وورلد برس عربي logo

الصراع على القمر يتحول إلى معركة موارد استراتيجية

التنافس على القمر يتحول إلى صراع على مواقع استراتيجية ومصادر حيوية كالثلج المائي في القطب الجنوبي مع صعود الصين وروسيا بينما تعيد ناسا ترتيب تحالفاتها مع إيطاليا واليابان لتحقيق استيطان دائم ومستقبل فضائي جديد وورلد برس عربي

فوهة قمرية كبيرة مضاءة جزئياً على سطح القمر، تمثل المواقع الاستراتيجية المحدودة في القطب الجنوبي التي تشكل محور التنافس الدولي على موارد القمر.
قمة حافة فوهة شاكليتون والجزء العلوي من الحافة كما تظهر من خلال المسبار المداري لاستطلاع القمر التابع لوكالة ناسا. يقع القطب الجنوبي للقمر على الحافة بالقرب من الزاوية العلوية اليمنى للصورة. الحقوق: ناسا/مركز غودارد لرحلات الفضاء/جامعة ولاية أريزونا
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يبدو أن التنافس على القمر لم يعد مجرّد سباقٍ رمزي بين قوى عظمى تبحث عن هيبة تكنولوجية، بل تحوّل إلى ما يشبه معركةً على موارد محدودة ومواقع استراتيجية لا تحتمل التكرار. هذا ما يؤكده جاريد آيزاكمان (Jared Isaacman)، مدير وكالة ناسا، الذي يقود أكبر وكالة فضاء مدنية في العالم منذ عشرة أشهر فقط، لكنّه يعيد خلالها صياغة قواعد الشراكة الدولية في استكشاف القمر على أساسٍ تنافسي أكثر صرامة.

تحدّث آيزاكمان الأسبوع الماضي أمام قيادات عسكرية ومتعاقدين في مجال الدفاع بالقرب من واشنطن، وعاد الأربعاء ليتناول الموضوع نفسه في مؤتمر رابطة القوى الجوية والفضائية (Air & Space Forces Association)، موضّحاً أنّ سباق القمر في القرن الحادي والعشرين يضمّ اليوم الولايات المتحدة والصين وروسيا في منافسةٍ مباشرة على موارد خارج كوكب الأرض.

لماذا يشبه القطب الجنوبي للقمر مواقف السيارات في واشنطن؟

يكمن جوهر التنافس في فوّهات القطب الجنوبي للقمر، التي تحتوي على كمياتٍ كبيرة من الجليد المائي المحمي من أشعة الشمس المباشرة. هذا الجليد ليس مجرّد اكتشافٍ علمي، بل موردٌ يمكن تحويله إلى ماءٍ وهواءٍ وحتى وقودٍ للصواريخ، وهو ما يجعله عنصراً أساسياً لإقامة مستوطناتٍ دائمة قد تشكّل قاعدة انطلاقٍ لرحلاتٍ مستقبلية إلى المريخ. وكما يصف آيزاكمان: «إنّه قمرٌ كبير، بمساحة سطحٍ تعادل مساحة أفريقيا».

لكن رغم هذه المساحة الشاسعة، فإنّ المواقع الصالحة عملياً محدودة للغاية. حواف الفوّهات المرتفعة في المنطقة توفّر ضوء شمسٍ شبه دائم يمكن استغلاله لتوليد الطاقة، وهذا بالضبط ما يجعل هذه النقاط بالذات وليس القمر كله محلّ التنافس. يقول آيزاكمان: «القطب الجنوبي أشبه بواشنطن العاصمة، حيث لا يوجد إلا عدد محدود من الطرق ومواقف السيارات الجيدة التي تريد أن تشغلها».

المفارقة أنّ الصين وروسيا تستهدفان المواقع الجغرافية نفسها بالضبط. ويُحتمل، وفق آيزاكمان، أن تنشر بكين وموسكو مفاعلاً نووياً قرب القطب الجنوبي للقمر، في خطوةٍ قد تحدّ من إمكانية استخدام هذه البيئة التدريبية الحيوية. يوضّح مدير ناسا هذا الترابط: «نريد الذهاب إلى هناك لإتقان المهارات اللازمة للمريخ»، مضيفاً أنّ إدراك محدودية «مواقف السيارات» المتاحة يخلق شعوراً بالإلحاح، «لأنّ الصينيين يتوجّهون إلى المواقع نفسها بالضبط، وهم متشاركون مع الروس، وسينشرون هناك مفاعلاً نووياً، وقد يحرمون الولايات المتحدة من هذه البيئة التدريبية الضرورية لطموحاتها الفضائية».

جاريد آيزاكمان مدير ناسا يلقي خطاباً في مؤتمر رابطة القوى الجوية والفضائية حول التنافس الدولي على موارد القمر واستراتيجيات استكشافه.
Loading image...
يتحدث مدير ناسا جاريد إسحاقمان في مؤتمر القوات الجوية والفضائية والسايبر التابع لجمعية القوات الجوية والفضائية في 15 سبتمبر 2025. تصوير: جود مكريهين/جمعية القوات الجوية والفضائية

إيطاليا واليابان: نموذج «الصفقات الجيدة»

في ظلّ هذا التنافس، تعيد ناسا فرز شركائها الدوليين وفق معيارٍ واحد: المساهمة الفعلية وليس الحضور الرمزي. يقول آيزاكمان بصراحة: «أقول لكم إنّ هذا مباشرةً من رئيس الولايات المتحدة: نحن نعقد فقط صفقاتٍ جيدة، ولم نكن دائماً نفعل ذلك». ويضيف أنّ الوكالة كانت في الماضي تسعى لإرضاء الجميع عبر تجميع أعلامٍ كثيرة لبيانٍ صحفي لافت، وهو ما وصفه بأنّه «كان في أحيان كثيرة عبئاً على المهمة بدل أن يكون دافعاً لها»، مؤكداً أنّ هذا النهج تغيّر الآن.

النموذج الذي يستشهد به آيزاكمان مراراً هو إيطاليا، التي وافقت في مارس على تطوير وحدات إقامة رواد الفضاء على سطح القمر، ملتزمةً بأكثر من 5 مليارات دولار لبناء أحد أوائل وحدات الإقامة القمرية. يقول: «هم يلتزمون بأكثر من 5 مليارات دولار لبناء أحد أوّل وحدات الإقامة». ويتوقّع أن تكون هذه الوحدة أوّل وحدة إقامة حقيقية تصل إلى سطح القمر، «ونتيجةً لذلك، سترون رائدي فضاء إيطاليَّين على سطح القمر».

اليابان بدورها التزمت بمبالغ متعدّدة المليارات لتطوير مركبة جوّالة مضغوطة (pressurized rover) على سطح القمر، بموجب اتفاقٍ وقّعته مع الولايات المتحدة في 2024، ومن المتوقّع أن تحصل طوكيو مقابل ذلك على مقعدين لرائدي فضاء يابانيَّين على القمر. وحدة الإقامة الإيطالية والمركبة الجوّالة اليابانية تسدّان فجوةً حقيقية، إذ لم تكن ناسا قد وقّعت عقوداً مع شركاتٍ أمريكية لتنفيذ هذا النوع من القدرات. يلخّص آيزاكمان المعيار الجديد بقوله: «هذا هو التوقّع الذي وضعناه لكل الشركاء».

أوروبا وكندا: ما بعد إلغاء محطة Gateway

في المقابل، يبدو موقع وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) وكندا في الخريطة القمرية الجديدة أقل وضوحاً. كانت أوروبا قد وافقت على توفير عناصر الإقامة والتزوّد بالوقود والاتصالات بعيدة المدى لمحطة Gateway، المحطة الصغيرة التي كانت ناسا تخطّط لإنشائها في مدارٍ حول القمر. لكن الوكالة الأمريكية أعلنت في مارس إلغاء هذه المحطة، في خطوةٍ تعكس تحوّل ناسا نحو التركيز على وجودٍ دائم على سطح القمر مباشرة بدل المدار. الوحدة الأولى المضغوطة من Gateway كانت، من جهتها، قد تعرّضت للتآكل.

مخطط يوضح مركبة الهبوط القمرية "أرغوناوت" مع توضيح دور شركات فضاء من إيطاليا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا في تطوير أنظمتها ضمن برنامج وكالة الفضاء الأوروبية.
Loading image...
كان من المقرر أن يضم مشروع أرجوناوت التابع لوكالة الفضاء الأوروبية عناصر من مختلف أنحاء أوروبا. حقوق الصورة: وكالة الفضاء الأوروبية

كندا كانت من المتوقّع أن تبني الذراع الآلية لمحطة Gateway، اعتماداً على خبرتها في الروبوتات المستخدمة في برنامج المكوك الفضائي ومحطة الفضاء الدولية، لكن تشغيل ذراعٍ آلية على سطح القمر في جاذبيةٍ جزئية يختلف جوهرياً عن التشغيل في الجاذبية الصغرى. تعقيدات الحرب التجارية بين إدارة ترامب وكندا تزيد من صعوبة التوصّل إلى اتفاقياتٍ ثنائية جديدة في هذا الملف. مع ذلك، ضمنت كلٌّ من أوروبا وكندا فرص طيرانٍ لرواد فضائها إلى القمر عبر اتفاقيات Gateway السابقة؛ فأوروبا تزوّد ناسا بوحدات خدمة مركبة Orion، وقد حصل الكندي جيريمي هانسن (Jeremy Hansen) في وقتٍ سابق من هذا العام على أوّل مقعدٍ كندي في مهمّات Artemis، فيما أعلنت ناسا في يونيو أنّ الإيطالي لوكا بارميتانو (Luca Parmitano) سيقود مهمّة Artemis III المقرّرة في 2027، والتي ستختبر مركبات الهبوط القمري ومركبة Orion في مدارٍ منخفض حول الأرض. يمكن قراءة تفاصيل هذا الترتيب في مفاوضات وكالة الفضاء الأوروبية حول تعيين رواد Artemis 3.

تُدير وكالة الفضاء الأوروبية برامجها عبر 23 دولة عضواً، تموّل مشاريعها بزياداتٍ ثلاثية السنوات، وهو نظامٌ يوفّر استقراراً مؤسسياً لكنّه يقلّل من المرونة في مواجهة تحوّلاتٍ سريعة كالتي فرضها إلغاء Gateway. وقد علّق يوزف أشباخر (Josef Aschbacher)، المدير العام للوكالة، على المعيار الجديد الذي وضعته ناسا باستخدام كلمة واحدة موجزة: «meaningful» أو «مساهمة فعلية».

متى تُغلق مواقف السيارات القمرية؟

آيزاكمان لا يخفي حرصه على أن تكون كل شراكة جديدة ذات قيمةٍ استراتيجية حقيقية، ويروي أنّ بعض الشركاء المحتملين حاولوا في الماضي تبرير مساهماتٍ لا تخدم المهمّة بشكلٍ مباشر، بحجّة أنّهم «سيفعلون ذلك بصرف النظر عن كونه يخدم المهمّة أو يتنافس مع الصناعة الأمريكية وما تحاول هذه الصناعة تحقيقه على القمر». ردّه على هذا النوع من العروض واضح: «هذا لن ينجح. نحتاج إلى مساهماتٍ فعلية الآن. اللعبة تغيّرت».

مثالٌ آخر يستحضره آيزاكمان يتعلّق بشريكٍ لم يُكشف عن هويته، عرض تقديم مركبة هبوطٍ روبوتية إلى فوّهة شاكلتون (Shackleton Crater) بحلول منتصف الثلاثينيات من هذا القرن. ردّ مدير ناسا كان حاسماً: «الصينيون سيطلقون هناك خلال شهرين» في إشارةٍ إلى مهمّة Chang'e 7 التي كانت مقرّرة وقتذاك، قبل أن تتأجّل إلى أوائل 2027 «فما الفائدة من ذلك عندئذٍ؟ لن تكون هناك مواقع هبوطٍ متاحة في ذلك الوقت». ويختم بجملةٍ تلخّص فلسفته في الشراكات الجديدة: «علينا أن نتماشى مع الواقع، ونقدّم مساهماتٍ فعلية لما تحاول ناسا والعالم الحر تحقيقه في طموحاتنا الفضائية».

في خضمّ هذا الترتيب المتغيّر، تسعى وكالة الفضاء الأوروبية لتثبيت موقعها عبر مركبة الهبوط "أرغونوت" (Argonaut)، التي تسعى للحصول على دورٍ في برنامج ناسا لقاعدة القمر. تستطيع هذه المركبة، وفق صفحة برنامج Argonaut الأوروبي على موقع الوكالة، نقل ما يصل إلى 1.5 طنٍّ متري (3300 رطل) من الحمولة، تشمل مؤن الطاقم وأدوات علمية وبنية تحتية. لكن حمولتها لا تتجاوز نصف حمولة مركبة "بلو مون" من الجيل الأول (Blue Moon Mark 1) التابعة لشركة Blue Origin، والمقرّر أن تنطلق في رحلتها الأولى العام المقبل باتجاه حافة شاكلتون المتّصلة (Shackleton Connecting Ridge)، كما تفصّل صفحة الرحلة على موقع ناسا. ومركبة "بلو مون" من الجيل الثاني، فضلاً عن مركبة Starship التابعة لشركة SpaceX، تتفوّقان أيضاً على "أرغونوت" في القدرة الحمولية، وهو ما يجعل بعض القدرات التي تقدّمها الوكالة الأوروبية متداخلة مع ما تطوّره الشركات الأمريكية بالفعل.

بين إعلانٍ صيني عن تأجيل Chang'e 7 إلى أوائل 2027، وموعدٍ محدّدٍ لمهمّة Artemis III في العام نفسه، يبدو أنّ نافذة الوصول إلى أفضل المواقع في القطب الجنوبي للقمر لن تبقى مفتوحة طويلاً لكل الأطراف المتنافسة. السؤال الذي يطرحه هذا التحوّل في السياسة الفضائية الأمريكية ليس فقط من سيصل أولاً، بل من سيملك، عملياً، حقّ الاستخدام الحصري لموردٍ محدودٍ بطبيعته وهو سؤالٌ سيبقى مفتوحاً حتى تتوضّح ملامح الشراكات الجديدة التي تتفاوض عليها ناسا حالياً مع أوروبا وكندا وشركاء آخرين لم تُكشف هوياتهم بالكامل بعد.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية