الشيخوخة الجزيئية رحلة فردية تتحدى التوقعات
اكتشف كيف تختلف الشيخوخة الجزيئية بين الأفراد رغم العمر الزمني نفسه وكيف يُؤثر إيقاع الساعة البيولوجية والفصول على مؤشرات الصحة البيولوجية في دراسة رصدت تغيّرات جينية ومستقلبات عبر سنوات طويلة وورلد برس عربي.

كثيراً ما يُفاجَأ الأطباء حين يرون شخصين في العقد الخامس من العمر: أحدهما يحمل مؤشراتٍ بيولوجية تشبه من هو في الأربعين، والآخر يقترب في تحاليله من الستين. الفارق ليس مجرّد نمط حياة أو حظّ وراثي، بل هو ما تكشفه دراسةٌ نُشرت في مجلة «Science» في 3 سبتمبر 2026: أنّ الشيخوخة الجزيئية ليست مساراً موحّداً، بل هي رحلةٌ فردية تختلف من شخصٍ لآخر حتى حين يتشاركون العمر الزمني نفسه.
ماذا قاسَت الدراسة؟
تميّز هذا البحث عن كثيرٍ من دراسات الشيخوخة بأنّه لم يكتفِ بـ«لقطة فوتوغرافية» واحدة. تابع الباحثون 335 امرأةً تتراوح أعمارهن بين 32 و80 عاماً، مُختارات من مجموعة TwinsUK إحدى أعرق الدراسات الطولية على التوائم في المملكة المتحدة وذلك على مدى ثماني سنوات بين عامَي 2009 و2017. خضعت كلّ مشاركة لثلاث زياراتٍ عيادية على الأقل، مع متوسط فارقٍ زمني قدره 6 سنوات بين الزيارة الأولى والأخيرة.
في كلّ زيارة، أُخذت عيّنات دمٍ لقياس نشاط الجينات ومستويات الجُزيئات الأيضية (المستقلبات). حلّل الفريق البحثي أكثر من 16,000 جين و915 مستقلباً، فوجد أنّ 5,061 جيناً و181 مستقلباً تغيّرت بصورةٍ ملحوظة مع مرور الوقت.
ما يلفت الانتباه أنّ 5,036 جيناً أظهرت اتجاهاً موحّداً للتغيّر عبر المجموعة أي ارتفعت أو انخفضت لدى معظم المشاركات. لكنّ قصة المستقلبات كانت أكثر تعقيداً: 136 مستقلباً من أصل 181 أظهرت تبايناً فردياً واضحاً في اتجاه التغيّر وحجمه. وهنا تكمن المفارقة التي تُعيد رسم صورة الشيخوخة البيولوجية.
الشيخوخة ليست رقماً واحداً
قالت Julia El-Sayed Moustafa، الباحثة في علم الجينوم الحسابي بـKing's College London: «معظم دراسات الشيخوخة تأخذ لقطةً واحدة فقط، تُقارن فيها أشخاصاً مختلفين في نقطةٍ زمنية واحدة. في هذه الدراسة، لدينا قياساتٌ متعدّدة، فنستطيع أن نرى كيف يتغيّر نشاط الجينات ومستويات المستقلبات بمرور الوقت داخل الشخص نفسه.»
وأضافت: «الشيخوخة الجزيئية ديناميكيةٌ وفريدةٌ لكلّ شخص.»
هذه الفردانية تمتدّ حتى حين يتحرّك معظم الناس في اتجاهٍ واحد. أوضح Kerrin Small، أستاذ علم الجينوم في King's College London: «حتى حين تتحرّك جينات أو مستقلبات معظم الناس في اتجاهٍ واحد، نجد مجموعاتٍ تتحرّك في الاتجاه المعاكس.»
ومن Yale School of Medicine، أضاف Raghav Sehgal، الباحث المشارك في الدراسة: «الشيخوخة البيولوجية أشبه بمجموعةٍ متغيّرة من المسارات الجزيئية، لا بدرجةٍ ثابتة.» وأكّد أنّ «لا رقمَ واحداً يستطيع أن يُلخّص أنظمةً متعدّدة تتقدّم في العمر بمعدّلاتٍ مختلفة.»
إشاراتٌ لافتة: الفصول والساعة البيولوجية والمواد الكيميائية
كشفت الدراسة عن أبعادٍ إضافية لتعقيد الشيخوخة الجزيئية. نحو 25% من الجينات والمستقلبات المدروسة أظهرت تبايناً موسمياً، بينما وصل هذا التباين إلى 40% من المستقلبات حين يتعلّق الأمر بالساعة البيولوجية الداخلية (إيقاع الـ24 ساعة). هذا يعني أنّ قراءةً واحدة لمؤشّر بيولوجي قد تتأثّر بالفصل أو حتى بوقت أخذ العيّنة — وهو تنبيهٌ مهمّ لأيّ باحثٍ يعتمد على «ساعات الشيخوخة» (Aging Clocks) التي تستخدم علاماتٍ جزيئية كالعلامات الكيميائية على الحمض النووي لتقدير العمر البيولوجي.
كذلك رصدت الدراسة انخفاضاً في مستويات مواد PFAS الكيميائية المعروفة بـ«المواد الكيميائية الأبدية» في دم المشاركات، ومنها PFOA وPFOS، ويُرجَّح أنّ ذلك يعكس أثر القيود التنظيمية التي فرضتها المملكة المتحدة على استخدام هذه المواد في المنتجات الاستهلاكية كأواني الطهي غير اللاصقة والتغليف الغذائي.
وعلى صعيد التوائم تحديداً، أظهرت التوائم المتطابقة تشابهاً أكبر في أنماط التعبير الجيني مقارنةً بالتوائم غير المتطابقة، مما يؤكّد الدور الوراثي في تشكيل مسار الشيخوخة الجزيئية دون أن يلغي التباين الفردي.
ماذا يعني هذا لأنظمتنا الصحية؟
من منظور الصحة العامة، تطرح هذه الدراسة التي رصدت أكثر من 100,000 ارتباط بين الجينات والمستقلبات تساؤلاتٍ جدية حول الاعتماد على مؤشّرٍ بيولوجي واحد لتقييم صحة الفرد أو تحديد مخاطره. وهو نقاشٌ ذو صلةٍ مباشرة بمنطقتنا، حيث تُعتمَد مؤشّرات الشيخوخة البيولوجية بشكلٍ متزايد في برامج الفحص الوقائي.
الدراسة وهي دراسةٌ رصدية بطبيعتها، اقتصرت على النساء وعلى عيّنات الدم فقط لا تُقدّم إجاباتٍ نهائية، لكنّها تُعيد صياغة السؤال. يقول Sehgal: «لن أصف الشيخوخة بأنّها غير قابلة للتنبّؤ، لكنّها بالتأكيد أكثر فردانيةً وارتباطاً بالسياق مما كنّا نفترض.»
يخطّط الفريق البحثي لتمديد تتبّع التغيّرات الجزيئية إلى نحو 15 عاماً، وهو ما قد يمنحنا صورةً أوضح عن متى تتباعد المسارات الجزيئية بين الأفراد، وما الذي يُحدّد اتجاه كلّ منها. السؤال الأكبر الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن يوماً ما أن نُصمّم تدخّلاتٍ صحية تأخذ هذه الفردانية الجزيئية بعين الاعتبار، بدلاً من الاكتفاء بمتوسّطاتٍ تُخفي أكثر مما تُظهر؟
أخبار ذات صلة

الرياضيون يؤكدون: نرد بـ 60 وجه هو الأعدل عالمياً.. استغرق تصميمه 15 سنة

مركبة فضائية بتمويل ناسا لرسم خريطة المعادن على كواكب وأقمار النظام الشمسي

الكشف عن إشارات الهيدروجين الكوني: خطوة نحو رسم خريطة الكون
