النيازك القمرية تكشف أسرار سطح القمر المجهول
في صحارى عُمان والقارة القطبية الجنوبية عُثر على نيازك قمرية تسقط على الأرض دون بعثات فضائية وتكشف أسراراً عن تكوين القمر من مناطق لم تصلها بعثات الهبوط. اكتشف كيف تعيد هذه الصخور سرد قصة القمر من وجهات غير متوقعة على وورلد برس عربي.

في صحارى عُمان وشمال غرب أفريقيا، وعلى جليد القارة القطبية الجنوبية، عثر باحثون على شظايا من سطح القمر سقطت على الأرض من تلقاء نفسها. هذه «النيازك القمرية» لا تحتاج إلى مركبة فضاء ولا إلى رواد، وقد تجيب عن أسئلة لم تستطع أشهر بعثات الهبوط حسمها. غير أن ما يمنحها قيمتها يقيّدها أيضاً، فالعلماء لا يعرفون من أي موضع على القمر جاء كل حجر منها.
النيازك القمرية قطع من سطح القمر انتُزعت منه، فدارت حول الأرض أو حول الشمس، ثم عبرت الغلاف الجوي الأرضي وسقطت. وهي تقدّم أدلة على نشأة القمر الأولى، ويُعتقد أنها تتحدّر من مواقع موزّعة على سطحه كله، بما في ذلك الجانب البعيد الذي لم تهبط عليه أي بعثة من البعثات المذكورة هنا.
كم تحمل المركبات من القمر، وكم تحمل الصحارى؟
لا تزال المركبات الآلية والمأهولة تجلب أنقى العيّنات القمرية. وحصيلتها معروفة:
- ثلاث بعثات سوفيتية من برنامج Luna أعادت نحو 300 غرام.
- بعثتا Chang'e 5 وChang'e 6 الصينيتان أعادتا نحو 3.7 كغ.
- ست عمليات هبوط ضمن برنامج Apollo جمعت نحو 382 كغ.
أما النيازك القمرية فلم يُتحقق حتى اليوم إلا من 835 منها، أي 0.7% فقط من النيازك التي تسقط على الأرض. العدد صغير، لكن قيمته تأتي من التوزيع الجغرافي لا من الكمية.
هل كانت عيّنات Apollo منحازة؟
يرى راندي كوروتيف، أستاذ البحوث المتقاعد في قسم علوم الأرض والبيئة والكواكب بجامعة واشنطن في سانت لويس، أن النيازك القمرية أكثر تمثيلاً للقمر من عيّنات Apollo. ويشرح السبب قائلاً: «في زمن Apollo لم نكن نعلم أن خمسة من مواقع الهبوط الستة تقع في منطقة شاذّة جيوكيميائياً من القمر أو بالقرب منها».
وتحمل هذه المنطقة اسم إقليم بروسيلاروم كريب (Procellarum KREEP Terrane)، وهو اسم مأخوذ من البوتاسيوم والعناصر الأرضية النادرة والفوسفور. وقد زارت بعثات Apollo وبعثة Chang'e 5 هذا الإقليم الشاذ على الجانب القريب. أما بعثات Apollo من 14 إلى 17 فأخذت عيّناتها من منطقة شديدة الشذوذ قرب حوض إمبريوم (Imbrium Basin)، وهو سهل بركاني داكن واسع يغطي الربع الشمالي الغربي من القمر.
ويعيد كوروتيف ذلك إلى طريقة اختيار المواقع: «من وجهة نظر الدراسة العلمية، كان برنامج Apollo منفَّذاً على نحوٍ خاطئ؛ لم تكن لدينا بيانات مدارية، سوى التصوير بالأبيض والأسود الذي اخترنا بموجبه مواقع الهبوط». ويضيف: «لم تكن لدينا بيانات معدنية أو تركيبية مأخوذة من المدار». ثم يحسم رأيه: «كان Apollo برنامجاً سياسياً لا علمياً». ويذكر أن جمع العيّنات نفسه لم يكن مضموناً: «اضطر بعض العلماء ذوي النظرة المستقبلية إلى الجدال مع NASA كي يجمع روّاد الفضاء العيّنات».
في المقابل، يقول كوروتيف: «النيازك القمرية، على النقيض، تأتي من مواقع موزّعة على سطح القمر بصورة شبه عشوائية».
كيف تصل الصخور إلى عُمان والقارة القطبية؟
عُثر على معظم النيازك القمرية في القارة القطبية الجنوبية وعُمان وصحارى شمال غرب أفريقيا، وعلى أعداد أقل في صحارى أستراليا وبوتسوانا. والسبب أن الرمال المنبسطة الجافة، المعروفة بالبلايا، والجليد القطبي يجعلان رصد النيازك أسهل. ومن أقدم الأمثلة النيزكان Yamato-791197 وYamato-793169، وقد جمعهما برنامج صيد النيازك الياباني في القارة القطبية الجنوبية عام 1979.
وتقدّر مصادر معهد فيرنادسكي في موسكو أن ما يسقط على الأرض سنوياً من الصخور القمرية يبلغ «عدة عشرات أو بضع مئات من الكيلوغرامات». أما زمن الرحلة فيتفاوت كثيراً. فالصخور التي تدور حول الأرض قد تحتاج من بضع سنوات إلى عشرات آلاف السنين لتبلغ السطح، والتي تدور حول الشمس قد تضرب الأرض بعد ما يصل إلى بضعة عشرات الملايين من السنين من مغادرتها القمر.
وتتناول هذه المسائل ورقتان منشورتان: الأولى في مجلة Astronomy & Geophysics عام 2013 عن اكتشافات النيازك القمرية وتوزيعها، وهي متاحة هنا. والثانية في مجلة Elements عام 2025 عن كميات العيّنات القمرية المُعادة وسياق مواقع الهبوط، وهي متاحة هنا. كما تتوفر معلومات عن النيازك القمرية على موقع جامعة واشنطن.
ماذا يمكن أن تكشفه عن قشرة القمر وباطنه؟
لا يعرف العلماء ما إذا كانت القشرة القمرية على الجانبين القريب والبعيد قد تشكّلت بالطريقة نفسها. وهنا تبرز أهمية هذه الصخور، كما تقول كاثرين جوي، أستاذة علوم القمر والكواكب في جامعة مانشستر البريطانية: «النيازك القمرية مفتاح هذه القصة، لأنها قد تمنحنا قطعاً من قشرة القمر القديمة، ولا بد أن بعضها جاء من الجانب البعيد».
وتتصل الفكرة بفرضية محيط الصهارة القمري (LMO)، وهي فرضية تفترض وجود محيط صهارة عالمي في تاريخ القمر المبكر، ربما غطّى القمر إلى عمق عدة مئات من الكيلومترات. وتقول جوي: «يمكننا استخدام كيمياء هذا النوع من النيازك القمرية وأعمارها لاختبار فرضية محيط الصهارة القمري».
وتتمنى جوي أن يُعثر على عيّنات أكثر تميّزاً: «سيكون أمراً مذهلاً أن نتمكن من تحديد عيّنة من موضع فريد جيوكيميائياً على القمر، مثل منطقة صهارية شديدة التطور كمنطقة أريستارخوس (Aristarchus)، أو أن تكون لدينا عيّنة تحتوي على قطع كبيرة من وشاح القمر». وتضيف: «هذه الأنواع من العيّنات ستخبرنا بأمور شديدة الإثارة عن باطن القمر وتاريخه الحراري».
ما الذي يعيق القراءة الكاملة؟
يبقى القيد الأساسي هو المجهول. يقول كوروتيف: «لكننا لا نعرف على وجه اليقين من أين جاء أي منها». وتصف جوي الأثر العلمي لذلك بقولها: «كل حجر يروي صورة مدهشة عن ماضي القمر، لكن عدم معرفة المكان الذي جاء منه الصخر بدقة يشبه فقدان القطع الوسطى من أحجية».
وبذلك تتكامل مصادر العيّنات. فعيّنات المركبات معروفة المواقع لكنها محدودة الانتشار، والنيازك واسعة التمثيل لكن أصلها مجهول. ويبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كان من الممكن يوماً ربط حجر عُثر عليه في صحراء أو جليد بموضعه الأصلي على القمر. وللاطلاع على أعمال الباحثين المذكورين، يمكن مراجعة صفحة راندي كوروتيف وصفحة كاثرين جوي.
أخبار ذات صلة

صورة كونية نادرة: مرصد فيرا روبن يلتقط صورته الأولى الاختبارية

الأقزام البيضاء ليست بيضاء: ألوان حقيقية تكشفها الفيزياء الفلكية

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى
