج المُستخدَم يُبسّط آليات التذبذب النكهي، ولا يأخذ في الحسبان تأثير الحمل الحراري (Convection) داخل النجم النيوتروني. هذه التبسيطات لا تُلغي قيمة النتائج، لكنّها تُقيّد مدى تعميمها، وتفتح الباب أمام نماذج أكثر تفصيلاً في المستقبل.

ما يمنح هذه الدراسة ثقلها ليس ادّعاءها تقديم إجاباتٍ نهائية، بل قدرتها على ربط ثلاثة تناقضات رصدية معدّلات المستعرات الكبرى، وغياب أسلاف العمالقة الحمراء، والفجوة الكتلية للثقوب السوداء بآليةٍ فيزيائية واحدة يمكن اختبارها ومراجعتها. في علم الفيزياء الفلكية، حين يُفسّر نموذجٌ واحد تناقضاتٍ متعددة في آنٍ واحد، فذلك وحده يستحقّ الانتباه. السؤال المفتوح الآن: هل ستُؤكّد رصدات موجات الجاذبية القادمة، وتلسكوبات الجيل التالي، أنّ النيوترينوات فعلاً تُقرّر مصير النجوم بهذا القدر من الصمت؟

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية