وورلد برس عربي logo

الشيخوخة الجزيئية رحلة فردية تتحدى التوقعات

اكتشف كيف تختلف الشيخوخة الجزيئية بين الأفراد رغم العمر الزمني نفسه وكيف يُؤثر إيقاع الساعة البيولوجية والفصول على مؤشرات الصحة البيولوجية في دراسة رصدت تغيّرات جينية ومستقلبات عبر سنوات طويلة وورلد برس عربي.

خيوط RNA متوهجة تعبر خلفية زرقاء تمثل دراسة الجينوم الجزيئي لفهم الشيخوخة البيولوجية الفردية وتغير نشاط الجينات.
درس العلماء المستقلبات ونشاط الجينات، الذي يظهر في جزيئات الحمض النووي الريبوزي (المصورة)، لدى مجموعة من النساء وتتبعوا كيفية تغيرها مع التقدم في العمر.
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

كثيراً ما يُفاجَأ الأطباء حين يرون شخصين في العقد الخامس من العمر: أحدهما يحمل مؤشراتٍ بيولوجية تشبه من هو في الأربعين، والآخر يقترب في تحاليله من الستين. الفارق ليس مجرّد نمط حياة أو حظّ وراثي، بل هو ما تكشفه دراسةٌ نُشرت في مجلة «Science» في 3 سبتمبر 2026: أنّ الشيخوخة الجزيئية ليست مساراً موحّداً، بل هي رحلةٌ فردية تختلف من شخصٍ لآخر حتى حين يتشاركون العمر الزمني نفسه.

ماذا قاسَت الدراسة؟

تميّز هذا البحث عن كثيرٍ من دراسات الشيخوخة بأنّه لم يكتفِ بـ«لقطة فوتوغرافية» واحدة. تابع الباحثون 335 امرأةً تتراوح أعمارهن بين 32 و80 عاماً، مُختارات من مجموعة TwinsUK إحدى أعرق الدراسات الطولية على التوائم في المملكة المتحدة وذلك على مدى ثماني سنوات بين عامَي 2009 و2017. خضعت كلّ مشاركة لثلاث زياراتٍ عيادية على الأقل، مع متوسط فارقٍ زمني قدره 6 سنوات بين الزيارة الأولى والأخيرة.

في كلّ زيارة، أُخذت عيّنات دمٍ لقياس نشاط الجينات ومستويات الجُزيئات الأيضية (المستقلبات). حلّل الفريق البحثي أكثر من 16,000 جين و915 مستقلباً، فوجد أنّ 5,061 جيناً و181 مستقلباً تغيّرت بصورةٍ ملحوظة مع مرور الوقت.

امرأتان توأم في منتصف العمر تبتسمان وتحتضنان بعضهما، تعبير عن الدراسة التي تكشف اختلاف مسارات الشيخوخة الجزيئية الفردية.
Loading image...
استندت الدراسة إلى بيانات من مجموعة توأم المملكة المتحدة، التي تضم أكثر من 15,000 توأم متطابق وغير متطابق من جميع أنحاء المملكة المتحدة. (هذه صورة أرشيفية.)

ما يلفت الانتباه أنّ 5,036 جيناً أظهرت اتجاهاً موحّداً للتغيّر عبر المجموعة أي ارتفعت أو انخفضت لدى معظم المشاركات. لكنّ قصة المستقلبات كانت أكثر تعقيداً: 136 مستقلباً من أصل 181 أظهرت تبايناً فردياً واضحاً في اتجاه التغيّر وحجمه. وهنا تكمن المفارقة التي تُعيد رسم صورة الشيخوخة البيولوجية.

الشيخوخة ليست رقماً واحداً

قالت Julia El-Sayed Moustafa، الباحثة في علم الجينوم الحسابي بـKing's College London: «معظم دراسات الشيخوخة تأخذ لقطةً واحدة فقط، تُقارن فيها أشخاصاً مختلفين في نقطةٍ زمنية واحدة. في هذه الدراسة، لدينا قياساتٌ متعدّدة، فنستطيع أن نرى كيف يتغيّر نشاط الجينات ومستويات المستقلبات بمرور الوقت داخل الشخص نفسه.»

وأضافت: «الشيخوخة الجزيئية ديناميكيةٌ وفريدةٌ لكلّ شخص.»

هذه الفردانية تمتدّ حتى حين يتحرّك معظم الناس في اتجاهٍ واحد. أوضح Kerrin Small، أستاذ علم الجينوم في King's College London: «حتى حين تتحرّك جينات أو مستقلبات معظم الناس في اتجاهٍ واحد، نجد مجموعاتٍ تتحرّك في الاتجاه المعاكس.»

ومن Yale School of Medicine، أضاف Raghav Sehgal، الباحث المشارك في الدراسة: «الشيخوخة البيولوجية أشبه بمجموعةٍ متغيّرة من المسارات الجزيئية، لا بدرجةٍ ثابتة.» وأكّد أنّ «لا رقمَ واحداً يستطيع أن يُلخّص أنظمةً متعدّدة تتقدّم في العمر بمعدّلاتٍ مختلفة.»

إشاراتٌ لافتة: الفصول والساعة البيولوجية والمواد الكيميائية

كشفت الدراسة عن أبعادٍ إضافية لتعقيد الشيخوخة الجزيئية. نحو 25% من الجينات والمستقلبات المدروسة أظهرت تبايناً موسمياً، بينما وصل هذا التباين إلى 40% من المستقلبات حين يتعلّق الأمر بالساعة البيولوجية الداخلية (إيقاع الـ24 ساعة). هذا يعني أنّ قراءةً واحدة لمؤشّر بيولوجي قد تتأثّر بالفصل أو حتى بوقت أخذ العيّنة — وهو تنبيهٌ مهمّ لأيّ باحثٍ يعتمد على «ساعات الشيخوخة» (Aging Clocks) التي تستخدم علاماتٍ جزيئية كالعلامات الكيميائية على الحمض النووي لتقدير العمر البيولوجي.

كذلك رصدت الدراسة انخفاضاً في مستويات مواد PFAS الكيميائية المعروفة بـ«المواد الكيميائية الأبدية» في دم المشاركات، ومنها PFOA وPFOS، ويُرجَّح أنّ ذلك يعكس أثر القيود التنظيمية التي فرضتها المملكة المتحدة على استخدام هذه المواد في المنتجات الاستهلاكية كأواني الطهي غير اللاصقة والتغليف الغذائي.

وعلى صعيد التوائم تحديداً، أظهرت التوائم المتطابقة تشابهاً أكبر في أنماط التعبير الجيني مقارنةً بالتوائم غير المتطابقة، مما يؤكّد الدور الوراثي في تشكيل مسار الشيخوخة الجزيئية دون أن يلغي التباين الفردي.

ماذا يعني هذا لأنظمتنا الصحية؟

من منظور الصحة العامة، تطرح هذه الدراسة التي رصدت أكثر من 100,000 ارتباط بين الجينات والمستقلبات تساؤلاتٍ جدية حول الاعتماد على مؤشّرٍ بيولوجي واحد لتقييم صحة الفرد أو تحديد مخاطره. وهو نقاشٌ ذو صلةٍ مباشرة بمنطقتنا، حيث تُعتمَد مؤشّرات الشيخوخة البيولوجية بشكلٍ متزايد في برامج الفحص الوقائي.

الدراسة وهي دراسةٌ رصدية بطبيعتها، اقتصرت على النساء وعلى عيّنات الدم فقط لا تُقدّم إجاباتٍ نهائية، لكنّها تُعيد صياغة السؤال. يقول Sehgal: «لن أصف الشيخوخة بأنّها غير قابلة للتنبّؤ، لكنّها بالتأكيد أكثر فردانيةً وارتباطاً بالسياق مما كنّا نفترض.»

يخطّط الفريق البحثي لتمديد تتبّع التغيّرات الجزيئية إلى نحو 15 عاماً، وهو ما قد يمنحنا صورةً أوضح عن متى تتباعد المسارات الجزيئية بين الأفراد، وما الذي يُحدّد اتجاه كلّ منها. السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن يوماً ما أن نُصمّم تدخّلاتٍ صحية تأخذ هذه الفردانية الجزيئية بعين الاعتبار، بدلاً من الاكتفاء بمتوسّطاتٍ تُخفي أكثر مما تُظهر؟

أخبار ذات صلة

Loading...
كوكب عملاق خارجي يعكس ضوء نجمه في الفضاء، هدف محتمل للرصد المباشر بواسطة تلسكوب Lazuli وأداة الكوروناغراف ESC.

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

اكتشف كيف سيغير تلسكوب Lazuli الفضائي مستقبل رصد الكواكب العملاقة عبر ضوء النجم المنعكس، وكن أول من يعرف أهداف هذه الحملة الرائدة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
مركبة فضائية حديثة تحلق في مدار أرضي منخفض فوق كوكب الأرض ضمن مهمة اختبارية لبرنامج Artemis لاختبار الهبوط القمري المستقبلي.

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض

تستعد NASA لمهمة Artemis III المعقدة في مدار الأرض لاختبار مركبات هبوط قمرية قبل هبوط مأهول في 2028. اكتشف تفاصيل الرحلة وكن جزءاً من المستقبل الفضائي!
علوم
Loading...
جهازا LaserSETI مثبتان في صحراء العُلا السعودية لمراقبة إشارات ضوئية محتملة من حضارات خارج الأرض ضمن شبكة عالمية للرصد الفلكي.

البحث عن الحضارات الفضائية: السعودية تنضم للمشروع العالمي

العُلا تصبح أول موقع آسيوي يشارك في شبكة LaserSETI لرصد إشارات من حضارات خارج الأرض، ما يفتح آفاقاً جديدة في علم الفلك والاكتشاف العلمي. اكتشف المزيد الآن!
علوم
Loading...
تمثيل ثلاثي الأبعاد للمجال المغناطيسي للأرض مع خطوط القوة المغناطيسية التي تظهر انقلابات الأقطاب وتأثيرها المحتمل على البيئة في العصر البرمي.

الانقلابات المغناطيسية والانقراضات: ارتباطٌ يستعصي على الإنكار

هل لعب اضطراب المجال المغناطيسي للأرض دوراً في انقراض العصر البرمي؟ اكتشف كيف يكشف سجل «فنغشان» عن انقلابات مغناطيسية غير مسبوقة وتأثيرها المحتمل على الحياة. تابع القراءة لتعرف التفاصيل.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية