تراب القمر مفتاح كشف أسرار حضارات فضائية قديمة
هل يخفي تراب القمر آثار حضارات فضائية انقرضت قبل البشرية؟ دراسة جديدة تقترح البحث في تربة القمر عن شظايا تقنية مجهرية قد تكشف أسرار ذكاء فضائي قديم لم تُكتشف من قبل مع تطور مهمات استكشاف القمر القادمة وورلد برس عربي.

تراب القمر أرشيفٌ لمليارات السنين فهل يخفي آثار حضارات فضائية انقرضت قبل أن تولد البشرية؟
منذ أن وجّه البشر أبصارهم نحو السماء، ظلّ السؤال عن وجود حياة ذكية خارج كوكبنا يُلحّ على العقول ويُقلق الخيال. غير أن الأدوات التقليدية للبحث عن الحضارات الفضائية من موجات الراديو إلى رصد الهياكل الضخمة في الكون تقتصر على الحضارات الحيّة فحسب؛ أما التي انقرضت منذ ملايين أو مليارات السنين، فلا صوت يصلنا منها. هنا تحديداً يأتي اقتراحٌ علمي جديد ليفتح باباً لم يُطرق من قبل: ابحث في تراب القمر.
في 23 يونيو 2026، رفع عالم الكواكب Lewis Pinault من University College London وبوصفه مُنتسباً إلى معهد SETI، دراسةً على منصة arXiv تقترح تحليل التربة القمرية ما يُعرف علمياً بـ«الريغوليث» (Regolith) بحثاً عن شظايا مجهرية قد تكون بقايا تقنيات فضائية متقدمة. الدراسة مُقدَّمة للنشر في International Journal of Astrobiology، وهي تُمثّل نقلةً نوعية في منهجية البحث عن ذكاء خارج المجموعة الشمسية.
القمر: مستودعٌ كوني لا يمحو ذاكرته
ما يجعل القمر مرشّحاً استثنائياً لهذا البحث ليس قربه منّا فحسب، بل طبيعته الجيولوجية الفريدة. يفتقر القمر إلى الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي، مما يعرّض سطحه باستمرار لقصف الغبار الكوني والنيازك. والأهم من ذلك أنه يخلو من المياه والنشاط التكتوني، فتتراكم طبقات الغبار على سطحه دون أن يُمسّها شيء لمليارات السنين.
يقول Pinault في هذا الصدد: "القمر يجمع بصمت موادَّ من الفضاء منذ مليارات السنين، كثيرٌ منها يسبق القمر نفسه بمليارات السنين أخرى. نحن نتساءل: هل يحتوي هذا الأرشيف القديم على آثار مجهرية لتقنيات وُجدت قبل أن ينظر الإنسان إلى السماء بزمنٍ طويل؟"
الفكرة ليست ضرباً من الخيال العلمي المجرّد. ففي عام 2020، أكّدت مهمة OSIRIS-REx التابعة لـ NASA التي جمعت عيّنات من الكويكب Bennu وجود غبار نجمي بين الكواكب في تلك العيّنات. وإذا كان الغبار الفضائي العادي قادراً على قطع مسافات شاسعة، فإن الدراسة تطرح أن شظايا تقنية مجهرية يمكن أن تصمد في رحلة عبر الفضاء البيني لمدة تصل إلى مليار سنة.
بحثٌ في ما هو أصغر من شعرة الإنسان بمئات المرات
تُحدّد الدراسة الحجم المُتوقَّع لهذه الشظايا التقنية بما لا يتجاوز 3 ميكرومترات أي 3 أجزاء من المليون من المتر وهو حجمٌ يستدعي تقنيات تحليل دقيقة للغاية. والأكثر إثارةً أن تقديرات الباحثين تُشير إلى أن متراً مكعباً واحداً (ما يعادل نحو 35 قدماً مكعبة) من تربة القمر قد يكفي نظرياً للعثور على شظيةٍ واحدة على الأقل.
والمفارقة اللافتة أن أياً من العيّنات القمرية التي جُمعت حتى اليوم لم يُحلَّل بحثاً عن ما يُسمّى «التوقيعات التقنية» (Technosignatures)، أي الدلائل المادية على وجود تكنولوجيا متقدمة. فالتوقيعات التقنية في تعريفها التقليدي تشمل الإشارات الراديوية والهياكل الكونية الضخمة، وكلاهما لا يُنتجه إلا كيانٌ حيّ ونشط. أما الحضارات التي ربما انقرضت قبل ملايين السنين، فلا تترك خلفها سوى ما قد يكون بقايا مادية مجهرية متناثرة في الفضاء.
معهد SETI يرى في الفكرة "إضافةً أصيلة"
Bill Diamond، رئيس ومدير تنفيذي لـ SETI Institute، لم يُخفِ حماسه للمقترح، إذ قال: "فكرة البحث في ريغوليث القمر عن توقيعات تقنية مجهرية هي في آنٍ واحد استثنائية الأصالة ومعقولة تماماً. هذه إضافةٌ جديدة إلى منهجيات البحث المُطبَّقة في سعينا للعثور على أدلة تقنية تدلّ على حياة وذكاء خارج مجموعتنا الشمسية، ونحن متحمّسون لاحتمال تحقيق هذا المسعى."
مهماتٌ قادمة وقواعد قمرية مرتقبة
يبقى السؤال العملي: من سيجمع هذه العيّنات ويُحلّلها؟ ثمة مهمات قمرية في الأفق، وإن كانت الجداول الزمنية غير مضمونة. مهمة Chang'e-7 الصينية تعرّضت مؤخراً لتأخير، فيما يمضي برنامج Artemis التابع لـ NASA في مساره نحو العودة إلى القمر. والأهم على المدى البعيد أن كلاً من الولايات المتحدة والصين تخطّطان لإنشاء قواعد قمرية خلال العقد المقبل، وهو ما سيُتيح جمع كميات أكبر بكثير من التربة القمرية وتحليلها بأدوات أكثر تطوراً.
ما يطرحه هذا البحث في جوهره تحوّلٌ في زاوية النظر: بدلاً من الإنصات إلى الكون بحثاً عن إشاراتٍ لا يُرسلها إلا من هو حيّ، نبحث في الأرشيف الصامت لجارنا الأقرب عمّا قد تركته حضاراتٌ رحلت قبل أن تبدأ قصتنا. القمر لم يتكلّم بعد لكنّه ربما يحمل في ترابه ما يستحق الاستماع.
أخبار ذات صلة

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات
