نيبال تواجه فيضانات كارثية وتحديات المناخ العادلة
فيضانات نيبال تكشف هشاشة البنية التحتية والتحديات المناخية التي تواجهها رغم مساهمتها الضئيلة في التغير المناخي. كيف ستتعامل الحكومة الجديدة مع أزمة تتطلب دعمًا دوليًا وإصلاحات عاجلة؟ متابعة التفاصيل على وورلد برس عربي



حين تضرب الفيضانات دولةً تُنتج 0.1% من انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً، فإنّ الأرقام لا تُخبر القصة وحدها بل تكشف عن خللٍ عميق في منطق التوزيع العالمي للمخاطر المناخية. قبل أسبوعين، اجتاحت فيضاناتٌ مفاجئة جبالَ نيبال وأوديتها، فدمّرت نحو 7,500 منزل وأوجبت إعادة بناء 20,000 آخرين، وخلّفت أكثر من 1,300 قتيل في نيبال والتيبت، فيما لا يزال نحو 5,000 شخص في عداد المفقودين.
الفاتورة التي لا تستطيع نيبال دفعها
الخسائر المادية المباشرة بلغت 2.56 مليار دولار ما يُعادل خُمس الميزانية الحكومية السنوية البالغة 14 مليار دولار. لكنّ هذا الرقم لا يعكس الكلفة الحقيقية؛ إذ تُشير التقديرات إلى أنّ إعادة البناء الكاملة ستتطلّب ما بين 4 و5 مليارات دولار أي ضعف الخسائر المُعلنة على أقلّ تقدير.
الإشارة الأضعف في هذه الأرقام تكمن في قطاع الطاقة الكهرومائية. تضرّر ما لا يقلّ عن 12 مشروعاً للطاقة الكهرومائية، وهي تنتمي إلى ممرٍّ طاقوي يُنتج نحو 10% من الكهرباء في نيبال حالياً، وتصل نسبته إلى 20% حين تُحتسب المشاريع قيد الإنشاء. بمعنى آخر، الفيضانات لم تضرب البنية التحتية القائمة فحسب، بل أصابت مسار التحوّل الطاقوي في البلاد في مقتل.
قالت سومنيما أوداس، عضو البرلمان ورئيسة لجنة العلاقات الدولية والسياحة، بصراحة لافتة: «إنّها أرضٌ قاحلة هناك. إعادة البناء لن تكون سهلة». وهو وصفٌ يختزل واقعاً أكثر تعقيداً ممّا تُظهره الصور: طرقٌ مقطوعة، وأنفاقٌ مليئة بالأنقاض، وشُحٌّ في المعدّات.
حكومةٌ جديدة في مواجهة أزمة قديمة
ما يُضاعف التعقيد هو التوقيت السياسي. رئيس الوزراء بالين شاه، البالغ من العمر 36 عاماً، لم يمضِ على توليّه المنصب سوى أشهر قليلة؛ فقد وصل إلى السلطة في مارس إثر انتخاباتٍ جاءت في أعقاب موجة احتجاجات شبابية اندلعت في سبتمبر الماضي، تصاعدت إلى أعمال عنف أفضت إلى استقالة رئيس الوزراء السابق K.P. Sharma Oli وتشكيل حكومةٍ تصريف أعمال.
الحكومة الجديدة حرّكت الجيش والشرطة وطائرات الهليكوبتر والفرق الطبية لعمليات الإنقاذ والإغاثة وهو ردٌّ فعلي لا يُستهان به. لكنّ الإدارة تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع كوارث بهذا الحجم، وهو ما يُلقي بظلاله على سرعة الاستجابة وفاعليتها.
يُشخّص غونا راج لويتيل، رئيس تحرير مجلة The Diplomat Nepal، المشكلة البنيوية بجملةٍ لا تحتمل التأويل: «نيبال بلدٌ معرّض للكوارث، لكنّنا فشلنا في التعلّم من الماضي». الفشل هنا ليس فشل إدارةٍ واحدة، بل هو تراكمٌ مؤسّسي ممتدّ عبر حكوماتٍ متعاقبة لم تُرسِ منظومة استجابة هيكلية للكوارث.
نيبال والمعادلة المناخية غير العادلة
ثمّة بُعدٌ لا يجب إغفاله في قراءة هذه الأزمة: نيبال لا تتحمّل مسؤولية ما يحدث لها مناخياً بأيّ معيارٍ موضوعي. البلاد تُنتج 0.1% فقط من انبعاثات الغازات الدفيئة عالمياً، وقد ضاعفت تقريباً غطاءها الحرجي خلال 30 عاماً الماضية، وتعتمد في توليد كهربائها على مصادر نظيفة في معظمها، وتبنّت السيارات الكهربائية بوتيرةٍ لافتة. ومع ذلك، تدفع فاتورةً مناخية باهظة: الهيمالايا تتسخّن بسرعة، والأنهار الجليدية تتراجع، وأنماط الأمطار والثلوج تتحوّل بصورةٍ تجعل الوديان الحادّة والمنحدرات غير المستقرة بيئةً مثالية للكوارث.
هذه المعادلة هي ما دفعت أوداس إلى القول: «هذا ليس نحن في مواجهة هم. هذا يتعلّق بالإنسانية والكوكب». وهي عبارةٌ تحمل في طيّاتها رسالةً موجّهة إلى الدول المتقدّمة التي تتحمّل الحصّة الأكبر من المسؤولية التاريخية عن التغيّر المناخي.
لويتيل يُعبّر عن الخلاصة بوضوح: «نيبال لا تستطيع تحمّل التكلفة وحدها». وهذه ليست استجداءً، بل توصيفٌ دقيق للفجوة بين حجم الكارثة وقدرة الدولة على الاستيعاب.
ثلاثة مسارات أمام نيبال
في ضوء ما تقدّم، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمرحلة ما بعد الفيضانات:
الأرجح: تتلقّى نيبال دعماً دولياً محدوداً عبر الأمم المتحدة وبعض الدول المانحة، يُغطّي جزءاً من فجوة التمويل دون أن يُعالج الخلل البنيوي في منظومة الاستجابة للكوارث. يستمرّ التعافي ببطء، وتبقى مشاريع الطاقة الكهرومائية المتضرّرة معطّلةً لسنوات.
المحتمل: تُفضي الأزمة إلى ضغطٍ سياسي داخلي يدفع حكومة شاه نحو إصلاحاتٍ هيكلية في إدارة الكوارث، مدعومةً بشراكاتٍ دولية أوسع تستثمر في البنية التحتية المقاومة للمناخ.
الأقلّ احتمالاً: أن تُشكّل هذه الكارثة نقطة تحوّل في مفاوضات تمويل «الخسائر والأضرار» على المستوى الدولي، فتتحوّل نيبال من حالةٍ إنسانية إلى نموذجٍ سياسي يُعيد تشكيل آليات التعويض المناخي.
السؤال الذي يظلّ مفتوحاً: هل تملك حكومةٌ جديدة وغير متمرّسة، في بلدٍ يعاني هشاشةً سياسية متراكمة، القدرةَ على تحويل هذه الكارثة إلى رافعةٍ للإصلاح — أم أنّ الفيضانات ستُضاف إلى سجلٍّ طويل من الكوارث التي مرّت دون أن تُغيّر شيئاً في البنية؟
أخبار ذات صلة

بركان إندونيسيا يُرصد من الفضاء في صورة يوم الفضاء

رحلات جاكرتا تستأنف عملها بعد إغلاق بركاني استمرّ يومين

لا أحد يستعدّ لأسوأ يومٍ في التاريخ
