تحول السينما المصرية وتحديات الوصول للجمهور الخليجي
تغيّرت ذائقة الجمهور الخليجي نحو جودة السينما مع انفتاح دور العرض، والسينما المصرية تسعى لتطوير السيناريوهات ودمج الأجيال الجديدة مع الخبرة. المنصات الرقمية تفتح فرصاً جديدة والمشترون الدوليون يبحثون عن خصوصية القصص. وورلد برس عربي

لم يعد الجمهور في السعودية ودول الخليج يكتفي بمقعدٍ وكيس فشار. يقول المنتج السوري Mohamed Mashish، الذي يعمل في مصر منذ عقود، إن شباك التذاكر الخليجي تغيّر: «في البداية، حين شرع السعوديون في افتتاح دور السينما، قبلوا بكل شيء لأنه كان جديداً». ويصف عقلية تلك المرحلة قائلاً: «كأنّ الواحد يقول: سأذهب إلى السينما وآكل الفشار، أياً كان نوع الفيلم الذي سأشاهده».
أما اليوم فيرى أن الصورة مختلفة: «هم أكثر انتقائية مما كانوا عليه». ويضيف: «لن يقبلوا بأي شيء يُعرض عليهم بعد الآن. فبما أن دور السينما مفتوحة الآن في السعودية والخليج، فهم يشاهدون السينما العالمية، ولذلك يطالبون بهذا المستوى من الجودة».
هذا التحوّل في ذائقة سوقٍ تُعدّ حاسمة للأفلام المصرية كان حاضراً في نقاشات الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي (El Gouna Film Festival)، التي اختُتمت قبل أيام. فقد اجتمع منتجون وصنّاع أفلام من مصر والمنطقة ليسألوا سؤالاً واحداً: ماذا تحتاج السينما المصرية لتتحوّل من صناعةٍ تستعيد أنفاسها إلى صناعةٍ تصل إلى جمهورها، في الداخل والخارج؟
من 112 فيلماً إلى 16: أين تقف الأرقام اليوم؟
كانت السينما المصرية يوماً تهيمن على الإنتاج السينمائي في العالم العربي. وتُظهر أرقام غرفة صناعة السينما المصرية أن مصر أنتجت 112 فيلماً عام 1988، ثم تراجع الإنتاج بعد عقدٍ واحد إلى 16 فيلماً فقط.
المنحنى يتجه اليوم صعوداً. فقد أنتجت مصر 51 فيلماً روائياً طويلاً في 2022، ثم 67 فيلماً في 2023. لكنّ المشاركين في الجونة لم يتعاملوا مع هذا التعافي بوصفه نهاية الحكاية، بل بدايتها. فالعدد وحده لا يضمن أن يصل الفيلم إلى قاعة العرض أو إلى شاشة المشاهد.
هل تكفي الكاميرا الجيدة بلا نصٍّ جيد؟
يضع Mohamed Mashish تطوير السيناريو وكتابته في صدارة الأولويات. «نحتاج إلى مزيدٍ من الوقت للتطوير وكتابة السيناريو»، يقول. ثم يشرح المأزق بصورةٍ عملية: «لدينا كل مكوّنات الصناعة، لكن ليست لدينا سيناريوهات. فما الذي يمكنك فعله؟ لديّ كاميرا جميلة ومدير تصوير جيد، لكننا لا نستطيع فعل شيء من دون سيناريو جيد».
وكلامه يأتي من تجربةٍ عملية. فقد أنتج عام 2016 الدراما المصرية “Grand Hotel”، التي صارت أول مسلسل مصري وأول مسلسل ناطق بالعربية على Netflix، وعرضتها المنصة دولياً عام 2018 بعنوان “Secret of the Nile”.
ويرى Mashish في جيل الشباب رصيداً لم يكن متاحاً لمن سبقهم: «هم أكثر انفتاحاً. هم متصلون بالإنترنت وبكل شيء»، كما يقول. ويفسّر ذلك بأن المنصات صارت في المتناول: «هم يشاهدون الآن أكثر من ثقافتنا وحدها، ولذلك هم أكثر انفتاحاً ومستعدون للانطلاق». لكنه لا يدعو إلى الاستغناء عن أصحاب الخبرة: «علينا أن نجمع الجيل القديم والجيل الجديد معاً». ويتابع: «الجيل الجديد يأتي بمنظورٍ مختلف، لكنّ السينما ما زالت بحاجة إلى الخبرة، لذلك علينا أن نجمع هذه المواهب الجديدة مع الخبرة الموجودة أصلاً في الصناعة».
ماذا تمنح المنصات للمواهب المصرية؟
المخرج المصري Hadi El Bagoury، الذي أخرج عام 2016 فيلم “Hepta: The Last Lecture”، وهو أعلى الأفلام الرومانسية إيراداً في تاريخ السينما المصرية، يرى في المنصات الرقمية فرصةً للمواهب المصرية. ويقول: «تكتشف قصصاً جديدة ومخرجين جدداً وأنواعاً جديدة»، ويضيف: «تكتشف عدداً أكبر بكثير من المخرجين ومديري التصوير والممثلين والأساليب المختلفة».
وفي رأيه أن هذا الانكشاف يعيد تشكيل ما ينتظره المشاهد: «يريدون أنواعاً جديدة، ويريدون قصصاً أصلية».
ما الذي يبحث عنه المشتري الدولي؟
إذا كان الجمهور الخليجي يطلب الجودة، فإن السوق الدولية تطلب الخصوصية. هذا ما يؤكده Ziad Srouji، المنتج والموزّع اللبناني الذي عمل في السينما والتلفزيون في أنحاء العالم العربي. يلخّص الفكرة في جملة: «الخصوصية تسافر، أما العمومية فلا».
ويفصّل: «المشترون الدوليون لا يبحثون عن أفلام عربية تقلّد سينما النوع الغربية، وقد سئموا الأفلام التي تُصنع لمجرد شرح المنطقة للغرباء. إنهم يريدون قصصاً متجذّرة في عالمٍ شديد الخصوصية، لكنها مدفوعة بفكرةٍ يستطيع أي شخص استيعابها في جملة واحدة».
غير أن الفكرة، في نظره، ليست نهاية الطريق: «الفكرة الجيدة تُدخلك إلى الغرفة. لكنها لا تُوصلك إلى نهاية الإنتاج، وبالتأكيد لا تُوصلك إلى جمهور». ويحدّد ثغرات يراها شائعة: «كثير من الأفلام تصل إلى السوق من دون وكيل مبيعات مرتبط بها منذ وقتٍ مبكر، ومن دون مواد التسليم جاهزة، ومن دون استراتيجية تموضع تتجاوز العرض الأول في مهرجان». ولذلك يدعو إلى أن تبدأ استراتيجيات المبيعات والتوزيع من اليوم الأول، لا بعد العرض الأول في المهرجانات.
هل من مساحةٍ لمواهب الداخل؟
على أرض الجونة نفسها خطوة عملية في هذا الاتجاه. فقد أطلقت CineGouna، الذراع الصناعية للمهرجان، هذا العام برنامج Egyptian Voices، واختارت أربعة مشاريع مصرية ما زالت في مرحلة التطوير. ويحصل كل مشروع منتقى على تدريب مصمّم لحاجاته في العرض التقديمي (pitching) وتجهيز المشروع للسوق (packaging) والإنتاج المشترك.
لكن Hadi El Bagoury يتحدث عن حاجة أبعد من التدريب، فهو يطالب بمنصات يملكها مصريون ودور عرض بأسعار في المتناول: «نحتاج إلى مزيدٍ من المنصات المملوكة لمصريين، ومزيدٍ من دور العرض. دور عرض رخيصة ومتاحة للجميع». ويرى أن الاكتفاء الذاتي هو الغاية: «نحتاج إلى الكثير من هذا حتى لا نضطر إلى الاعتماد على أحد. نحتاج أن نعرض أفلامنا في سينماتنا وعلى منصاتنا».
وفي مقابل الاحتفاء بالمهرجانات، يضع Ziad Srouji معياراً أكثر تواضعاً وأكثر صرامة: «الاختيار في مهرجان كبير انطلاقة، وليس مسيرة مهنية». أما النجاح المستدام فله عنده تعريف بسيط: «النجاح المستدام هو أن يكون تمويل فيلمك الثاني أسهل من تمويل الأول».
وهنا السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة: هل تتحوّل أرقام التعافي من 51 إلى 67 فيلماً إلى مخرجين يجدون تمويل فيلمهم الثاني بسهولة، وجمهورٍ يختار الفيلم المصري عن اقتناعٍ لا عن فضول؟
أخبار ذات صلة

نجوم "Squid Game" و"KPop Demon Hunters" يحتفلون بعقد Netflix الكوري وسط تلميحات حول "Tantara" والموسم الثاني من "All of Us Are Dead"

صُنّاع مسلسل "مهابهارات" الهندي يستعينون بالأساطير الإندونيسية في اتفاقية ملكية فكرية مشتركة (انفراد)

الجونة تختتم: «مخرج آمن» يحصد الجائزة الأولى والتلفزيون العربي يبحث عن المواهب الجديدة
