وورلد برس عربي logo

ألغاز وجوه المريخ بين الخيال والواقع العلمي

صورة لتلّة على المريخ تشبه وجه دب تثير فضولنا وتكشف عن ظاهرة الباريدوليا التي تجعل الدماغ يرى وجوهاً في الصخور. لكن العلم يكشف رواسب ملحية تشير إلى ماضي مائي قد يدعم الحياة على الكوكب الأحمر وورلد برس عربي.

تلّة على سطح المريخ تشبه وجه دب بعيون وفوهات صخرية، توضح ظاهرة الباريدوليا في تضاريس الكوكب الأحمر.
(وكالة الفضاء الأوروبية/مسبار المريخ المداري/كاميرا كاسيس)
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين تلتقط كاميرا فضائية صورةً لتلّةٍ على سطح المريخ، ولا يكون في المشهد سوى صخورٍ وتضاريس وضوء شمسٍ خافت ثم يرى فيها الناس وجه دبٍّ يحدّق في الفضاء فهذه ليست قصة المريخ وحده، بل قصة الدماغ البشري أيضاً. غير أنّ ما يبدأ بظاهرة إدراكية فاتنة قد يقود، حين يُدقّق فيه العلماء، إلى أسئلةٍ أعمق بكثير عن ماضي الكوكب الأحمر وإمكانية احتضانه للحياة.

وجهٌ على المريخ… مرّةً أخرى

في 12 ديسمبر 2022، كانت مركبة Mars Reconnaissance Orbiter التابعة لـ NASA تحلّق على ارتفاع 251 كيلومتراً فوق المرتفعات الجنوبية للمريخ، حين التقطت كاميرا HiRISE عالية الدقة صورةً لتلّةٍ غريبة الشكل. ما ظهر في الصورة لم يكن مجرّد تضاريس عادية: حفرتان داكنتان تبدوان كعينين، وحافةٌ شاحبة تشبه الخطم، وشقٌّ دائري يُحيط بالكتلة كلّها كأنّها رأسٌ مكتمل.

يصف Alfred McEwen، عالم الكواكب في جامعة Arizona وقائد فريق كاميرا HiRISE، ما تكشفه الصورة بدقّة: "ثمّة تلّةٌ بنية انهيارية على شكل حرف V تمثّل الأنف، وفوهتان تمثّلان العينين، ونمطٌ من الشقوق الدائرية يمثّل الرأس."

لكنّ التفسير العلمي لهذه الملامح لا يترك مجالاً للغموض: الشقّ الدائري الذي يُشكّل "الرأس" نشأ على الأرجح من استقرار موادّ هشّة فوق فوّهة اصطدامٍ مطمورة قديمة. أمّا "الأنف" فيُرجَّح أنّه فوّهةٌ بركانية أو طينية تعرّضت لانهيارٍ داخلي على شكل V. والحفرتان الداكنتان اللتان تبدوان كعينين؟ العلماء لا يزالون غير متأكّدين من أصلهما بدقّة وهذا بحدّ ذاته إجابةٌ علمية أمينة.

تلّة على سطح المريخ تشبه وجه دب، تظهر تضاريس وفوهات بركانية تشكل أنفاً وعينين ضمن ظاهرة الباريدوليا الإدراكية.
Loading image...
(ناسا/مختبر الدفع النفاث-كالتيك/جامعة أريزونا)

الدماغ يرى ما يريد أن يرى

لهذه الظاهرة اسمٌ محدّد: الباريدوليا (Pareidolia)، وهي ميلُ الدماغ البشري الفطري إلى استخلاص أشكالٍ مألوفة ولا سيّما الوجوه من أنماطٍ عشوائية. وليس وجه الدبّ على المريخ حالةً معزولة؛ فالتاريخ الفضائي يحفظ أمثلةً أشهر بكثير.

في عام 1976، رصدت مركبة Viking 1 التابعة لـ NASA هضبةً في منطقة Cydonia على المريخ، وأعطت الصورة ذات الدقّة المنخفضة انطباعاً بأنّ ثمّة وجهاً بشرياً منحوتاً في الصخر. أشعل المشهد خيالَ الناس لعقود، وأذكى نظرياتٍ لا تنتهي. لكنّ صور الدقّة العالية التي جاءت لاحقاً كشفت ببساطة أنّها هضبةٌ صخرية طبيعية، لا أكثر.

المريخ وفيٌّ بأمثلة الباريدوليا: صوّرت الكاميرات قناديل بحرٍ تبيّن أنّها أثرٌ لأشعة كونية اخترقت المستشعر، وحفرٌ غريبة الشكل، وما بدا لوهلةٍ كعظمةٍ بشرية أو فطرٍ ينمو على الصخر. في كلّ مرّة، يقدّم العلم تفسيراً أرضياً صارماً.

تلّة على سطح المريخ تظهر شكلًا يشبه وجه دب، ناتج عن تشكيلات صخرية طبيعية والتقاط كاميرا HiRISE عالية الدقة.
Loading image...
(ناسا/مختبر الدفع النفاث-كالتيك/جامعة أريزونا)

حين تتحوّل الابتسامة إلى دليلٍ على الماء

في أغسطس 2024، نشرت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) اكتشافاً لافتاً: رصدت مركبة Trace Gas Orbiter رواسبَ ملحية من كلوريد الصوديوم في منطقة Terra Sirenum على المريخ، وكانت هذه الرواسب مرتّبةً على شكل وجهٍ مبتسم ابتسامةٌ مريخية حرفيّة. لكنّ الأهمية هنا ليست في الشكل الطريف، بل فيما تكشفه الرواسب عن تاريخ الكوكب.

تشير هذه الرواسب الملحية إلى أنّ المنطقة كانت في ماضٍ بعيد موطناً لبراكٍ ضحلة أو بحيراتٍ صغيرة، تبخّر ماؤها وتركت خلفه هذه الرواسب المعدنية. والأهمّ من ذلك أنّ المحاليل المالحة قادرةٌ على البقاء في الحالة السائلة حتى درجة حرارة -40 درجة مئوية تقريباً، وهو ما يعني من الناحية النظرية أنّها كانت قادرةً على دعم الحياة لفترةٍ أطول بكثير ممّا تستطيعه المياه العذبة في تلك البيئة القاسية.

بين الوجوه والأسئلة المفتوحة

منذ عام 2006 وحتى اليوم، التقطت كاميرا HiRISE عشرات الآلاف من الصور لسطح المريخ، وفي كلّ مرّةٍ تُثير فيها إحدى هذه الصور ضجّةً شعبية، يجد العلماء أنفسهم أمام فرصةٍ مزدوجة: تصحيح المفاهيم من جهة، وتعميق البحث من جهةٍ أخرى.

قصة وجه الدبّ تذكّرنا بأنّ الدماغ البشري مُصمَّمٌ للبحث عن الأنماط وهذا ليس ضعفاً، بل هو جزءٌ من الآليّة ذاتها التي تجعلنا نطرح الأسئلة ونبحث عن إجابات. لكنّ الفارق الجوهري بين العلم والوهم يكمن في الخطوة التالية: هل نتوقّف عند الانطباع الأوّل، أم نذهب إلى الصورة الأعلى دقّةً، والتحليل الأعمق، والبيانات الأكثر اكتمالاً؟

رواسب الملح في Terra Sirenum تُلمح إلى أنّ المريخ لم يكن دائماً الصحراء الجرداء التي نراها اليوم. ومع كلّ مدارٍ تُكمله هذه المركبات الفضائية، تتراكم الأدلّة على ماضٍ أكثر رطوبةً وربّما أكثر حيويّة. السؤال الحقيقي هل أفضت تلك الظروف يوماً إلى نشوء حياة؟ لا يزال معلّقاً، وقد يظلّ كذلك حتى تطأ أقدامٌ بشرية أو مسابر أكثر تطوّراً ذلك السطح الأحمر.

أخبار ذات صلة

Loading...
صاروخ فالكون 9 ينطلق من قاعدة كيب كانافيرال حاملاً مهمة SpaceX CRS-35 لإمداد محطة الفضاء الدولية بتجارب علمية متقدمة.

إطلاق SpaceX شحنة إلى محطة الفضاء الدولية الأحد

تستعد SpaceX لإطلاق مهمة CRS-35 بحمولة علمية متطورة تشمل شبكيات اصطناعية وعضيّات دماغية تهدف لاكتشاف علاجات لأمراض عصبية، تابع التفاصيل المثيرة الآن.
علوم
Loading...
مجرة NGC 1275 في عنقود برشاوس تظهر نفاثات ثقب أسود هائل الكتلة مع انبعاثات أشعة سينية وراديوية متأخرة بنحو 300 يوم.

الثقوب السوداء الضخمة تبتلع المادة وتطلق نفاثات راديوية بعد 300 يوم

اكتشف العلماء تأخراً بنحو 300 يوم بين وميض أشعة سينية وانبعاثات راديوية من ثقب أسود هائل في NGC 1275، ما يكشف أسرار النفاثات المذهلة. تابع التفاصيل الآن!
علوم
Loading...
رائد فضاء يقف على سطح القمر وسط غبار قمري مع مركبة هبوط وروفر في الخلفية، يعكس تحديات تفريغ الشحنة الكهربائية لحماية البدل والمركبة.

رواد الفضاء على القمر قد يصبحون "مكثفات كهربائية حية" تهدد المركبات

تواجه ناسا تحدياً جديداً لتفريغ الشحنات الكهربائية عن رواد الفضاء قبل دخول المركبة القمرية لتفادي شرارات قد تهدد المهمات المستقبلية. اكتشف المزيد وشارك في الحل!
علوم
Loading...
رحلة استكشاف جيولوجي في منطقة تونغوسكا بسيبيريا عام 1927 وسط غابات كثيفة، بحثاً عن آثار انفجار كويكب عام 1908 وتأثيره على البيئة.

الانفجار الغامض في سيبيريا 1908: ما السبب الحقيقي؟

حادثة تونغوسكا الغامضة عام 1908 تكشف خطر الأجرام السماوية على الأرض وتدفع العلماء لتطوير تقنيات رصد متقدمة لحماية كوكبنا. اكتشف المزيد الآن.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية