تلسكوب Roman يفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف الكواكب
تلسكوب Nancy Grace Roman يفتح آفاقاً جديدة في استكشاف الكواكب الخارجية بأدق تقنيات الكورونوغراف والمرايا النشطة لرصد كواكب شبيهة بالمشتري والكواكب الصالحة للسكن ويعد بكشف مئات آلاف الكواكب الجديدة عبر تقنيات متقدمة وورلد برس عربي

حين أطلقت NASA تلسكوب Nancy Grace Roman الفضائي في 30 أغسطس 2023، لم يكن الحدث مجرّد إضافة إلى قائمة المراصد الفضائية المدارية بل كان إعلاناً عن تحوّل جوهري في قدرتنا على رؤية الكواكب البعيدة ودراسة أجوائها. للمرّة الأولى في تاريخ استكشاف الفضاء، يحمل تلسكوبٌ في مداره كورونوغراف نشطاً يُعدّ الأكثر تطوّراً من نوعه، وقادراً على أن يكشف لنا ما ظلّ مخفياً خلف وهج النجوم لعقود.
ما الذي يجعل هذا الكورونوغراف مختلفاً عن كلّ ما سبقه؟
الكورونوغراف في جوهره أداةٌ لحجب ضوء النجم كي تظهر الأجسام الخافتة المحيطة به. والفكرة ليست جديدة؛ كما تقول Vanessa Bailey، عالمة أجهزة الكورونوغراف في المشروع: "في الواقع، منذ أكثر من 100 عام، استخدم علماء الفلك الكورونوغرافات لصنع كسوف اصطناعي لدراسة إكليل الشمس. وهذا هو سبب التسمية." وقد استمرّ هذا التقليد حتى اليوم؛ إذ أطلقت NASA مهمّة PUNCH عام 2025 بكورونوغراف لدراسة إكليل الشمس أيضاً.
لكنّ ما يحمله تلسكوب Roman يتجاوز هذا المبدأ القديم بمراحل. يقول Dominic Benford، العالم المسؤول عن برنامج Roman: "تلسكوب Roman الفضائي يحمل أكثر الكورونوغرافات تطوّراً أرسلتها البشرية إلى الفضاء على الإطلاق." والفارق الجوهري يكمن في آلية عمله: فبدلاً من الاكتفاء بحجب الضوء ميكانيكياً، يعتمد الجهاز على ما يُعرف بالتداخل الهدّام،حيث تُلغي موجات الضوء بعضها بعضاً بدقّة متناهية. والنتيجة مذهلة: "يمكننا حجب ضوء النجم حتى لا يتبقّى منه سوى أجزاء قليلة من كلّ مليار جزء"، وفق Benford.
مرايا تتشكّل بدقّة الذرّة
ما يُميّز هذا الكورونوغراف عن نظيريه على تلسكوبَي James Webb وHubble هو كونه "نشطاً" أي أنّه يُعدّل نفسه في الوقت الفعلي. يتضمّن الجهاز مرايا قابلة للتشكيل تحتوي على مئات المكابس الصغيرة التي تُحرّك سطح المرآة بدقّة تقترب من حجم الذرّة. تصف Bailey هذا الإنجاز بقولها: "هذه المرايا القابلة للتشكيل إنجازٌ هندسي حقيقي. يمكن التحكّم فيها بدقّة تقترب من حجم الذرّة، وهذا ما يُتيح لنا تحقيق هذا الأداء التحويلي."
الهدف من كلّ هذه الدقّة هو الكشف عن كواكب تبلغ خفوتاً نحو 100 مليون مرّة مقارنةً بنجومها. وهذا ما يجعل Benford يقول بثقة: "يمكننا رؤية الضوء المنعكس مباشرةً عن شيء مثل كوكب المشتري حول نجم آخر، وهو ما لم نتمكّن من فعله قطّ من قبل."
ماذا سيرصد Roman تحديداً؟
يتركّز اهتمام الكورونوغراف على الكواكب الشبيهة بالمشتري في الأنظمة النجمية القريبة، إلى جانب الغبار والحطام المتبقّي من عمليات تشكّل الكواكب. وهنا تضيف Bailey بُعداً آخر: "أو ربّما توجد بقايا مثيرة من الغبار والحطام الناتج عن عملية تشكّل الكواكب." وهذا النوع من الرصد ليس غايةً بحدّ ذاته فحسب، بل هو أيضاً خطوةٌ تحضيرية لمشاريع أكبر؛ إذ تُوضح Bailey أنّ ذلك "مثيرٌ للاهتمام في حدّ ذاته، ولكنّه أيضاً مثيرٌ للاهتمام بوصفه مقدّمةً لمرصد العوالم الصالحة للسكن . هذا المرصد المستقبلي الذي تخطّط له NASA يستهدف تصوير كواكب شبيهة بالأرض مباشرةً، وسيحتاج إلى معرفة مسبقة بمستويات الغبار في الأنظمة النجمية المستهدفة وهو بالضبط ما سيوفّره Roman.
أداة ثانية تُضاعف القدرة: الرصد الميداني الواسع
إلى جانب الكورونوغراف، يحمل Roman أداةً ثانية لا تقلّ أهمية: الجهاز ذو المجال الواسع (Wide Field Instrument - WFI)، الذي يمسح مساحات شاسعة من السماء بحثاً عن الكواكب الخارجية بأسلوبين مختلفين.
الأوّل هو أسلوب العبور (Transit)، الذي يرصد الانخفاضات الطفيفة في ضوء النجم حين يمرّ كوكبٌ أمامه. والثاني هو أسلوب العدسة الجاذبية الدقيقة (Microlensing)، الذي يكشف الكواكب من خلال ازدياد سطوع النجم الناجم عن تأثير الجاذبية في الفضاء-الزمن. تشرح Nicky Fox، المسؤولة في مديرية مهام العلوم بـ NASA: "إذا رأيت انخفاضاً طفيفاً، فقد يُشير إلى كوكب عابر. وإذا رأيت ازدياداً طفيفاً في السطوع، فقد يُشير إلى كوكب مكتشَف بالعدسة الجاذبية."
ما يجعل أسلوب العدسة الجاذبية الدقيقة لافتاً بشكل خاص هو حساسيّته للكواكب بحجم الأرض في المناطق الصالحة للسكن حول نجومها وهو بالضبط النوع من الكواكب الذي يُثير تساؤلات الباحثين عن الحياة خارج المجموعة الشمسية. في المقابل، يتميّز أسلوب العبور برصد الكواكب الأقرب إلى نجومها.
من 6,000 إلى 100,000 عالم: ما الذي سيتغيّر؟
حتى اليوم، يبلغ عدد الكواكب الخارجية المعروفة نحو 6,000 كوكب وهو رقمٌ بدا ضخماً حين وصلنا إليه، لكنّه يبدو متواضعاً أمام ما يعِد به Roman. تُشير التقديرات إلى أنّ التلسكوب قد يكشف عن 100,000 كوكب إضافي، وهو ما يُمثّل قفزةً نوعية لا كمّية فحسب في فهمنا لمدى انتشار الكواكب في الكون.
وهنا تحضر جملةٌ لـ Bailey تختزل الدافع وراء كلّ هذا الجهد: "حين تنظر إلى السماء ليلاً، فإنّ معظم تلك النجوم لها كواكب." وهي جملةٌ تبدو بسيطة، لكنّها تحمل ثقلاً علمياً هائلاً فالسؤال لم يعد "هل توجد كواكب أخرى؟" بل أصبح "كم منها يشبه الأرض؟ وكم منها قد يحمل الحياة؟"
Fox تُعبّر عن هذا بطريقة مختلفة: إذا رأيت الظاهرة تتكرّر، يمكنك استنتاج وجود كوكب، واستخلاص نصف قطره وحجمه من الرصد. أمّا Bailey فتُضيف بُعداً إنسانياً: "أحبّ الشعور بالصغر الذي يأتي من إدراك أنّك لست وحيداً في الكون."
ما يضعه Roman على الطاولة ليس مجرّد أرقام جديدة في سجلّات الفلك بل هو أساسٌ لجيل قادم من المراصد، في مقدّمتها ، الذي سيحاول الإجابة عن السؤال الأكثر جوهرية في تاريخ العلم: هل نحن وحدنا؟ الإجابة لن تأتي دفعةً واحدة، بل ستتراكم كوكباً بعد كوكب، ومرآةً بعد مرآة، حتى تتّضح الصورة.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
